السودان: الشعب يستأنف السيرورة الثورية

 

 

هزت انتفاضة شعبية النظام الحاكم في السودان، لم يتردد الأخير في استعمال العنف القاتل كما فعل طيلة عقود طويلة من الديكتاتورية العسكرية السافرة أو خلف واجهة خادعة. منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية بلغ عدد القتلى 40 شخصا أغلبهم نتيجة طلق ناري واعتقال 400 متظاهر. لا خيار أمام النظام المفلس غير طريق القمع الشديد على منوال من سبقوه من عتاة الطغاة في منطقتنا.

حدة الأزمة تدفع الشعب الي الاحتجاج في الشارع

خرجت احتجاجات شعبية في مدينة عطبرة في شمال السودان ضد انعدام الدقيق المدعم وضد غلاء سعر الخبز، امتدت الاحتجاجات تباعا إلى ولايات النيل الأزرق والولايات الشمالية والشرقية ووسط البلد لتصل في الأخير الى العاصمة الخرطوم.

عمت الاحتجاجات 13 ولاية من أصل 18 ولاية في البلد، وتجدرت مطالب المحتجين من التنديد بالغلاء وتعمق الفقر الجماهيري وشح السيولة للسحب البنكي لتنتقل إلى المطالبة بإسقاط البشير ونظامه الديكتاتوري الفاسد.

لعب الشباب المنحدر من أوساط شعبية دور المفجر وركيزة التعبئة، خصوصا في بداية النضال. ووشج صموده في وجه القمع آخرين للالتحاق بالمسيرات الشعبية.

الجذور العميقة للانتفاضة الشعبية بالسودان

السودان ليس بلدا فقيرا. تبلغ مساحة البلد حوالي مليون و865 ألف كلم مربع يخترقه نهر النيل. إنه بلد المفارقات: يتوفر على تنوع مناخي وأراضي خصبة ووفرة المياه والمراعي، لكنه، يستورد المواد الغذائية من الخارج خصوصا القمح. يملك ثروة مائية هائلة لكن ثلت سكانه فقط يستفيدون من الكهرباء وتعاني المنشآت الصناعية من ضعف الإنتاج الكهربائي. يتوفر على ثروة هائلة من المواد الأولية، ويصل عدد السكان حوالى 37 مليون نسمة أغلبهم من الشباب الذي سدت في وجهه كل السبل في ظل أزمة عميقة وشاملة .

يوجد السودان بين عشرة دول الأكثر فسادا في العالم، حيث يتجاور الفقر الشديد والمنتشر شعبيا مع ثراء أقلية من أزلام النظام الحاكم. وتوجه ثلاث أرباع الميزانية التي تبلغ 13.4 مليار دولار لأجهزة الجيش والأمن والوزارات “السيادية” ولا تتعدى ميزانية التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية %5.

أدى انفصال جنوب السودان سنة 2011 إلى فقدان خزينة الدولة ما يقارب %70 من عائدات تصدير البترول المنتج غالبه بالجنوب، مما شكل سببا إضافيا لتفاقم الأزمة الاقتصادية البنيوية للنظام.

ولا شك أن نظام العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان بتهمة دعم الإرهاب منذ عقدين، ساهمت في مفاقمة أوجاع البلد اقتصاديا خصوصا أن من يدفع فاتورة الحصار الإمبريالي، كما أبانت تجربة الشعب العراقي، هم فقراء البلد.

يظل النظام الحاكم سبب كل الشرور التي تفتك بالشعب السوداني. أسقطت انتفاضة أبريل 1985 نظام “جعفر النميري” الديكتاتوري الذي تولى السلطة عبر انقلاب عسكري في العام 1969. على إثر هذه الانتفاضة تولى “عمر البشير” السلطة منذ 1989، وأعيد انتخابه في 2010 وفي 2015.

حافظ نظام البشير طيلة سنين حكمه الديكتاتوري على كل كوارث أنظمة الفساد والاستبداد، بل فاقمها بإذكاء حروب أهلية لأسباب إقليمية وإثنية وخوض مواجهات لا تنتهي إلا لتبدأ لإجبار الشعب السوداني على تحمل نظامه الديكتاتوري كحصن في وجه تفكك الوطن السوداني. والحال أنه لإنقاذ نظامه لن يتردد في تدمير السودان برمته.

زلزال السيرورة الثورية لم ينته

شهد السودان في شتنبر 2013 مظاهرات شعبية ضد رفع الدعم عن الوقود خلفت 185 قتيلا حسب منظمة العفو الدولية. كما عرفت جامعات الخرطوم احتجاجات طلابية خلال السنتين الماضيتين أدت إلى قتل طلاب وإغلاق أبواب الجامعة لتشتيت تركز الطلاب وتفكيك نقاط التجمعات.

لكن الانتفاضة الحالية حدث تاريخي في نضال الشعب السوداني فلأول مرة تعم النضالات الشعبية مدنا خارج العاصمة ومناطق الشمال والشرق التي ينحدر منها أغلب قادة أجهزة الدولة وينظر إليها كمناطق  تستفيد من رعاية نظام البشير.

تستأنف انتفاضة الشعب السوداني الحالية السيرورة الثورية التي انطلقت بمنطقتناوتمكنت الثورة المضادة من إيقافها مؤقتا. تعود مفجرات الانتفاضة الحالية للجذور الاقتصادية والاجتماعية ولطبيعة نظام الحكم الاستبدادي. وهي قواسم مشتركة في عموم المنطقة وتتظافر الخصوصيات السياسية وعلاقات القوى الطبقية والعلاقة مع الإمبريالية وحجم الموارد المتاحة لكل نظام على حدة لتفسير لاتساوق الديناميات النضالية.

ان استمرار السيرورة الثورية لا يعني استنساخا ولا اتباعا لنفس الخط ولا الانتهاء بنفس المآلات بل هو موجه لتفسير الطور الحالي للنضالات الشعبية بمنطقتنا ولاستخلاص ما يتطلبه من مهام على القوى الثورية.

آفاق الانتفاضة السودانية

يدرك كادحو السودان أن تقرير مصيرهم السياسي وتلبية مطالبهم الاقتصادية والاجتماعية غير ممكنة دون سقوط نظام الحكم القائم، وللوصول لتلك الغاية لا بد من التغلب على جملة قضايا على رأسها ما أثبتته ثورات بلدان أسبق.

يأتي على رأس هذه القضايا ضرورة بلورة مشروع البديل  الذي يجرى النضال لتحقيقه بما يقطع الطريق على المعارضة البرجوازية باختلاف خلفياتها لامتطاء النضال الشعبي. وما يرجح هذا الخطر أنه خيار دائم تلجأ إليه الأنظمة لخلط الأوراق عبر عقد مساومات سياسية تمنح بموجبها لهذه المعارضة تنازلات شكلية، تستعيدها بعد القضاء على الثورة الشعبية.

وبالنظر لكون عمر البشير مطالب للمحكمة الدولية في الجرائم ضد الإنسانية بإقليم “دارفور” فبقائه في السلطة بمثابة حماية لشخصه لن يتنازل عليه بإرادته مطلقا.. وإن كانت  التضحية بالرأس للحفاظ على مجمل النظام تكتيك ممكن في حال استمرار اتساع حجم النضال الشعبي ورقعته، فإن كلفة إسقاطه ستكون مرتفعة جدا.

تخفيض الكلفة البشرية والمادية لإسقاطه رهين ب توسيع النضال الشعبي وتجديره وانخراط قوى الطبقة العاملة في القطاع العام والخاص في إضرابات عامة تصيب الآلة الاقتصادية وجهاز الدولة في مقتل واقتحام الأحياء الشعبية بتشكيل لجان الاضراب. سيمثل هذا خنقا للنظام وبناء لميزان قوى عمالي وشعبي كسبيل لهزم نظام الديكتاتورية.

تفاجئ الثورات الأنظمة بنفس القدر الذي تفاج به الثوار. أصيبت أنظمة الاستبداد بالهلع، فتناست تناقضاتها الإقليمية وسارعت لإعلان دعم الديكتاتوري السوداني. ففي وجه الثورة الشعبية لا تتردد أنظمة الرجعية في التعاضد وتقديم الدعم والمساندة.

الثورة المضادة تتحرك.

أعلن أمير قطر دعمه للنظام السوداني وأمر بتخصيص معونة مالية عاجلة له. كما أوفد النظام المصري وفدا وزاريا يضم وزراء الخارجية والمخابرات والدفاع وأكد دعمه لاستقرار نظام الحكم، رغم خلافاتهما التي بلغت درجة فرض إجراءات عقابية وإطلاق حملات إعلامية عدائية سواء على مسألة التباين حول سد “النهضة” الأثيوبي أو حول منطقة “حلاييب” الحدودية واتهام السودان للنظام المصري بدعم جماعات مسلحة معارضة… الخ؟

تناست الإمبريالية مؤقتا حرصها المرائي على حقوق الإنسان، وغضت النظر عن جرائم النظام السوداني في حق المتظاهرين. أصابت الثورات الشعبية الإمبريالية بالذعر وباتت تنظر لكل النضالات الشعبية مصدرا لموجات هجرة بشرية تتدفق على حدودها فتوقفت على توظيف ورقة “حقوق الانسان” لابتزاز أنظمة الحكم بالمنطقة بل أصبحت تتربص بالمكتسبات الديمقراطية ببلدانها بالذات، خصوصا مع صعود اليمين الفاشي إلى البرلمانات ورئاسته بعض الحكومات.

مهامنا

رغم ما تعرضت له السيرورة الثورية بمنطقتنا من إنهاك جراء شراسة التحالف الرجعي الذي واجهته والذي بلغ درجة نادرة من استعمال آخر اختراعات القتل التقنية في قمع انتفاضة شعبية (الصواريخ البالستية لقصف المدن الآهلة بسوريا، السلاح الكيماوي، صاوريخ مسيرة من البوارج…)، ورغم الأهوال البشرية والحضارية التي خلفتها الثورة المضادة، فإن منطقتنا أبعد ما تكون عن اغلاق الباب الدي فتحته السيرورةالثورية.

علينا دعم انتفاضة الشعب السوداني إعلاميا وسياسيا وتنظيم الوقفات التضامنية أمام ممثليتها الديبلوماسية وفك الحصار المضروب على المناضلين- ات والتشهير بالجرائم التي يرتكبها النظام في حقهم، يجب على أنصار التغيير الثوري بمنطقتنا فضح تواطؤ الأنظمة الرجعية وكشف غاياتها في دعم نظام “عمر البشير” بما هو استباق لهزم الثورة في حدود السودان حتى لا تتحول إلى ملهم لإعادة اشعال الحريق الثوري الذي يأمل كل الطغاة أن يتحول إلى صفحة من تاريخ جرى دفنه.

النصر لانتفاضة الشعب السوداني حتى اجتثات نظام ديكتاتورية الاستبداد والفساد

لأجل تضامن أممي واسع مع شعب السودان الحر وتنديدا بتدخل أنظمة الرجعية المضادة للثورة.

بقلم، أحمد أنور

Print Friendly, PDF & Email