حكومة واجهة منبثقة عن حكومة ظل

تقوم آلية الحكم بالمغرب، منذ إرساء دولة الاستقلال الشكلي، على صنع مؤسسات زائفة لها من السلطة الفعلية القليل الكافي لإعطائها مظهر مؤسسات، لا غير. على رأس هذه المؤسسات حكومة واجهة، يُنزع منها في الواقع ما أُعطيت على الورق. آلية صنعها الحسن الثاني، ليمارس من خلفها سلطة فردية مطلقة حكمت على المغرب باستمرار التبعية لقوى الاستعمار في حُلل مُجدّدَة، مع ما يعنيه ذلك من دوام التخلف، ومعاناة ملايين البشر المقهور. 

يدرك كل منتبه أن جوهر تلك الآلية لا يزال مشتغلا، مع تحديث لخطاب التزويق بما جد من مفاهيم في عالم الديمقراطية الليبرالية. ويمثل دستور 2011 نموذجا لهذه المسايرة اللغوية لـ”روح العصر”. في الواقع تحكم الملكية، وتتحكم بالساحة السياسية، بصنع أدوات حزبية بنحو مباشر [أحرار، دستوري، أصالة ومعاصرة..] وبتطويع قوى سياسية قائمة الذات [أحزاب الحركة الوطنية وقسم من الإسلاميين…]. وتمارس الملكية السلطة في علاقتها العضوية بالقوى الامبريالية الوصية على البلد [الاتحاد الأوربي عبر ما يسمى “شراكة، والعلاقة التقليدية بالامبريالية الأمريكية…]، إنها صيغة محينة من حكم محمد الخامس في ظل ما سمي “الحماية”، صيغة تتيح متسعا أكبر للبرجوازية المحلية. إنه نظام حكم سياسي يضمن مصلحة أقلية رأسمالية محلية ومصلحة الرأسمال الامبريالي. تمويه حقيقة هذا النظام، وضغط ضحاياه، تطلبا إرساء حكومة واجهة تبدو منبثقة عن برلمان، يبدو بدوره منبثقا عن انتخابات، يعرضها إعلام الدولة على أنها حرة ونزيهة.

تعبر حكومة الواجهة عن تحالف بين الملكية وقوى برجوازية، يجري إشراكها هامشيا. وهذا التحالف يتيح في الآن ذاته للملكية ،محتكر السلطة الفعلية، جعل حكومة الواجهة واقيا من غضب الشعب، تُلقى عليه مسؤولية الكوارث الاجتماعية الناتجة عن تطبيق سياسات مدمرة، جرى وضعها في خفية عن الشعب، وتمريرها عبر غرفة تسجيل تُسمى البرلمان.ولا شك أن  حملة التضليل الجارية هذه الأيام لتحميل وزر إغراق البلد في الديون لرئيس حكومة الواجهة، مثال بليغ عن ذلك.

دام اشتغال هذه الآلية عقودا جعلت وعي حقيقتها يتزايد، لا سيما بين ضحايا التضليل السياسي الذي مارسته الدولة بتعاون مع “معارضتها”، أحزاب ما يسمى الحركة الوطنية الديمقراطية. فبات مفهوما حكومة الظل وحكومة الواجهة لازمين لكل جهد لمقاربة حقيقة النظام السياسي المغربي. 

الاشتغال بحكومتين خاصية للأنظمة الاستبدادية، وقد أبان بالمغرب فعاليته السياسية، بالتضحية بوزراء وأحيانا بحكومات بكاملها لامتصاص النقمة وخلق وهم التغيير. ولاشك أن تغيير حكومة الواجهة في عز حراك 20 فبراير2011 ، وقبله استعمال الحسن الثاني حزب اليوسفي في  خدعة “التناوب”، لدليل قوي على تلك الفعالية. لكنها فعالية ناتجة عن تخلف الجماهير الشعبية السياسي، بسبب عقود هيمنة قوى ناقصة النزعة الديمقراطية في ساحة المعارضة، هيمنة ساعدها الملك ذاته بإبادة الديمقراطيين الحقيقيين. 

وها نحن اليوم إزاء دعوة جديدة من الملك لترميم الواجهة. سياق هذه الدعوة تعاظم مظاهر استفحال النتائج الاجتماعية المهولة لسياسة نيوبيرالية دامت عقودا وتكاثر تعبيرات الاستياء الصاعدة من أسفل. الخراب الاجتماعي يمد بطاقة احتجاج متنامية، عبرت عن نفسها مرارا، وبلغت ذروة في الريف وجرادة. ولا ريب أن دراية أجهزة الدولة بحقيقة تعاظم السخط الشعبي في الأعماق، وخشية المفاعيل المحتملة لحراكي السودان والجزائر،الذين حققا مكاسب أولية ليس اقلها التخلص من رئيس الدولتين، لا شك أن هاذين العنصران دفعا إلى ما يُعرض حاليا بالساحة السياسية من ترميم لحكومة الواجهة تحت عنوان تجديد الكفاءات.

 الكفاءات أم السياسات؟

 اعتبار الكفاءات مبررا لتعديل حكومة الواجهة، غايته تكريس مغالطة قديمة قدم الملكية قوامها أن التوجيهات السامية سليمة، وأن المنفذين هم من ليس في المستوى. والواقع أن المشكل ليس في المهارات، المشكل في جوهر السياسة التي تطبق، مضمونا وطريقة وضع على السواء: سياسة رأسمالية مفروضة بديكتاتورية مقنعة. 

السياسة المطبقة بالمغرب منذ أن توارى الاستعمار كي يواصلها ويعمقها من وراء القناع، سياسة تخدم مصلحة الرأسماليين المحليين والأجانب. وطبعا يستفيد الرأسماليون المغاربة بتفاوت، حسب القرب من النظام السياسي. وضحايا هذه السياسة هم طبقة الشغيلة، عاملون وعاطلون، وكادحو القرى وجماهير المنفصلين طبقيا، مدبرو القوت اليومي بألف وسيلة ووسيلة. طالما استمرت هذه السياسة، لن يتغير وضع الضحايا ولو بكفاءات يابانية أو أمريكية. 

العملية  الجارية لترميم الواجهة مواصلةٌ للخداع، تريد أن توهم أن المشكل تقني وليس سياسيا، أنه في ادوات التنفيذ وليس في السياسة ذاتها، لكن حبل الكذب قصير. ستستنفد اللعبة مقدراتها على التضليل، ويبقى المشكل، ما الحل؟ ما السبيل إلى تغيير حقيقي، تغيير للسياسات؟

من أجل بناء معارضة عمالية

المعارضة الحقيقية اقتلعها النظام بعقود القمع، من إعدام للحريات، وإبادة للمناضلين/ات. ونضال بروليتاريا المغرب لم يتجاوز الدوران في فلك حركة وطنية بورجوازية لها أهداف بعيدة عن تحقيق مصلحة الأغلبية المقهورة، قبل الاستقلال الشكلي وبعده على السواء. وما اقتربت المعارضة البرجوازية من تلك الأغلبية إلا لاستعمالها ضمن حدود السعي إلى تفاهم مع الملكية، تفاهم اتخذ أسماء متعددة، متنوعة، مسلسل ديمقراطي، انتقال ديمقراطي، ملكية دستورية، ملكية برلمانية …

 القوة السياسية الصاعدة منذ الفشل التاريخي لليسار بالمنطقة برمتها، قوةٌ رجعيةُ المشروع، تسعى إلى الاستعاضة عن الاستبداد القائم بآخر مغاير شكلا، ومماثل جوهرا: استبداد أقلية برجوازية مالكة، تُخضع، بغلاف ديني، الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين، وعامة الكادحين.

في حدود هذه الصورة، لا يبدو ثمة بديل للاستبداد القائم. هذه نظرة سطحية، إذ تمور وتفور مزمجرة في أعماق الطبقة العاملة، وعامة المُفقـَرين، قوة كفاح كفيلة بدك قلاع الاستبداد دكا، وتغيير النظام الاقتصادي الاجتماعي جذريا. لكنها قوة عمياء سياسيا، أو بالأقل ضعيفة الوعي ضعفا بالغا. نضال الأجراء ونضال كادحي العالم القروي، والشباب، احتجاج على نتائج السياسة البرجوازية- الامبريالية المطبقة. مجرد احتجاج لا يعي أصل البلاء، لأن المعارضة التاريخية والمعارضة الإسلامية أفسدتا وعي ضحايا الرأسمالية التابعة، ولأنه لم تتبلور في صفوف الطبقة العاملة نخبة راقية الوعي السياسي، تحمل راية المشروع التحرري التاريخي للطبقة العاملة. وفي غياب هذه النخبة، ستظل طاقة النضال تتبدد في المناوشات اليومية الإصلاحية، وقد تكون وقودا في محركات معارضة برجوازية ليبرالية جديدة، أو معارضة رجعية لا بديل حقيقي في جعبتها. 

مقدمات التغيير العميق والشامل الاقتصادية والاجتماعية قائمة، لكنها غير كافية. تلزم أيضا مقدمات سياسية، أي ميزان قوى عبر بناء أدوات النضال العمالي والشعبي وبالقلب منها منظمة العمال السياسية. بناء هكذا ميزان قوى مهمة المناضلين/ات من أجل ديمقراطية وعدالة اجتماعية حقيقيين، أي متجاوزين للرأسمالية وأنظمتها السياسية.

بقلم، ج. داوود

Print Friendly, PDF & Email