تنسيقية النضال ضد مخطط التعاقد: سبل مواصلة المعركة وتجنب المخاطر 

تمكنت الدولة، بمساعدة قيادات نقابية متواطئة كان كل همها توقيع اتفاقية بأي ثمن عشية فاتح مايو 2019، من فك الخناق المضروب عليها بنضال جماهيري كان المفروض عليهن/هم التعاقد عموده الفقري ولقي تضامن الشغيلة التعليمية. 

استغلت الدولة انتصارها الجزئي لفرض مزيد من الهجمات كان أهمها المصادقة على القانون الإطار 17.51 والإعداد لتمرير مشروعي قانون منع الإضراب والتضييق على الحق النقابي، إضافة إلى هجمات ما تسميه “إصلاح الإدارة العمومية” الساعية إلى تعميم الهشاشة على كل قطاعات الوظيفة العمومية.

هذا هو سياق الدخول المدرسي لموسم 2019- 2020، والعامل الرئيسي وراء ما يُطْلَقُ عليه “عشوائية التدبير“، أي ترك التعليم العمومي لحاله وتدبيره بأقل ميزانية ممكنة وبأقل طاقم شغيلة ممكن.

بدأ تململ في صفوف المفروض عليهن/هم التعاقد مركز بالدرجة الأولى على مطالب جزئية، وصار المطلب الأساس، أي الترسيم في إطار الوظيفة العمومية، متواريا للخلف. 

أهم هذه المطالب الجزئية “حق الاستفادة من الحركة الانتقالية الوطنية”، إضافة إلى مطالب أخرى مثل استعادة المبالغ المقتطعة من أجور المضربات/ين، مِنَحُ فوج 2019، تعويضات المناطق المسترجعة، إلخ… وظل النضال ضد مخطط التعاقد حَبِيسَ البيانات الوطنية والجهوية.

هذا هو السياق العام والخاص الذي سينعقد فيه المجلس الوطني لتنسيقية المفروض عليهن/هم التعاقد يوم الأحد 13 سبتمبر 2019.

مخاطر يجدر تفاديها

نضال ضحايا التعاقد المفروض مهدد بإعادة نفس سيناريو الموسم السابق، ما دام تقييم الأخطاء والوقوف عليها والعمل على تجاوزها، لم يتم بعد. 

أ. عزلة النضال

بدأ هذا الموسم مرة أخرى كسابقه: معارك محلية (إن بمطالب جزئية) معزولة عن بقية جسم شغيلة التعليم التي تطالب بنفس المطالب، وفي مزايدة- غيرنضالية- تجاه التنسيقيات الإقليمية الأخرى، كأن الأمر منافسة حول لقب المديرية الأكثر نضالية.

يُغَيِّبُ هذا المنطق النقاش السليم لآفاق المعركة وسبل بنائها انطلاقا من القاعدة، ويحولها إلى شعارات للحشد والتجييش والتنافس حول من يحقق أعلى نسب إضراب.

ب. سلبية القاعدة

وهي خطر موروث منذ عقودِ عن خَطٍ نقابي يعتبر قواعد الشغيلة محض زبناء، يفوضون أمر تسيير التنظيم وتقرير المعارك وتوجيهها إلى القيادة. ورثت التنسيقية هذا الخط النقابي وأعادت إنتاجه تنظيميا. وفاقم هذا اتجاهٌ نحو ترسيخ سلبية قاعدة الأعضاء هذه بترسيم قواعد تنظيمية تحصر كل الصلاحيات في يد الأجهزة وتُضَيِّقُ حقوقَ النقاش الداخلي.

ج. خطر الوساطات ومأزق “الحوار”

منذ توقف إضراب مارس أبريل، والوساطة النقابية (خاصة التابعة لحزب الاستقلال) مستمرة بين الدولة ولجنة حوار التنسيقية الوطنية.

طبعا الدولة لا تريد القضاء نهائيا على “هياكل” التنسيقية الوطنية. إنها تريد بقائها محدودة تنظيميا، وجعلها كابحا لأي موجة صاعدة من أعماق المفروض عليهن/هم التعاقد.

يشكل خطر مساومة بين الوزارة والوساطة من جهة ولجنة الحوار من جهة أخرى أكبر خطر يواجه النضال ضد مخطط التعاقد حاليا. فـ”قيادة” التنسيقية قد تسعى إلى انتزاع مطالب تطمئن بها الجماهير الأستاذية (خصوصا الحركة الوطنية) بمبرر حَسَنُ النية، ينطلق من أن مراكمة مثل هذه المكاسب سَيُنْتِجُ مطابقةً لأوضاعِ المفروض عليهن/هم التعاقد القانونية مع تلك الخاصة بالمرسمات/ين.

ومن جهتها، قد تُقَدِّمُ الدولة تنازلاتٍ- ذات طابع استثنائي وليس دائم- مقابل قبول التنسيقية لصيغ منقحة من “الأنظمة الأساسية الخاصة بأطر الأكاديميات الجهوية”. هذا هو الخطر الذي يجب الحذر من التوحل فيه.

سبل مواصلة النضال ضد مخطط التعاقد

مهما كان وقع حصيلة المعركة وتداعياتها على عزيمة مجموع الأساتذة/آت المفروض عليهن/هم التعاقد فستُمْحى آثارها بمرور الزمن وتراكم المشاكل وتدفق أجيال نضال جديدة. لم تتلق التنسيقية الوطنية هزيمة ماحقة، فقد خَلَّفَتْ تجربة من النضال وتنظيما لا زال قائما واستعدادا نضاليا، وإن خفت فلا زال جمرةً تحت الرماد ستعيد إشعالها سياسة الدولة المخربة لأوضاع الشغيلة.

تنفتح آفاق مهمة للنضال ضد مخطط التعاقد وكل أشكال تفكيك الوظيفة العمومية، ويفترض هذا الاشتغال على جبهات عديدة أهمها:

– الانطلاق من المطالب الملموسة لشغيلة التعاقد المفروض والتعبئة لتحقيقها بأساليب نضالية، وليس بأسلوب الوساطة واستجداء الحوار. أهم هذه المطالب تتعلق حاليا بالحركة الانتقالية الوطنية واسترجاع مبالغ الاقتطاع وتقليص ساعات العمل خاصة في المستوى الابتدائي، إلخ… وربط النضال من أجل هذه المطالب الجزئية بالنضال العام ضد مخطط التعاقد.

– تنسيق خطوات النضال من أجل هذه المطالب مع شغيلة التعليم المُرَسَّمَة، والعمل على بناء عمل نضالي وحدوي ضد التعاقد وضد إصلاح النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية ومجل أنظمة الوظيفة العمومية.

– إطلاق طاقات النضال التي شهدنا بعض آياتها في الموسم الفارط، وربط التفاوض بالمعارك النضالية وليس جعله آلة دائمة على غرار ما تحاول الدولة جر التنسيقية إليه، مع إخضاعه للنقاش الداخلي الديمقراطي وتجنب وضع تدبيره بين عناصر محدودة قد تكتشف متأخرة اأنها غارقة في مناورة خداعة وترمى جانبا لحظة استنفاد دورها.

– نقاش داخلي ديمقراطي عميق يضع حصيلة ما تحقق ويجري تقييما لحال التنسيقية تنظيميا ونضاليا، ويتلمس سبل استئناف المعركة، شعارها وبرنامجها ومطالبها، وسبل بناء ميزان القوى الضروري مع شغيلة التعليم، وكل شغيلة الوظيفة العمومية، على مطالب مشتركة، على سبيل المثال، من أجل إسقاط قانون منع الإضراب، وسحب مشروع تقييد الحق النقابي، وضد ما يسمى إصلاحا لأنظمة التقاعد، وضد تخريب الوظيفة العمومية… 

عاشت التنسيقية مكافحة وديمقراطية، ليسقط مخطط التعاقد المشؤوم

بقلم، شادية الشريف

Print Friendly, PDF & Email