السيرورة الثورية بالمنطقة: اليسار بين الانتهازية المضادة لثورات الشعوب والخيار الطبقي الأممي.

اشتعلت منطقتنا بحريق ثوري انطلقت شرارته بتونس أواخر 2010، سرعان ما التهمت نيرانه كراسي كانت تبدو راسخة، بسبب ما أبانت عنه من شراسة في البطش واجتثاث أي مظهر للتنظيم المعارض. 

في مقابلة صحفية سألت الصحيفة بشار الأسد عن موقع سوريا من الثورات المشتعلة بالمنطقة، فأجاب مفعما باليقين “سوريا دولة ممانعة ولن يحصل فيها ما يحدث في بلدان أخرى بالمنطقة”. أسابيع قليلة بعد تصريحه المتعجرف خطت أنامل صبية شعار “الشعب يريد اسقاط النظام” فالتقطتهم المخابرات العسكرية واحدا تلو الاخر وعذبتهم حتى الموت. بحث عنهم آباؤهم فأجابهم القتلة “ببساطة أنسوا أولئك الأوغاد واحرصوا أن تلدوا غيرهم وإن عجزتم أتوا بزوجاتكم فنتولى الأمر بدلا عنكم”، هكذا اندلعت شرارة الثورة السورية في عرين الأسد بكل فصولها الدموية، وبطولات شعبها، وإبداعات شبابها، وبحر الدماء المسكوب من قبل قتلة لا سقف لجرائمهم باختلاف وسائل القتل المستعملة،من شق البطون، إلى الحرق حتى الموت، ومن القصف بالبراميل حتى القصف بالأسلحة البالستية وتجريب آخر تكنولوجيا القتل، وحج القتلة من لبنان وإيران وروسيا والعراق وقطعان العصابات الرجعية المتطلعين للجنة على جثة شعب سوريا. فتحولت الثورة السورية إلى محطة تنافس قوى امبريالية ومعسكرات إقليمية.

اليسار باسم المعسكراتية يخون ثورة شعب

موقف اليسار عالميا من الثورة السورية انقسم إلى رأيين اثنين:

  • موقف مساند لثورة الشعب السوري ضد النظام البعثي معتبرا إياها حلقة في سلسلة الثورات التي تخوضها شعوب منطقتنا. رافضا خدع نظام الأسد الذي عملت مخابراته بعد ادراكها عمق الزلزال الذي يميد تحت أرجلها إلى اتهام الثورة السورية بأن ورائها تنظيمات الإرهاب الديني أشهر عديدة قبل بروز أي مظهر من مظاهر السلاح. هذا اليسار ظل وفيا لمواقف التضامن الأممي مع العمال وشعوب أي قومية ضد جلاديها القوميين أو الإمبرياليين. شراسة قتل المتظاهرين السلميين وقتل الجنود الممتنعين عن إطلاق الرصاص، أدىت الى انشقاق عناصر عسكرية والتحاقها بالثوار المدنيين وبدأت عسكرة الثورة. هنا بدأت القوى الإقليمية تتدخل وبدأ بيض الرجعية يتكاثر. تعقيد الوضع لم يربك موقف التضامن مع الثورة السورية بل عزل رايته عن كل صنوف الثورة المضادة وحافظ على نقده للقيادات البرجوازية المعارضة في صفوف الثورة نفسها. 
  • موقف مناهض للثورة بمبرر أنها تضعف “معسكر الممانعة والصمود” الذى يجمع نظام البعث في سوريا والجمهورية الإسلامية الإيرانية وقوات حزب الله اللبنانية والحركات الفلسطينية خصوصا القومية اليسارية كالجبهة الشعبية القيادة العامة والجبهة الشعبية وأحيانا حركتي حماس والجهاد الإسلامي. والصين الشعبية وروسيا الاتحادية سندا عالميا لهذا المعسكر في مواجهة الامبريالية الأمريكية. لقد خان أصحاب هذا الموقف الثورة السورية واصطفوا في خندق جلاديها ومرغوا راية اليسار في مستنقع الثورة المضادة باسم قانون التناقضات الذي يبرر كل سياسة انتهازية تضحي بمبدأ الدفاع عن المصالح الآنية والبعيدة للعمال والشعوب وعدم إخضاعها لأي حسابات أو مصالح دول حتى العمالية منها (لما كان لها وجود).

الألغام التي زرعها اليسار الانتهازي تنفجر تحت أقدامه.

شن بشار الأسد حملته العسكرية على ادلب بدعم قصف كثيف شنه الطيران الروسي ومقاتلو حزب الله والمليشيات العراقية والباكستانية وفرق مختصة من الحرس الثوري الإيراني، قلب عاليها سافلها وجعلها خرابا. وأضطر ما تبقى من سكانها إلى النزوح إلى مناطق أخرى بعد اتفاق مع الجماعات الرجعية المقاتلة. هلل اليسار الانتهازي طربا بالنصر العظيم الذي حققه “جيش الممانعة” في “معسكر الصمود “. طبعا هؤلاء اليساريون الفاقدون البوصلة لن ينطقوا بكلمة ولا بإشارة لما حققته قوات الحماية الكردية ضد قوات داعش الدموية في كوباني فهي ليست في معسكرهم الممانع.

شنت الثورة المضادة هجوما عنيفا لوقف تقدم قوى الشعوب الثورية. كان من علاماته، سحق الثورة المصرية بانقلاب عسكري استغل انتفاضة 30 يونيو 2013 ضد حكم الإخوان المسلمين، استعادة نظام الأسد لإدلب بما هي علامة عن تغير في ميزان القوى  بين القوى العسكرية المتصارعة بسوريا، ثم العدوان الإجرامي على الشعب اليمني من طرف التحالف العربي.

مند أواخر دجنبر 2018 اشتعلت المنطقة من جديد بموجة ثانية من الحريق الثوري، بدأت بثورة شعب السودان وتبعته الثورة الجزائرية والعراقية ثم اللبنانية والإيرانية. فإذا أطاحت الثورات في السودان والجزائر برأس النظام، فهما ما زالتا مفتوحتين على دينامية لم تنته بعد. 

في إيران والعراق ثم لبنان يواجه النضال الشعبي أنظمة وأحزابا مسيطرة يعدها اليسار الانتهازي ضمن معسكره “الممانع” لكنها واجهت عمالا وشبابا ثائرا بالرصاص الحي، وقتلت المئات منهم وخلفت آلاف الجرحى ولجأت إلى الاختطاف والتصفيات لمناضلين وإلى اغتصاب النساء واقتحام البيوت. أما في لبنان فان عداء حزب الله للثورة اللبنانية التاريخية معلن، وسيسلك آجلا أم عاجلا خيار مواجهة تطلعات الشعب اللبناني بالقوة بذريعة أن الثوار يخدمون أجندة أمريكية وسعودية لطمس حقيقة دفاعه عن نظام طائفي فاسد ومفلس.

اليسار الانتهازي أغلبه يدفن رأسه في التراب في انتظار أوقات أفضل، بعضه يتهيأ للعودة لكن عليه أن يتذكر أنه ملأ الطريق ألغاما ستنفجر عند كل خطوة يخطوها. لا كلمات لرفع الحرج ولا إعادة ترتيب التناقضات السخيفة ستخلصه من المأزق.

أمام حجم الاحداث الثورية التي جاءت بها الموجة الثانية من السيرورة الثورية بمنطقتنا تمثل المواقف المعلنة والممارسة أساس انكشاف حقيقة كل الأحزاب السياسية وما المصالح الطبقية التي تدافع عنها، بغض النظر عن ادعاءاتها في زمن التطور الهادئ للأوضاع. والمواقف من قضايا الثورة العالمية محك لتحديد حقيقة الطبيعة العمالية الأممية لكل تلاوين اليسار بغض النظر عن بلدانها وأصولها التنظيمية. لأجل ذلك اليسار مطالب بإعلان موقفه من شعب العراق الثائر ومن شعوب إيران ضد نظام الملالي الديني الرجعي وعليه توضيح موقفه من انتفاضة الشعب اللبناني ضد نظام الفساد الطائفي ومن مواقف وممارسة حزب الله اللبناني.

ليست الغاية تسجيل نقط ولا تشويه صفحات ولا حشر في الزاوية، بل الهدف نقاش بين اليسار ينتهي إما إلى تبني منظور تضامن أممي مع قضايا نضال العمال والشعوب دون إخضاعها لغايات غير طبقية وهي أساس هوية اليسار الاشتراكي وإما الدفاع عن خط السياسة الانتهازية الذيلية لمعسكر من المعسكرات الدولية المتنافسة وبالتالي التضحية بالهوية الطبقية الأممية.

بقلم، أحمد أنور

Print Friendly, PDF & Email