التّقشف المُدستر لا يُسقطه إلا كفاحُ الأُجراء

لجأت حكومة الواجهة إلى الفصل 77 من الدستور لرفض تعديلات تقدمت بها المجموعة النيابية للكونفدرالية الديموقراطية للشغل وتم إقرارها بمجلس المستشارين.

همت التعديلات المادة 56 من المدونة العامة للضرائب، فيما يخص الأجور والدخول المعتبرة في حكمها، حيث عمل ذلك التعديل على حذف المعاشات من قائمة الدخول الخاضعة للضريبة. كما استعملت الحكومة نفس الفصل من أجل رفض تعديلين آخرين همَّا زيادة 1000 منصب مالي لقطاع الصحة، وإعفاء تعويضات “الأساتذة الباحثين” من الضريبة على الدخل.

خلف هذا الإجراء الحكومي استياء في صفوف من كان يعول على تمرير التعديل في مجلس النواب أو على الأقل فضح الأحزاب المشكلة للحكومة وخصوصا حزبها الأغلبي بعدما أعفاهم تدخل الحكومة من حرج التصويت ضده. لكن الأمر لا يجب طرحه على هذه الشاكلة بل يجب الذهاب إلى جوهر المشكل المتمثل في طبيعة الدولة القائمة باعتبارها دولة لرجال المال والاعمال، أعدت دستورا على مقاس سيطرتها الطبقية وضمنته ما اشتهت من فصول أضحت معها السياسات الليبرالية والتقشف مبادئ دستورية.

يقول الفصل 77 من الدستور: يسهر البرلمان والحكومة على الحفاظ على توازن مالية الدولة. وللحكومة أن ترفض، بعد بيان الأسباب، المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إلى إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود.” وبهذا المعنى فإن كل تعديل يهم رفعا فعليا لحصة العمال وعموم من هم تحت لن يمر أبدا في البرلمان، وحتى إن مر فتسقطه المحكمة الدستورية باعتباره مخالفة دستورية.

لقد قدم الملك في خطاب 17 يونيو 2011، الذي أعلن فيه طرح ذاك الدستور للاستفتاء، ماهية المادة 77 بكل وضوح “بأن الحرص على التوازنات الماكرو-اقتصادية والمالية قد صار قاعدة دستورية.” وهي المادة التي أعاد التأكيد عليها القانون التنظيمي لقانون المالية في مادته 56، والذي ينص كذلك في مادته العشرين على  “قاعدة ذهبية” ، يُعرفها صندوق النقد الدولي في دليل شفافية  المالية العامة (2007)  كالتالي: “يجب ألا يتجاوز الدين العمومي الاستثمارات العمومية في توافق مع مستوى محدود ومرخص به لعجز الميزانية”.

جاء في تصريح لوزير الاقتصاد والمالية سنة 2015 أن “القاعدة الذهبية تفرض العقلانية في تدبير الدين العمومي. إنها تهدف إلى منع الحكومة مستقبلا من فتح صنابير المالية بغاية تحقيق أهداف بعيدة عن الاستثمار المنتج“. ويقصد الحاكمون بالاستثمار المنتج ذلك المُوَجَّهُ لتهييء الأرضية المناسبة للاستثمار الخاص، الذي لن يكون بأي حال استثمارا في الخدمات العمومية الأساسية إلا إذا أضحت هذه الأخيرة خاضعة لميكانزمات السوق، أي تدر أرباحا للمستثمرين.

إن جوهر هذه القواعد هو: تقديم إعفاءات وتخفيضات ضريبية للمستثمرين الخواص، وهو ما تقوم به قوانين المالية منذ سنوات بمبالغ تتجاوز 32 مليار درهم وترتفع كل سنة، والاستدانة بالالتجاء للأسواق المالية والبنوك، وهو ما يقدم بكل سفالة على أنها إنجازات من أجل توفير البنى التحتية اللازمة لضمان مردودية عالية للرأسمال، وفي المقابل يتم التضييق على موارد تمويل القطاع العام وإنزال الثقل الضريبي على الأجراء وصغار المنتجين وتعميم الإجراءات التقشفية في كل القطاعات الاجتماعية.

يطرح هذا الشكل من التعاطي مع المالية العمومية المشكل في جذره، لا يتعلق الأمر بطبيعة “مخزنية” للدولة كما قد تذهب إليه بعض الأصوات المعارضة التي لا ترى في الاستبداد القائم إلا شكله السياسي بينما تتغاضى عن قصد على مضمونه الطبقي الذي يتجلى بوضوح في شكله الاقتصادي، وهو المنطقة الذي تتبدى فيها عاريةً سيطرةُ البرجوازية الطبقية، يتعلق الأمر بلب سيطرة الطبقات المالكة على البلد ومقدراته وسعيها لإدامة سيطرتها تلك.

في كل أنحاء العالم، بما فيه ما يعتبر “أنظمة ديموقراطية”، أضحت السياسات الاقتصادية والمالية تقرر خارج البرلمانات، وتمرر برقابة “البنوك المركزية” التي أضحت مستقلة عن كل نوع من أنواع الرقابة الشعبية، ولم تعد خاضعة إلا للسوق، أي في التحليل الأخير خاضعة للقوى المهيمنة على السوق، من شركات متعددة الجنسيات وطغم مالية وسياسية. لم يعد البرلمان في كل مكان تجسيدا للسيادة الشعبية، مع فروقات في الدرجة، بل أضحى أكثر فأكثر الأداة الأساسية لإضفاء “شرعية ديموقراطية” على حكم رأس المال وقوانينه.

لا تتنازل الطبقات السائدة عن قراراتها الاقتصادية، التي يتم إقراراها بالآليات الدستورية والبرلمانية المعروفة، إلا عندما يتم مواجهتها بالنضال المباشر والكفاحي والمسير ذاتيا على أرضية مطالب الأجراء وصغار المنتجين، غير الآخذ في الاعتبار أية مصلحة مشتركة مزعومة للأجراء مع رأس المال ومقاولاته ودولته، سواء كانت تلك المصلحة مغطاة بشعارات وطنية أو بشعارات المعجزة الاقتصادية القادمة التي تفترض من الأجراء تقديم تضحيات.

لقد أعطى نضال الأجراء عبر السنين دروسا في كيفية كسب المعارك المطلبية، كان آخرها درس نضال العمال الفرنسيين الظافر الأخير ضد إصلاحات التقاعد، حيث ووجه الإجراء الحكومي بالإضراب العام الممدد واحتلال الشوارع والتشبث بمطلب سحب المشروع الليبرالي وليس الحوار حوله في مؤسسات “الحوار الاجتماعي” أو مناقشته في الجمعية الوطنية الفرنسية (درة الديموقراطية … البورجوازية)، وهو درس بليغ للحركة النقابية المغربية التي واجهت الإصلاحات المقياسية اللعينة بالإضراب ليوم واحد، مع بدعة “تقنية الإضراب” القاضية بالجلوس في البيوت والعمل على تعويض ساعات الإضراب الضائعة لكي لا تتضرر”تنافسية الاقتصاد الوطني”، وقبول بعض القيادات مناقشة الإصلاح في البرلمان والتصويت عليه، وكذلك الاستمرار في المطالبة بالعودة للحوار الاجتماعي، أي الحوار مع مصاصي دماء العمال المصرين على مصها إلى آخر قطرة… ما هكذا يتم كسب المعارك.

لأجل فرض مطالب الأجراء، عاملين ومتقاعدين، ينبغي القطع مع نهج زرع الأوهام البرلمانية في صفوف الشغيلة، إن مهمة البرلمانيين العماليين الحصرية هي مخاطبة إخوانهم العمال، مستعملين منبر البرلمان، منورين إياهم حول طبيعة تلك المؤسسة الطبقية البورجوازية، ومستغلين إياها لإنماء وعي الاجراء وصغار المنتجين بمصلحتهم الطبقية التي لا تلتقي بكل الأحوال مع مصالح أرباب العمل وأحزابهم ودولتهم، واستغلال كل حدث داخل البرلمان أو خارجه لتنوير أفهام الكادحين بأن مؤسسة البرلمان ليست بالمؤسسة التي ستحقق مطالبهم، وأن الأحزاب الممثلة في البرلمان هي أحزاب لأعدائهم الطبقيين.

إن المناضلين العماليين يدركون بخبرة عشرات السنين من تواجد ممثلي العمال في البرلمانات أن التشريع الوحيد الممكن طرحه من قبلهم هو قانون يقضي بمعاقبة العصابة البورجوازية التي تأخذ بخناق البلد ومقدراته وتسوق الملايين من عماله وكادحيه نحو مهاوي الاستغلال الكثيف والبطالة الجماهيرية وتقبر كل سعي نحو السيادة الوطنية والشعبية.

لأجل فرض مطالب الأجراء تلزم سياسة نقابية جديدة، تقطع مع أوهام التعاون الطبقي، وتذهب نحو بناء عمل نقابي من طبيعة مغايرة: وحدوي، ومسير ذاتيا، وقائم على منظومة مطالب لا تراعي إلا مصلحة الأجراء وحلفائهم، ومفجر للقدرات النضالية الكامنة لدى طبقتنا.

لأجل فرض مطالب الأجراء ينبغي بشكل دائم الإعداد للإضراب العام المسير ذاتيا والمفتوح على إمكانية التمديد.

عبد الكريم عامل

Print Friendly, PDF & Email