الحد الفاصل بين الليبرالي والديمقراطي

منذ انطلاق “معركة” الدستور والانتخابات في أواخر 1989 إلى الآن، ظل النقاش داخل الصف المعارض للمخزن محدودا جدا بل يكاد ينعدم كما طغت اعتبارات الدبلوماسية وتجنب إزعاج الشقيق الأكبر. فالصحافة، إحدى أهم أدوات الاتصال بالجماهير، لم تكن منبرا لنقاش مختلف الخطوات التي أقدمت عليها المنظمات السياسية المعارضة: وضع وتقديم المطالب والعمل لتحقيقها وسبل مشاركة الجماهير الشعبية وتقييم محطات “المعركة” إلخ، إذ لم نقرأ أبدا بأي جريدة رأيا يناقش آخر في كل صحف ما عرف باسم “الكتلة الديمقراطية”.

أصبح غياب النقاش هذا خاصية للحياة السياسية بالمغرب فأصابها بالرتابة والخمول. فما هو تفسير ذلك؟ من جهتنا لا نرى مبررا للتفادي المنهجي للنقاش سوى أمرين:

1- اعتباره مصدرا للخلاف والشقاق وبالتالي العصف بوحدة القوى المعارضة وإضعاف حدود كسب المعركة، وبديهي أن هذا الظن متخلف ولا يستحق الرد.

2- التخوف من أن يؤدي النقاش والجدل إلى تبلور أفكار جديدة مغايرة وارتقاء مستوى الجموع الواسعة وما يحمله ذلك من خطر انفلاتها، فتغييب النقاش الواسع في القواعد هو وحده الكفيل بإبقائها قطيعا طيعا منصاعا لما يقرره رجال “السياسة الراقية”.

وهذا ما لا يمكن بتاتا أن يقبله ذو حس ديمقراطي.

لذا فلا خلاص من المآزق التي تسير إليها المعارضة، بجميع مكوناتها، إلا في فتح كل النوافذ ونفض غبار التحريم والتقديس والتخلص بسرعة من نفاق المجاملات.

لحد الآن لم يتجاوز قواعد لعبة تفادي الجدال غير المناضلين الراديكاليين بانتقادهم للمعارضة “البناءة والمسؤولة” من جهة، ومناقشة آراء رفاقهم من جهة أخرى. إلا أنه، حسب ما نرى، بقي انتقاد تلك المعارضة دون الغوص في جوهر المسائل بينما تبقى المناقشة بين الرفاق هزيلة ومتعثرة. فعلى سبيل المثال، مرت وجهة نظر الأموي دون أن تحظى بالدارسة والنقاش رغم أنها حملت تصورا مغايرا للنضال من أجل الديمقراطية كان سيدفع الأمور في اتجاه آخر غير الفشل الذي انتهت إليه “معركة” الدستور والانتخابات الفاترة.

كذلك رفع حزب الطليعة [لديمقراطي الاشتراكي] مطلب الجمعية التأسيسية دون أن يثير أي نقاش حتى داخل الحزب نفسه (وهو ما تأكد خلال المؤتمر الأخير) ولا بين باقي اليسار الديمقراطي رغم الأهمية القصوى لذلك المطلب في وضع كالذي يوجد فيه مغرب اليوم.

ويسري هذا أيضا على آراء عديدة عبرت عنها جريدة حرية المواطن (ة) وأخواتها، لكن سرعان ما تعثر النقاش وركد.

إن السؤال الذي طرحه الرفيق البلعيشي: هل نحن ديمقراطيون؟ (عدد 1 من اليسار الديمقراطي) بادرة أخرى علينا جميعا نحن الديمقراطيون الراديكاليون أن نجنبها مصير سابقاتها، خاصة وأن سؤال البلعيشي يضع الأصبع على إحدى المسائل الجوهرية في النضال من أجل الديمقراطية: مسألة تمييز الديمقراطيين فعلا عن غيرهم داخل صف المعارضة.

لذا سندلي برأينا في ما أثاره الرفيق البلعيشي مضيفين ما نراه كفيلا بالمزيد من الوضوح وتعميق النقاش.

أولا- من هو الليبرالي؟

جرت العادة في الساحة السياسية المغربية على تداول تعبر “القوى الوطنية الديمقراطية” دون أدنى احتراس من إساءة استعماله، مما يؤدي إلى الكثير من الخلط والإبهام خاصة في تمييز الديمقراطيين فعلا عن الليبراليين. بل يسقط بعض الديمقراطيين الراديكاليين أنفسهم في فخ الخلط الذي يعمل الليبراليون لإشاعته، وليس هذا المسعى إلى الدقة في الأوصاف مماحكة، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هو جوهري وضروري لبناء القوة اللازمة لخوض النضال من أجل الديمقراطية.

فالاتجاه الليبرالي يتميز بـ:

1) عدم سعيه للقضاء على كل مؤسسات النظام المخزني أو امتيازات المستفيدين منه، وهو ما يفسر ركضه الدائم نحو المساومة (التوافق والتراضي).

إن الليبرالي، بخلاف الديمقراطي، يهدف إلى تقاسم السلطات والامتيازات مع الماسكين بها ولا يغيظه إلا أشد أشكال التسلط فظاظة، وهذا ما يجعله يلجأ إلى تلك الأساليب التي أوردها الرفيق البلعيشي ودعا إلى القطع معها:

– أساليب التقرير في الكواليس وبعيدا عن الجماهير.

– أساليب المراهنة على مشاريع فوقية.

وليست خاصية الليبرالية هذه جزافية بل نابعة مباشرة من كونها معبرا سياسيا عن مصالح أقسام من الطبقات المالكة. فحكم المخزن ليس منسجما سوى مع مصالح بعض الأطراف داخل الطبقات المالكة، مما يلقي بأطراف أخرى منها إلى صف المعارضة. فلا يخفى، مثلا على احد أن تطبيق برنامج التقويم الهيكلي بحذافيره، أثار استياء أقسام من البرجوازية وجمهور المثقفين البرجوازيين الحالمين بتحديث الرأسمالية المخزنية التابعة. وليس صدفة أن خالد الجامعي ختم المقال الذي جر عليه تهديد وزير الداخلية بقوله: “… يجب أن ندقق هنا كون مطالب الأحزاب الديمقراطية ليست فقط مطالب السياسيين بل إنها تتقاطع مع مطالب المقررين الاقتصاديين الذين يطالبون أن تتوقف الزبونية وتوزيع الامتيازات عن التحكم في الليبرالية الاقتصادية…”.

بلغة مفهومة واضحة: إن مطالب المعارضة هي مطالب القسم المتضرر من البرجوازية، إذن هناك جذور طبقية لنهج السعي إلى التراضي.

2) تتميز الحركة الليبرالية بعم ثقتها في الجماهير الشعبية بل حتى بخوفها منها: إنها تخاف الديمقراطية الفعلية أكثر من الرجعية والاستبداد. ولذلك فهي تكبل مبادرات الجماهير وتخشى فعلها المباشر وتقدس “النضال” بين جدران المؤسسات (البرلمان واجهة نضالية، الجماعات المحلية واجهة نضالية، مجلس الشباب والمستقبل واجهة نضالية، إلخ)، فطيلة “معركة” الدستور تجنبت المعارضة بعناية فائقة كل ما من شانه أن يحفز تدخلا مباشرا لأوسع الجماهير وأبقت المطالب محصورة بين الجدران ووفق الأشكال المقبولة رسميا وفي السر أحيانا.

وأقصى ما يمكن أن تبلغه الحركة الليبرالية هو تحريك أقسام من الشعب للضغط بها في حدود محسوبة ومضبوطة لأجل المساومة. وهو أحدى دلالات إضراب 14 دجنبر 1990 مثلا.

3) الحركة الليبرالية حركة إصلاحية برجوازية تستند على المفهوم البرجوازي للتقدم الاجتماعي الذي يرى التاريخ يتقدم بتضامن جميع عناصر المجتمع التي وعت ما يشوب هذه أو تلك من مؤسساته من نقص، لذلك فإن أنصارها يُصغرون المطالب إلى أقصى درجة لجعلها تنال أوسع إجماع.

غير أن ما يتجاهله الليبرالي، باعتباره إصلاحيا، هو أن الإصلاحات ليست سوى نتيجة جانبية، أي ثانوية للنضال الراديكالي المباشر للجماهير الشعبية.

إن الإصلاحات ما هي إلا تنازلات العدو لإجهاض هذا النضال. ولذا فإن تكتيك الإصلاحيين هو أسوأ طريقة ممكنة لتنفيذ الإصلاحات وضمان فعاليتها.

4) ينتج عن كل هذه الخصائص أن الليبرالية لا تناضل بالمعنى الحقيقي للكلمة، بقدر ما تقدم التماسات وتوسلات وتصدق الوعود الكاذبة وتساهم في تمويه الاستبداد المخزني وتقبل كل أشكال الإرشاء.

وقد سبق للأموي أن كشف- في مقابلته مع “حرية المواطن” 22 فبراير 1992- عما سماه بسياسة الكواليس والدهاليز: “فالحاكمون هم الذين يوجهون لبعض الأحزاب أن يطلبوا استقبالهم، والحاكمون هم الذين يفتون أن يقوم بعض الأحزاب بالمبادرات. فكل شيء يأتي إما بتوجيه أو بإيحاء. حتى ملتمس الرقابة لم يُطرح إلا بعد أن أُشْعِرَتْ بعض الأحزاب بأن لا مانع إذا ارتأت أن تلتجأ إلى مجلس النواب لتقدم ملتمس الرقابة. هذا وجه من الصورة المأساوية للمهزلة الديمقراطية التي تعرفها بلادنا…”.

وكان الأموي قد بدأ يبصر عقم الأساليب الديمقراطية متجها بأنظاره نحو أفق نضالي عملي: “أكيد أننا سنتجاوز مفهوم المطالبة والملتمسات عبر البيانات والمواقف، إلى أشياء عملية إذا ما تجاهل المسؤولون هذه النداءات…”. (حرية المواطن، العدد 2).

فألقى أعداء الديمقراطية بالأموي في سجن سلا لحفظ ملايين المضطهدين من عدوى النضال العملي. وقُدِّمَتْ أَرَائِكُ البرلمان بامتيازاتها “لأصدقاء” الأموي الليبراليين ليساهموا في تدويخ أولئك المضطهدين تحت شعار الديمقراطية في تحسن وأنها لا تُكْتسَبُ دفعة واحدة.

وإذا كانت الحركة الليبرالية لا تناضل فعلا فذلك لا يتنافى مع سعيها الحثيث للهيمنة على حركة التحرر وبسط نفوذها الأيديولوجي عليها وعلى أوسع الجماهير، ومن هنا تنبع محاولات إقصائها للجناح الديمقراطي، وليس من أسطع مثال على هذا الإقصاء من معاملة أحزاب الكتلة لحزب الطليعة واليسار الراديكالي.

ثانيا- من هو الديمقراطي؟

1) الديمقراطي يؤمن بسيادة الشعب، ولذلك فهو يهدف إلى كنس كل المؤسسات غير الديمقراطية وكل الامتيازات السياسية ويناضل بحزم دون سعي إلى المساومة.

وليست هذه الخاصية إلا انعكاسا لوضعية طبقية مما يجعل النزعة الديمقراطية تتفاوت حسب الطبقات ولا تجد تعبيرها الأقوى إلا في الطبقة العاملة.

2) الديمقراطي له كامل الثقة في الجماهير الشعبية ويؤيد ويحفز كل نضالاتها لتبلغ مداها الأقصى، أي سيادة الشعب.

3) الديمقراطي الحازم يناضل من منطلق أن النضال الطبقي مصدر كل تغيير وأن الإصلاحات ليست إلا نتيجة ثانوية لذلك النضال. ويضع دوما نصب أعينه أن الإصلاحات التي تأتي من فوق هي إصلاحات خادعة إنما تقدمها الطبقات السائدة لإرشاء القسم المتذبذب من معارضيها.

إن الديمقراطي الحازم لا يرفض النضال من أجل الإصلاحات، بل إنه لا يتردد في انتزاع المواقع من العدو، أي كل إصلاح يدفع بالنضال قدما نحو الهدف النهائي.

4) موقف الديمقراطي من الليبرالية:

باعتبار الليبرالي معارضا فإن الديمقراطي يتحالف معه حول مطالب محددة بدقة مع الحفاظ على استقلاله التام (عدم خلط الرايات) وعلى حرية انتقاد الحليف. وفي العمل المشترك مع الليبرالي يسعى الديمقراطي إلى أن تنكشف أمام الجماهير حقيقة الليبرالي كمتذبذب وقابل للتراجع في أية لحظة، وذلك بوضع كل ادعاءاته أمام محك الممارسة.

خلاصة:

في الوضع الحالي بالمغرب لا يوجد فرز واضح بين المعسكر الليبرالي والديمقراطيين، فالمعارضة الرسمية معارضة ليبرالية ولها هيمنة على أقسام واسعة من الجماهير، إذ إنها هي القائدة حاليا لحركة التحرر أيديولوجيا وسياسيا. وبلغ تأثيرها صفوف الديمقراطيين، فأصبح قسم منهم يستبطن الأفكار الليبرالية وأساليبها.

لذا فإن النقد المنهجي لليبرالية هو اليوم السبيل إلى تجميع الديمقراطيين لبناء المعسكر الديمقراطي القادر على خوض معركة فعلية من أجل إرساء الديمقراطية.

أما إذا تُركت حركة التحرر بقيادة الليبراليين فستذوق الجماهير الشعبية، مرة أخرى، ما سبق أن تجرعته من جراء أساليب الليبرالية العقيمة سواء في مرحلة النضال الوطني ضد الاحتلال أو منذ إرساء دعائم الاستعمار الجديد إلى يومنا هذا.

فلينهض الديمقراطيون برص صفهم وتصليبه ليكونوا على موعد من التاريخ.

بقلم، م. يوسف

اليسار الديمقراطي، العدد 4- 15 مايو 1994

Print Friendly, PDF & Email