معركة الأساتذة/آت المفروض عليهم/هن التعاقد تقترب من النصر: الظرف الموضوعي ملائم، يجب طرق الحديد وهو حام

حرمان المفروض عليهن- هم التعاقد من الترقية بالشهادة مرة أخرى حول العلاقة بين المطالب الجزئية والعامة

أُثارَ نقاش، بعد جولة “الحوار” الأخيرة بين قيادات النقابات التعليمية الست والوزارة 21 يناير 2020، حول حرمان حملة الشهادات المفروض عليهن- هم التعاقد من حق الترقية بالشهادة إسوة بزملائهم- هن المرسمين- ات، مع التأکيد على تضمين المطلب في ملف التنسيقية الوطنية الوطنية المطلبي.
– بعض الردود لم ترَ ضرورة في رفع هذا المطلب، بدعوى أنه بتحقيق الإدماج ستتحقق باقي المطالب تلقائيا، لذلک فاللازم هو الدفاع عن مطلب الإدماج حصرا.
– يعد هذا مثالا ملموسا للعلاقة بين المطالب الجزئية والمطالب العامة، بين من يؤکد أن المطلب الجزئي بتراکمه سيحقق بمرور الزمن المطلب العام، ومن يصر من جهة أخرى أن المطالب الجزئية تشتت طاقات النضال ويبددها، بدل تجميعها من أجل المطلب الأساسي الکلي.
– کما للأمر علاقة مباشرة بالملف المطلبي: مفهوما وشکلا ومضمونا. فالملفات المطلبية لا تصاغ عشوائيا أو بطريقة تجميع عددي للمطالب الجزئية والفئوية، کما لا تقتصر فقط على المطلب العام الذي يُغفل المشاکل الخاصة بکل فئة بذاتها.
– يكمن مشکل المطالب الجزئية في وهم أن مراکمتها- مطلبا مطلبا- سيؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق المطلب الأساسي، مثل: تحقيق الحرکة الانتقالية الوطنية يعني تلقائيا إسقاط التعاقد المبني على التوظيف مع الأكاديميات الجهوية، وکذلک مثال “رقم تأجير وطني ممرکز” وقس على ذلک.
– مشکل المطالب الجزئية- إذا لم توضع في إطار نضال أشمل- أنها تخلق نظرة ضيقة الأفق تغفل الأساسي وترکز على الثانوي، ما يبدد فعلا طاقة النضال في مناوشات جزئية، بدل تجميعها في سيل موحَّد وموحِّد.
– يستدعي تحقيق المطالب الجزئية بدوره نضالا عاما ومستوي عاليا من الضغط، يجبر الدولة على التنازل عن الجزئي للحفاظ على الرئيسي من هجماتها. لهذا لا تعني جزئية المطلب طاقةً نضالية أقل، بل الاستعداد لشن کفاح أشد وأقسى. فکل تخفيض لوتيرة النضال وکل انتقاص لطاقة الدفع النضالي، ستعني تخفيفا للضغط على الدولة ما يجعلها في موقع مريح لا يفرض عليها خيار التنازل.
– لکن هذا لا يعني طبعا عدم النضال من أجل هذه المطالب، إنما استحضارٌ لشروط تحقيقها المثلى. فالتركيز على المطلب العام والأساسي لوحده، بمبرر أن تحققه يعني تحقق ما دونه من مطالب تلقائيا، تبدو حجة منطقية. لکنها حجة تُغفل عدم انسجام الأوضاع الاجتماعية داخل جسم الشغيلة واختلاف ظروف الاستغلال. فأستاذ- ة مشتغل- ة في مکان تواجد عائلته مرتاح نسبيا مقارنة بالمحروم- ة من الحرکة الوطنية وتضغط عليه ضغوط البعد عن العائلة: إمكانية المشارکة في مسيرة وطنية ومواکبة الاشتغال التنظيمية متاحة أمام الأول- ى أکثر من الثاني- ة.
– يُعَدُّ إغفال مثل هذه المطالب استهانة بأوضاع الاضطهاد المضاعف التي تقاسيها تلک الأقسام من الشغيلة، بينما سيحسن تحقيق مطالبها ظروف عملها ما يتيح أمامها إمکانات مشارکة أفضل في نشاط التنسيقية النضالي والتنظيمي علي حد سواء.
– يكمن مشکل التركيز على المطلب العام والأساسي وحده في تكريس منظور قصوي للنضال، يُغفل الاستعدادات النضالية القائمة على مطالب مرتبطة بأوضاع خاصة أو استثنائية، حارما بذلک نهر النضال من أجل المطلب العام من روافد کانت ستزيد قوة دفعه وتشکل ضغطا أشد على الدولة.
– رفع المطلب الجزئي بحد ذاته استعدادٌ نضاليٌ يجب تثمينه، فالأفضل أن يناضل المرء من أجله على ألا يناضل إطلاقا. النضال وحده وتحقيق هذه المطالب هو ما سيحفز ثقة الشغيلة في ذاتها ويضفي المصداقية على جدوى النضال. لذلک فليس صحيحا نعت حملة هذه المطالب بالانتهازية، وإلا فکل المطالب انتهازية بما فيها “الإدماج”، لأنه لا يحسن إلا شروط الاستغلال في جهاز الدولة الإداري. فحتى الشغيلة المرسمة تناضل ضد هجمات وتعديات لم يشفع لها منها کونها مرسمة.
– القول بأن تحقيق المطلب الجزئي لا معنى له مع بقاء التعاقد غير صحيح بشکل مطلق، فانتزاع حق الترقية بالشهادة سيحسن القدرة الشرائية للمترقي- ة، ولا أحد سيعتقد أن ذلک المبلغ الذي سيضاف إلى الأجر لا معنى له.
– المعضلة الرئيسية بالنسبة لتنسيقية التعاقد المفروض، أن المطلب العام (الإدماج) يملك دينامية موحَّدة للمفروض عليهن- هم التعاقد ولکنه يعزلها عن باقي أقسام شغيلة الوظيفة العمومية، في حين أن المطالب الجزئية التي تهدد بتفييء جسم التنسيقية تملک دينامية موحِّدة مع هذه الأقسام (الترقية بالشهادة، خفض ساعات العمل…).
– يفرض هذا دمجا تكامليا (جدليا) بين المطالب الجزئية والعامة، بطريقة تستحضر أمثل السبل لتحقيقها: إعداد القوة اللازمة لانتزاعها، أي مجمل قوة الشغيلة ونضالها الموحَّد في وجه هجوم الدولة الموحَّد والشامل.
– ليس الملف المطلبي محض وثيقة تدبج فيها المطالب على شکل عوارض تتدرج من العام إلى الخاص، وهذا الملف لا يسطره هيكل تنظيمي (مجلس وطني، لجنة قانونية) باستقلال عن المشاکل الملموسة والمتنوعة لجسم الشغيلة ونقاشها الجماعي الديمقراطي وحقها الحصري في التقرير.
– على الملف المطلبي أن يتناول- إلي جانب المطلب الأساسي طبعا- بالدرجة الأولى:
* إلماما بالسياق النضالي في لحظة تسطيره وإدراکا للنقط الملموسة التي تستهدفها الدولة (أو أرباب العمل) وبالتالي تثير الانشغال، للتركيز عليها في التعبئة والتحريض.
* استحضارا لکل المطامح والرغبات والمطالب الجزئية التي تعتمل في أعماق الشغيلة وتثير اهتمامها الآني.
* إلى جانب المطلب الجزئي والعام، هناک ضرورة لمطالب يمكن أن تطلق عليها “مطالب انتقالية”، أي تلک التي تستجيب لمطالب آنية لدى الجماهير لکنها لا تؤدي فقط إلى تحسين شروط الاستغلال، بل تشکل جسرا لنمو وعي الشغيلة بضرورة تحطيم مجمل منظومة الاستغلال: تخفيض ساعات العمل دون تخفيض الأجور، السلم المتحرک للأسعار والأجور، حق شغيلة التعليم في الرقابة على سياسة الدولة في القطاع وبالتالي حقها في الاعتراض ورفض المخططات المعادية لمصالحها…
– تکمن ميزة المطالب الانتقالية في قدرتها على توحيد کل أقسام الشغيلة في النضال: فتقليص ساعات العمل من مصلحة الشغيلة المرسمة والمفروض عليها التعاقد.
– عودة إلى فکرة أن المفروض عليهم- هن التعاقد مقصيون- ات من الترقية بالشهادة، وهي فکرة غير صحيحة، فحق الترقية بالشهادة ألغي منذ مدة بعيدة، لهذا ظهرت تنسيقيات تناضل من أجل ترقيتها استثنائيا، مع بقاء الأمر کما هو عليه.
– التنسيقيات المناضلة من أجل الترقية بالشهادة، تضم فئات موروثة عن نمط التوظيف القيدم، وتسعى الدولة من أجل تصفية ملفاتها بطريقة لا تعرقل توازناتها المالية (عجز الموازنة) في انتظار اللحظة التي ستشکل الشغيلة المفروض عليها التعاقد %100 من شغيلة القطاع.
– تعمل الدولة على قدم وساق لإعداد نظام أساسي جديد (“مشروع النظام الأساسي لمهن التربية والتكوين”) حيث ستجمع کل الترسانة القانونية المجزأة التي نجحت في تمريرها تدريجيا. وستقوم الدولة آنذاک بإدماج المفروض عليهن- هم التعاقد في نظام أساسي للوظيفة العمومية، لکنه نظام يُقِرَّ صيغة التوظيف الجهوي والترقية مقابل المردودية والأجر مقابل العمل وکل صنوف آليات فرض أقصى استغلال على الشغيلة.
– لا يقتصر هذا الهجوم على شغيلة التعليم فحسب، بل يوجه فوهات مدافعه نحو مجمل الوظيفة العمومية، لفرض صيغة توظيف جهوية وبموجب عقود کي تمرر نفس الدکاک الذي سبق ودمر استقرار الشغل في القطاع الخاص.
– لا يمكن مواجهة هذا الدکاک بقبضات معزولة، فقط نضال جامع يشمل کل أقسام الشغيلة، سواء في الوظيفة العمومية أو القطاع الخاص، يستطيع تحقيق المطالب الخاصة بکل فئة وفي نفس الوقت يفتح الآفاق واسعة أمام هزيمة مجمل تعديات أرباب العمل ودولتهم.

طبقة واحدة… ملف مطلبي موحد… نضال موحد
بقلم، شادية الشريف 

 

Print Friendly, PDF & Email