مفاهيمٌ بُرجوازيّة دخيلةٌ على بيانات نقابيّة

تعدّ النقابة أحد أشكال تنظيم النضال العمالي ضد أرباب العمل وسلطتهم السياسية (الدولة)، وقد ظهرت بعد أن خَبِرَ الأجراء- ات، بحكم تجربتهم الخاصة، استحالةَ مواجهةِ الاستغلال الرأسمالي منفردين- ات.

تعد النقابة أحد أشكال تنظيم النضال العمالي ضد أرباب العمل وسلطتهم السياسية (الدولة)، وقد ظهرت بعد أن خَبِرَ الأجراء- ات، بحكم تجربتهم الخاصة، استحالةَ مواجهةِ الاستغلال الرأسمالي منفردين- ات.
لم تقف البرجوازية مكتوفة الأيدي أمام تطور تنظيمات نضال الشغيلة الطبقي، بل سعت لربطها بمصلحتها الطبقية وحصر النضال العمالي في حدود لا تضر بالمِلْكِيَّةِ الخاصة ولا تهدد سلطتها السياسية. ولهذا انبرت أحزابها إلى الاستحواذ على نقابات قائمة أو تأسيس أخرى، تستخدمها أذرعا لترسيخ الأيديولوجية البرجوازية (التعاون الطبقي، السلم الاجتماعي، النقابة المواطنة والاقتراحية…) في وعي الطبقة العاملة.
النقابة بالمغرب: تاريخ سيطرة برجوازية مديدة
لم يختلف تاريخ النقابة بالمغرب عن مثيله في كل دول العالم. فمنذ ما قبل الاستقلال عمل حزب الاستقلال البرجوازي جاهدا لانتزاع النقابة من الشيوعيين، ومن أجل نشر أيديولوجيته التي تجعل من نضال الشغيلة ملحقا بمصالح البرجوازية التي كانت تسعى إلى نيل استقلال يضمن مصالحها الطبقية وسلطتها السياسية.
استمر نفس المنظور لدى حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بعد الاستقلال، فقد خصص المهدي بن بركة للطبقة العاملة دورَ النضال الاقتصادي الذي جاهد لربطه بالمشروع الاقتصادي والسياسي لحزبه: إنماء رأسمالية وطنية تحت ظل ملكية دستورية تمنحه جزءً من السلطة.
استمر نفس المنظور مع تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، مصرة على ربط الحركة النقابية بقوى التحرر الوطني والقوى الوطنية الديمقراطية، ولم تكن هذه الأخيرة سوى أحزاب المعارضة الليبرالية وعلى رأسها الاتحاد الاشتراكي.
وتتشارك كل أحزاب المعارضة البرجوازية نفسَ المنظور للعمل النقابي، سواء كانت هذه الأحزاب تقدمية أو رجعية دينية، لهذا لم تجد جماعة العدل والإحسان غضاضة من إعطاء النقابة نفس الدور الذي خصصه لها المهدي بن بركة وبوعبيد وغيره من الساسة البرجوازيين: خدمة المشروع السياسي لطبقة أخرى.
تخصص أدبيات الجماعة للنقابة دور خدمة مشروعها السياسي: “ولقد كان للمجلس [الوطني للقطاع النقابي] موعد مع لقاء تواصلي مع الأمانة العامة للدائرة السياسية في شخص الأستاذ عبد الصمد فتحي، الذي تناول في كلمته التأطيرية أهمية العمل النقابي وموقعه في المشروع التغييري لجماعة العدل والإحسان مؤكدا على ضرورة التجديد والإبداع واقتحام عقبات الواقع”. [بيان المجلس الوطني للقطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان، 15 ديسمبر 2018].
ولأن البيروقراطيات النقابية ألغت الديمقراطية الداخلية فقد تكرس كسل فكري منقطع النظير داخلها، وتستغيث بمثقفي البرجوازية (ما يطلقون عليه “خبراءً اقتصاديين”) للمساهمة في صياغة أوراق مؤتمراتها، ما يؤدي إلى حقن المفاهيم البرجوازية في الوعي العمالي. فهذا أحد هؤلاء الخبراء يقول: “استقبلني… أمين عام إحدى المركزيات النقابية بمكتبه بالمقر الاجتماعي لهذه المؤسسة بالدار البيضاء ليقترح علي المساهمة بورقة تقييمية وتحليلية للاقتصاد المغربي في المؤتمر الذي كانت هذه المنظمة تستعد لتنظيمه”. [محمد شيكر، “الاقتصاد المغربي، السياق العام والوظيفة والآفاق”، درا لنشر والتوزيع حنظلة، نونبر 2015].
أدت سيطرة قوى سياسية برجوازية على تنظيمات النضال العمالي، إلى رسوخ مفاهيم برجوازية يجري تدبيجها في البيانات والتصريح بها في الخطابات، كأنها بديهيات. لكنها في الحقيقة تخفي تسخير البرجوازية طاقةَ النضال العمالي لخدمة أهدافها الطبقية (الاقتصادية والسياسية).
تحذير النظام من مغبة سياساته:
دأبت أحزاب المعارضة البرجوازية على تحذير النظام من مغبة سياساته وما تؤدي إليه من تفاقم مشاعر الغضب الشعبي (“ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي”). وجرت العادة أن تكرر قيادات النقابات هذا الخطاب متماهية مع الأحزاب التابعة لها.
نجد هذا حرفيا في بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل الداعي إلى إضراب 20 فبراير 2019: “مظاهر الأزمة المركبة التي تعيشها بلادنا… وضعٌ خلق حالة من الاحتقان الاجتماعي الحاد كنتيجة طبيعية لاتساع دائرة التفاوتات الاجتماعية والمجالية”، كما تكرر في بيان المجلس الوطني لنفس النقابة بتاريخ 18 ماي 2019: “أمام استمرار الحكومة في اختياراتها النيوليبرالية، والانبطاح لإملاءات المؤسسات المالية الدولية، مما نتج عنه ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي، وتنامي الاحتجاجات الشعبية والعمالية”. وتحدث بيان المجلس الوطني للفيدرالية الديمقراطية للشغل 29 سبتمبر 2019 عن “دخول اجتماعي وسياسي مرتبك ومقلق”.
وتردد نفس الخطاب في بيان الكتابة العامة للاتحاد العام للشغالين بالمغرب التابع لحزب الاستقلال: “وعيا من الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بحساسية المرحلة والتي تتسم باحتقان اجتماعي غير مسبوق… واستجابة لروح الخطاب الملكي السامي الداعي إلى تعزيز مكانة الحوار الاجتماعي كآلية ضرورية لتقوية النسيج الاقتصادي وتنمية فرص الشغل”. [4 أكتوبر 2019].
نفس الخطاب يستعمله القطاع النقابي التابع للعدل والإحسان، خطاب تنبيه الدولة من خطر تفاقم الغضب الشعبي، حيث ورد في بيان لهذا القطاع بتاريخ 26 نوفمبر 2017: “تحميلنا السلطة المغربية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للشعب المغربي من تردٍّ، يزيد من شدة الاحتقان والاستياء الشعبي”.
ليس دور النقابة هو تنبيه الدولة وتحذيرها من تفاقم الغضب الشعبي وقرب انفجاره، فللدولة أجهزة تتقن تلك الأدوار. علة وجود النقابة هو تصعيد الحقد الطبقي وتوجيهه نحو الأسباب الجوهرية للاضطهاد والاستغلال، والإسهام في أشكال نضال الشغيلة الطبقي من أجل إسقاط النظام الرأسمالي.
النقابة الاقتراحية والتوافق الاجتماعي
تَعْتَبِرُ أحزاب المعارضة البرجوازية النقابة “شريكا اجتماعيا” لأرباب العمل ودولتهم، لذلك تنادي القيادات البيروقراطية، التابعة لهذه الأحزاب، دائما بإشراكها في صياغة مخططات الهجوم على الشغيلة بدل قيادة معركة طبقية لإسقاطها، وتحذر الدولة من مغبة الصياغة الانفرادية لتلك المخططات.
حذر بيان المجلس الوطني للكونفدرالية الديمقراطية للشغل (18 ماي 2019): “من مغبة الاستمرار في محاولة تهريب القوانين وتمريرها إلى البرلمان… ويؤكد أن كل القوانين الاجتماعية يجب إحالتها على طاولة الحوار الاجتماعي الثلاثي الأطراف من أجل التوافق عليها”. ونبه بيان المجلس الوطني للنقابة الوطنية للتعليم- كدش (26 أكتوبر 2019) إلى: “تهريب القوانين الاجتماعية كما هو شان مشروع قانون الإضراب التكبيلي من الحوار الاجتماعي”.
وطبعا هذا المنظور ليس حكرا على أحزاب المعارضة البرجوازية الليبرالية (أو المسماة تقدمية) بل نجده في أدبيات المعارضة البرجوازية الرجعية الدينية. لهذا نجد في بيان المجلس الوطني لقطاع الجماعة النقابي 15 ديسمبر 2018 ما يلي: “تحميل الدولة تبعات تعطيل الحوار الاجتماعي، والتمادي في الاستفراد بالقرارات المصيرية، وتمرير القرارت الحارقة، والتنزيل التحكمي لمشاريع القوانين والأنظمة الأساسية التي تكرس الإجهاز على الحقوق وضرب المكتسبات”.
استعمال النقابة لغايات سياسية برجوازية
طيلة مرحلة ما بعد الاستقلال ناوشت أحزاب المعارضةُ البرجوازيةُ الملكيةَ قصد الحصول على النزر اليسير من سلطاتها (ما أطلقت عليه الحركة الوطنية ملكيةً دستوريةً)، وبعد استسلام هذه المعارضة للملكية (حكومة التناوب سنة 1998)، استمرت هذه الأحزاب تستجدي بعضا من صلاحياتها، أو ما تسميه إصلاحا دستوريا وسياسيا.
وطالما استعملت هذه الأحزاب النقابات أداوتا في تلك المناوشة وذاك الاستجداء، وتُضمن بيانات النقابات العمالية مطالبَها الدستورية والسياسية البرجوازية.
نجد هذا بالحرف- على سبيل المثال لا الحصر- في بيان المجلس الوطني للنقابة الوطنية للتعليم- كدش 26 أكتوبر 2019: “إن الجواب الوحيد للخروج بالمغرب من الأزمة وتجنيبه المخاطر، يكمن للاستجابة لمطلب الإصلاح الدستوري والسياسي والمؤسساتي لتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية كسبيل نحو التقدم والتنمية والاستقرار”.
نفس المطلب نجده في بيان المجلس الوطني للفيدرالية الديمقراطية للشغل 29 سبتمبر 2019: “يعتبر أن التنمية وبناء اقتصاد وطني قوي، وإرساء أسس قوية للعدالة الاجتماعية، ومعالجة المعضلات الاجتماعية الكبرى… لن يستقيم إلا بالتفعيل الديمقراطي للدستور”.
مرة أخرى، لا يختلف منظور جماعة العدل والإحسان عن نظيره لدى الأحزاب الليبرالية، وكيف يختلف وكلها تعبيرات سياسية تقف على نفس الأرضية الطبقية: الخشية على مجتمع الملكية الخاصة من استقلالية النضال الطبقي للشغيلة. ورد في بيان القطاع النقابي التابع للجماعي في فاتح ماي 2018: “تأكيدنا على أن إقرار التنمية الشاملة والمتجددة رهين بترسيخ قواعد الديموقراطية المبنية على الفصل بين الثروة والسلطة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتناوب على السلطة”.
“الحوار الاجتماعي”
تعمل الأيديولوجية الليبرالية (البرجوازية) على خداع الوعي العمالي بتصوير العلاقات القائمة داخل المجتمع، بأنها علاقات تعاون طبقي بين طبقات لها نفس المصلحة، لذلك على الجميع التعاون على تدبير الخلافات والنزاعات الاجتماعية بين الطبقتين. والوسيلة الفضلى لهذا التدبير هي “الحوار الاجتماعي” بدل الصراع الطبقي.
وقد نجحت البرجوازية وأحزابها ودولتها في تجريع هذه الخدعة لطبقة الشغيلة، ونجدها تَرِدُ في كل بيانات القيادات النقابية دون استثناء.
طالب بيان المجلس الوطني للنقابة الوطنية للتعليم كدش 26 أكتوبر 2019 “بفتح حوار وطني منتج من أجل صياغة تعاقد اجتماعي…”.
وتتباكى هذه القيادات وتستنكر تنصل الدولة من عقد جلسات الحوار، كما ورد في آخر بيان للتنسيق النقابي الخماسي 16 ديسمبر 2019: “يرفض تعليق الحوار القطاعي من طرف وزارة التربية الوطنية… ويطالب الحكومة ومعها الوزارة… لفتح حوار جدي مسؤول ومنتج يفضي إلى الاستجابة لمطالب مختلف الفئات”. وكأن المطالب تمنح بالحوار ولا تنتزع بالنضال.
الوساطة
تخاف البرجوازية وأحزابها من الفعل الطبقي المستقل للشغيلة، لذلك تعمل على إبقاء قواعدها في دائرة السلبية وتصوير النقابة مُقَدِّمَ خدماتٍ، وليست أداة نضال في يد أصحابها الحقيقيين: عموم الأجراء والأجيرات.
جعلت هذه الأحزاب والبيروقراطيات التابعة لها، من النقابة وسيطا بين أرباب العمل ودولتهم من جهة وبين الشغيلة من جهة أخرى. وغالبا ما تلجأ تلك البيروقراطيات إلى الوساطة في لحظات الغليان الشعبي والغضب العمالي من أجل إطفائه وتوجيهه في قنوات غير نضالية، أي قنوات “الحوار”، وأقرب مثال هو وساطة قيادات التنسيق النقابي الخماسي بين تنسيقية المفروض عليهن- هم التعاقد والوزارة في عز معركة إسقاط ملحقات العقود مارس وأبريل 2019.
حتى النقابيين المدعين انتماءهم إلى اليسار الجذري يستبطنون مفهوم الوساطة، ويعتبرونه أحد مهام النقابة. فالجامعة الوطنية للتعليم- التوجه الديمقراطي كانت طرفا فاعلا في تلك الوساطة بين تنسيقية المفروض عليهن- هم التعاقد وبين الوزارة. كما نجد هذا المنطق في آخر بيان لهذه النقابة الذي وقعه كاتبها العام عبد الرزاق الإدريسي بعد آخر جولة حوار مع الوزارة 5 ديسمبر 2019: “وإذ نخبر بمخرجات هذا اللقاء، ندعو الحكومة والوزارة للعمل إلى تلبية مطالب نساء ورجال التعليم، وندعو جميع مكونات الشغيلة التعليمية للمزيد من تجذير الاحتجاجات للضغط من أجل الاستجابة عن المطالب الملحة”.
الحياد الطبقي للدولة
الدولة جهاز سيطرة طبقية في يد الطبقة السائدة، أي البرجوازية. لكن أيديولوجية هذه الأخيرة التي تريد كبح الصراع الطبقي تُصَوِّرُ الدولة جهازاً محايداً، دورُه التوفيق بين الطبقات المتطاحنة في حرب طبقية لا رحمة فيها.
نقلت بيروقراطيات النقابات هذا المنظور المُغَلِّطُ لمفهوم الدولة ولدورها إلى داخل الطبقة العاملة مفسدة هكذا وعيها. ونجده يتردد في بياناتها وخطاباتها، كما هو الحال مع البيان العام للمؤتمر الوطني الثاني عشر للاتحاد المغربي للشغل الدار البيضاء 15- 16- 17 مارس 2019: “يدعو إلى تعزيز دور الدولة الاجتماعي عبر التدخل لصالح الطبقة العاملة وعموم الفئات المتضررة والهشة”.
اعتبار الدولة حَكَمًا بين الطبقات قديم قدم الحركة النقابية المغربية، وليس نتاج انحراف ما عن تقاليد كفاحية سابقة، فهذا نوبير الأموي يصرح منذ 1980: “إن الحَكَم يوجد فوق أرضية الملعب وهو ليس في حاجة إلى أن نلفت انتباهه لكي يصرف للخطأ”. [جون أفريك، العدد 994- 23 يناير 1980]. وأعاد الفكرة ذاتها في حوار مع نفس الصحيفة سنة 1991: “جلالة الملك فوق الكل ولا يمكن أن للعاهل أن يكون طرفا في الصراع الذي نخوضه مع الحكومة ومع الباطرونا”. [عدد 1566- 2/ 8 يناير 1991].
من أجل لغة عمالية طبقية
ليست اللغة محايدة بل أداة من أدوات الصراع الطبقي، فهي وعاء الفكر وأداة نقله. لذلك فمهمة تنقية خطابات النقابات وأدبياتها وبياناتها من المفاهيم البرجوازية الدخيلة مهمةٌ لا بد منها، في طريق بناء الاستقلالية الطبقية (التنظيمية والسياسية) للطبقة العاملة.
وهي مهمة تسير في الاتجاه المعاكس لما صرح به نوبير الأموي الكاتب العام السابق لكدش مخاطبا أربابا العمل: “عندما نتحدث لغة واحدة سوف نتفاهم”. [جريدة لا غازيت دي ماروك عدد 9 سنة 1997]. فالمطلوب هو الحديث بلغة طبقة عمالية مناقضة تماما للغة أرباب العمل ودولتهم.
لا يمكن لنقابات تُعتبر قنواتِ إفساد الوعي العمالي بأيديولوجية البرجوازية ومفاهيمها أن تكون أدوات انعتاق الشغيلة، بل ستكون سلاسل تربط نضالية هذه الطبقة بمصالح عدوها الطبقي: أرباب العمل ودولتهم. وتغيير اللغة والمفاهيم خطوةٌ في طريق افتكاك هذه النقابات من سيطرة البرجوازية المديدة.

بقلم، أزنزار

Print Friendly, PDF & Email