الانتخابات بالمغرب تنافس على تدبير سياسة مقررة سلفا

سياسة1 نوفمبر، 2016

 

 

شهد المغرب يوم السابع من أكتوبر الجاري إجراء انتخابات برلمانية تصدرها حزب العدالة والتنمية الإسلامي. انتخابات للتنافس على تدبير تنفيذ سياسة جاهزة، ما دامت الملكية الحاكم الفعلي خارج اللعبة الانتخابية. انتخابات تجرى أساسا لإضفاء شرعية على الملكية الحاكمة التي تتكيف دون أن تتغير، ولدمج النخب بما فيها «المعارضة». أما السيادة الشعبية فقد صادرتها الملكية والجهات الامبريالية (اتحاد اوربي، وصندوق نقد دولي …) اللذان يقرران جوهر سياسية للبلد العامة.

أما الأحزاب المتنافسة فهي أحزاب ملكية برجوازية بلا مشاريع بديلة، تتبارى فقط على تدبير سياسة النظام والدائنين. وحدها فيدرالية اليسار من يتضمن برنامجها الانتخابي شعار الإصلاح الدستوري والسياسي المتمحور حول مطلب الملكية البرلمانية وفق إستراتيجية إصلاح تدريجي من الداخل بتوافق مع الملكية بالسير على خطى راود الحركة الاتحادية قبل استسلامها.

كيف حضرت الدولة عرسها الانتخابي؟…

حصنت الملكية حكمها بترسانة هائلة من التحصينات بدءا بدستور جوهره استفراد الملكية بالحكم خلف واجهة مؤسسات شكلية، وفصلت قانون الأحزاب كسيف لقطع دابر وجود أي تنظيم سياسي مستقل فعليا بتيسير حله بتهم المس بالمقدسات: الله، الوطن، الملك. ولمزيد من الضبط ولتتفادى المفاجئات غير المتوقعة، هيأت إجراء العملية الانتخابية وفق تقنيات تتيح لها التأثير على نتائجها: نمط الاقتراع وتقطيع الدوائر الانتخابية للحيلولة دون ظهور أحزاب تكتسح الانتخابات مما يعطيها نوعا من استقلال المبادرة.

في المحصلة، جرت الحملة الانتخابية كتنافس بين مختلف أجنحة البرجوازية. حملة لحزب وحيد متعدد موال للاستبداد وخادم لمصلحة البرجوازية، ولم تكن الحملة تباريا لبرامج انتخابية متباينة بل حملة مناوشات هامشية بعيدة عن المسائل الجوهرية الملحة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، أي عبارة عن سرك انتخابي جوهره المناكفات الشخصية…الخ. تم التركيز أكثر على الأشخاص ومواقعهم وخلفياتهم أكثر من البرامج والأفكار والاستراتيجيات…

عملت أجهزة الدولة على التضييق على حزب العدالة والتنمية وتعزيز حزب الأصالة والمعاصرة وساد تشكيك حول احتمال العودة إلى طرق التزوير الفجة لفرض نتائج وفق أهواء الدولة، لم يحصل ذلك وظهر أن الغاية كانت الحد من اكتساح العدالة والتنمية وتقوية الأصالة والمعاصرة كمنافس عوض شتات من الأحزاب الصغيرة مقابل حزب قوي واحد بسند انتخابي يتيح له نوع من الاستقلالية.

… وفي أي سياق؟

جرت الانتخابات الأخيرة أيضا بعد تواري الحالة النضالية الاستثنائية التي مثلتها حركة 20 فبراير التي طالبت بإنهاء الفساد والاستبداد، والتي ترافقت مع نضال شعبي وعمالي من أجل مطالب اجتماعية أساسا. لقد استطاع النظام عبر تنازلات هامة، والتفاف سياسي من خلال انتخابات مبكرة وتنصيب حكومة واجهة جديدة برئاسة حزب العدالة والتنمية وتعديل دستوري لا يمس جوهر الحكم المستبد، أن يعيد إرساء الإجماع والسلم الاجتماعي مجددا، ساعده في ذلك تواطؤ قيادات النقابات العمالية، وتوحل الوضع الإقليمي بصعود القوى المضادة للثورة. بالتالي جرت الانتخابات الأخيرة في ظل جزر نضالي كبير، مع أن نضالات بطولية جرت في الفترة الأخيرة ضدا على تعديات مباشرة على مكاسب تاريخية، لكنها ظلت معزولة وفئوية في أغلبها.

امتناع قياسي عن التصويت

أحصت وزارة الداخلية في سنة 2011 أكثر من 13 مليون مسجل من أصل 21 مليون ناخب في سن التصويت (18 سنة) أي اقل من 61 في المائة. أما الأصوات الملغاة فتشكل قرابة 1.4 مليون أي زهاء 23 بالمائة. هكذا حل المستنكفون، وهم جماهير مدررة، عن الانتخابات أولا في انتخابات 7 أكتوبر 2016، إذ لم يذهب إلى صناديق الاقتراع غير 6 ملايين من أصل زهاء 16 مليون ناخب المسجلون في اللوائح.

يحتاج هذا الاستياء العارم لبدائل نضالية فعلية وحازمة. فهو الآن مجرد عدم اكتراث شعاره: أتركوا الملك يعمل. إنه تعبير عن الجهل بأصل البلاء، أي الحكم الفردي، ويبقى مجرد رفض متخلف سياسيا. تخلف سياسي رسخته الملكية مفاده أن الأحزاب والحكومات بمختلف أشكالها هي المسؤولة عن مآسي الشعب لأنها لا تستعمل السلطة التي أوكلها إليها الملك كما ينبغي.

تتوارى الملكية، الحاكم الفعلي، خلف هذه الفكرة المضللة، مؤداها أن المحيطين بها هم المسؤولون عن سوء الحال، وأنها وحدها الحريصة على أمن البلد ومصلحته العامة، وتبقى بذلك خارج معادلة الصراع.

لكن العامل الحاسم المفسر لسلوك الجماهير الشعبية السياسي هو عقود التخبيل وإفساد الوعي السياسي، الذي مارسته المعارضة الوطنية البرجوازية مند نشأتها. لقد عودت هذه الاخير الجماهير أن الملكية فوق الطبقات، وحريصة على «المصلحة العامة»، وأن رسوخها ضمان لاستقرار البلد ونمائه، وهذا لا يتناقض مع إقدامها، قبل خضوعها التام، على مناوشة الملكية واستجدائها كي تتنازل عن جزء من سلطاتها. إن خوف هذه المعارضة البرجوازية من النهوض النضالي الجماهيري أكبر من استيائها من الاستبداد.

إن ما يجعل الاستياء من «لعبة انتخابات النظام الديمقراطية» لعبة تمويه للحكم المطلق، إنما هو انعدام قوة سياسية يسارية طبقية، تستعمل اللعبة الانتخابية ذاتها للتشهير بالاستبداد، وبالقوى السياسية «المعارضة» المساندة له، وإيصال المطالب الديمقراطية غير المبتورة، والبرنامج اليساري العمالي والشعبي إلى القاعدة العريضة للشعب الكادح.

أما اليسار المقاطع فينتشي بتأكيد صواب موقفه، ودليله هذا الامتناع السلبي عن التصويت، غافلا أن هذا بمثابة حجة ضد كل معارض جذري للنظام وليس العكس، ودليل تأخر سياسي وتشتت من هم في الأسفل، وانسياق مع المنحدر السائد عوض الإقرار بحجم المهام الجسام التي تنتظر اليسار الجدري.

كل شيء جيد إذا انتهى بشكل جيد

انتهت الانتخابات بشكل جيد بالنسبة للنظام، وكل ما استعمله لبلوغ تلك النتيجة أدى دوره بفعالية. تصدرها حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي استعمل لقص أجنحته كل الوسائل، وحل حزب النظام، حزب الأصالة والمعاصرة، ثانيا واستعملت كل الوسائل ليتبوأ تلك المكانة: استمالة الأعيان، وشبكات زبونية متنوعة، واستعمال المال لشراء أصوات البؤساء والمقصيين… ودعم السلطة المباشر وغير المباشر.

لقد تقاسمت الأحزاب المتنافسة أصوات 43% من نحو 16 مليون مسجل في اللوائح الانتخابية. وهي نسبة مشاركة أقل من سابقتها في العام 2012، علماً أن هناك حوالي 8 ملايين من الساخطين، أو لاعتبارات أخرى غير سياسية، لم يسجلوا في اللوائح الانتخابية.

انتهت الانتخابات بتراجع كبير لأحزاب الحركة الوطنية البرجوازية بخاصة حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية، ونفس المصير شهدته أحزاب القصر الموروثة عن عهد الحسن الثاني.

مالت أصوات الناخبين يمينا وعززت حزبين برجوازيين ملكيين، مخلفة شبه دمار لليسار الحكومي، وتهميشا قويا لليسار غير الحكومي ببقاء فيدرالية اليسار الديمقراطي في حدود مقعدين.

من يسبق الذي يجري وحده؟

لم يواجه حزب العدالة والتنمية أي منافس جدي، فكل الأحزاب ضعيفة، بعضها صنائع للدولة دون سند شعبي، تضررت من تركيز الدولة دعمها الحصري لحزبها حديث النشأة (حزب الأصالة والمعاصرة)، وبعضها الآخر شهد قاعدته التاريخية تتراجع بشكل كبير لصالح العدالة والتنمية، بخاصة أحزاب المعارضة الوطنية البرجوازية التاريخية التي تعرضت للإنهاك من خلال مشاركتها في حكومات واجهة سابقة نالت من مصداقيتها، وأفقدتها القاعدة الانتخابية بفعل ما سهرت على تنفيذه من تعديات.

حصل حزب العدالة والتنمية على المركز الأول في المدن وفي القرى بفارق كبير مقارنة بالأحزاب الكبيرة الأخرى. إنه تأكيد لنتائج راكمها الحزب بشكل مطرد منذ أزيد من 20 سنة من المشاركة الانتخابية. لقد حصل حزب العدالة والتنمية في العام الأول لمشاركته في الانتخابات عام 1997 على 9 مقاعد في البرلمان، وارتفع العدد إلى 42 مقعدا سنة 2002، ثم إلى 46 في 2007، وحقق قفزة مهمة سنة 2011 بحصوله 107 مقعد، وعززها في الانتخابات الأخيرة بحصوله على 125 مقعدا. ولولا تحكم السلطة في التقطيع الانتخابي ونمط الاقتراع المعقد، وخفض العتبة الانتخابية وحملات التشويه الإعلامي التي شنتها ضده وسائل إعلام مقرّبة من السلطة، لحقق الحزب اكتساحا أكبر.

جاء الحزب إلى حكومة الواجهة مند سنة 2011، ومررت الدولة باستعماله العديد من التعديات ذات أثر سلبي بالغ على القوة الشرائية الجماهيرية: تم تفكيك صندوق دعم بعض المنتجات الأساسية (السكر، والدقيق، والمحروقات، …)، وزيادة الضغط الضريبي (ضريبة الأملاك، …) وزادت نسبة المديونية الخارجية، وظلت نسبة النمو منخفضة، وتم تمرير اصلاح مضاد لأنظمة التقاعد، وإقرار الاقتطاع من أجور موظفي الدولة المضربين، وزادت جرعة القمع مقارنة بما بعد فبراير2011… ورغم ذلك لم تتقلص قاعدة الحزب انتخابيا بل ضاعف خلال 8 سنوات قاعدته 3 مرات.

لكن هذه الهجمات رغم عنفها لم تؤد إلى بروز حركة نضال كبيرة حتى الآن. فقط ردود فعل لمقاومة استهداف مباشر لمكسب تاريخي معين، وليست بعد إقداما نضاليا يقوم على مقاومة منظمة وواعية لهول التعديات على حقوق ومكاسب عمالية وشعبية تاريخية مهمة.

استفاد حزب العدالة والتنمية أساسا من غياب بديل مقنع وذي مصداقية. ومن ضعف أحزاب المعارضة التقليدية (أحزاب الحركة الوطنية البرجوازية، الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والحزب الشيوعي سابقا التقدم والاشتراكية حاليا). واستطاع بذلك أن «يكتسح» جميع المدن الكبرى في البلاد، في الانتخابات البلدية في سبتمبر 2015، ويعزز هذا الحضور في انتخابات 7 أكتوبر، ويتوسع حتى في البوادي، التي ظلت نقطة ضعفه الكبرى.

ضعف أحزاب المعارضة الليبرالية، وانعدام أي قوة يسارية في السباق الانتخابي باستثناء مشاركة فيدرالية اليسار الديمقراطي، وهي جبهة ليبرالية مشكلة من مكونات متحدرة في معظمها من الحركة الاتحادية (الحزب الاشتراكي الموحد، حزب الطليعة، حزب المؤتمر الاتحادي)، والتي لا أثر لها سوى عشية الانتخابات دون أي عمل نضالي خارج مؤسسات الديمقراطية الزائفة. كل ذلك عزز حزب العدالة والتنمية انتخابيا. أضف لذلك أن الحملة الانتخابية لهذه القوى اليسارية بلا أي مضمون ديمقراطي حقيقي، واستهلكت مجرد شعارات عامة جوفاء من أي حمولة طبقية، ومن أي مضمون معادٍ للرأسمالية التابِعة، المدمّرة للبلد.

أما حزب النهج الديمقراطي فقد واصل الامتناع عن المشاركة بالانتخابات، مسمياً ذلك «مقاطعة»، وقد تعرضت حملته لمضايقة السلطة وقمعها مظهرة بذلك عدم تسامح الدولة بأي معارضة خارج السرب، وخنقها للحريات الديمقراطية الأساسية.

وتبنت القيادات النقابية مواقف متباينة فدعت بيروقراطية الاتحاد المغربي للشغل إلى تصويت عقابي ضد من كانوا بحكومة الواجهة، وهي دعوة ضمنية للتصويت ضد حزب العدالة والتنمية، ومساندة ضمنية أيضا لحزب الأصالة والمعاصرة، علما أن قيادة هذه النقابة التاريخية موالية للنظام وتخترقها أحزاب ملكية متعددة منها حزب الأصالة والمعاصرة نفسه. أما الكونفدرالية الديمقراطية للشغل فدعت للتصويت لصالح فدرالية اليسار الديمقراطي. في حين دعت باقي النقابات الرئيسية مثل الاتحاد العام للشغالين، للتصويت لحزب الاستقلال البرجوازي، ونقابة الاتحاد الوطني للشغل لصالح حزب العدالة والتنمية.

لقد ظلت الحركة النقابية المغربية حتى الآن ألعوبة بيد قوى برجوازية. هذا جليّ في نتائج الانتخابات الأخيرة، فما من صوتٍ، حتى ولو إصلاحي، دوَّى في الحملة الانتخابية، رافعاً راية عمالية. وحتّى فكرة ترشيحات عمالية مستقلة لا أثر لها. درك أسفل في السياسة، هذا وضع شغيلة المغرب اليوم. العوامل التاريخية تفسّر منشأ هذه الحالة، لكنها لا تفسّر استمرارها. استمرارها تعبير عن افتقاد معظم اليسار المنتسب للطبقة العاملة لمنظور عمل في منظمات الشغيلة النقابية، وفي الساحة السياسية، وعن مصاعب الاشتراكيين الثوريين في البناء، وفق رؤيتهم.

فوز العدالة والتنمية يصب في مصلحة النظام ودوامه

النظام القائم أحرص على شرعيته إلى درجة رفضه أي شرعية منافسة قد يستند إليها أي حزب سياسي، وهو منتبه جيدا للترويض الدائم بالقمع والاحتواء حتى لأحزابه «الإدارية»، فقد عمد إلى تقسيم حزب الأحرار في الثمانينيات لإضعافه لأن الملكية لا تقبل البتة بوجود أحزاب وازنة ومؤثرة حتى الوليدة بقرار من اجهزتها الامنية.

تمثل الانتخابات التشريعية الأخيرة (أكتوبر 2016)، كما الانتخابات الجماعية (سبتمبر 2015)، نجاحا سياسيا للنظام القائم، وليس هناك ما يمنعه من الجرأة على مواصلة استبداده واستغلاله. سيواصل خنق الحريات وتنفيذ سياسته الرأسمالية الليبرالية الجديدة لصالح الرأسماليين المحليين والأجانب.

لقد كشفت الانتخابات الأخيرة اختلالا كبيرا لموازين القوى لصالح النظام، وربح النظام سياسيا داخليا وخارجيا: تسويق الاستثناء المغربي في منطقة متفجرة، كما أنعشت الانتخابات ما يسمى «المسلسل الديمقراطي».

عوضت الملكية تآكل شعبية المعارضة التاريخية، بعد مرورها من حكومة الواجهة، بحزب العدالة والتنمية المنصاع لها كلياً، والذي تخلى لها طوعا حتى عما يمنه الدستور الممنوح من صلاحيات ثانوية، ويقوم بتطبيق سياسة صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي الامبريالية، التي تلغي السيادة الوطنية والشعبية، وتدمر المكاسب العمالية والشعبية.

والطبقات المالكة أيضا مرتاحة لحزب العدالة والتنمية، وترى فيه آلية لتفريغ قسم من الشحنة الإسلامية المخترقة للمجتمع، والتحكم فيها، وفي الآن ذاته المساعدة على مواصلة تطبيق نفس السياسة الاقتصادية. كما أن الكلفة السياسية للهجمات القادمة لن تتحملها الملكية، ولا أحزابها الأخرى، ما دام حزب العدالة والتنمية في المقدمة بترؤسه حكومة الواجهة.

سيواصل النظام القائم تعدياته أشرس من السابق بمبرر التفويض الشعبي الصريح من خلال الانتخابات الذي يعبر عن رضا الجماهير على مواصلة ما يسمى إصلاحات. بالتالي سيشدد النظام قبضته أكثر بعد أن أرخاها نسبيا إبان الهزة التي اجتاحت المنطقة وأسقطت رؤوس بعض أنظمتها المستبدة سنة 2011.

ستستمر الدولة المستبدة في تنفيذ سياسة طبقية شرسة ضد الكادحين وضعت سلفا عنوانها الرئيسي الحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكبرى من خلال تقليص العجز في الميزانية إلى أقل من 3 في المائة، وإعادة المديونية المتضخمة (82 في المائة حاليا) إلى نسبة 60 في المائة، وكل ذلك بالضغط على النفقات الاجتماعية الهزيلة أصلا، وتعزيز الموارد بواسطة الضرائب خاصة غير المباشرة.

المطلوب حاليا، هو الانكباب على بناء أدوات النضال الطبقية الضرورية تحضيرا لهبات جماهيرية كبيرة ستجري حتما في الفترة القادمة، وليس انتظار استحقاقات قادمة للنظام لترديد نفس الكلام.

وماذا بعد؟

ما من مفاجئة خلال الانتخابات الأخيرة. فاز حزب العدالة والتنمية الإسلامي، وخرج حزب النظام، حزب الأصالة والمعاصرة، من الجحر الذي أجبرته على دخوله حركة 20 فبراير وما رافقها من نضال شعبي وعمالي. وهما حزبان ملكيان كلاهما يرى وظيفته في دعمها والحفاظ على استقرار نظامها السياسي والاجتماعي. وأزمة اليسار التقليدي متواصلة بما في ذلك فدرالية اليسار الديمقراطي…

قد يطول أمد انتظار تفجر الغضب الشعبي، أو يقصر، لكنّه حتمي. وسينطلق من مكاسب الموجة السابقة، فقد بات الاحتجاج مألوفاً، تلقائياً، على نحو كرّسته موجة 20 فبراير 2011. وعلى المناضلين الراديكاليين، أي التوّاقين إلى تحقيق كامل وعميق للديمقراطية والعدالة الاجتماعية، العمل من أجل تبلور أشكال تنظيمية طبقية تتيح اتخاذ الاحتجاج طابعاً وطنياً موحَّد الأهداف، ومن ثمة طابعا سياسياً.

ويستدعي العمل السياسي لليسار الاشتراكي استعمال كل تجليات الحياة السياسية، داخل المؤسسات الزائفة وخارجها، لتوضيح طبيعة الاستبداد وآلياته، وحقيقة القوى السياسية.

وعلى صعيد النضال النقابي، تأكدّت بموجة كفاح 2011، وبمختلف مظاهر الحياة السياسية بعدها، ومنها الانتخابات الأخيرة، الحاجة الملحّة إلى قطبٍ يساري داخل النقابات العمالية يواجه سياسة البيروقراطية النقابية، المتعاوِنة مع العدو، بخطٍ سياسي وفيّ لمصلحة الأجراء الآنية والتاريخية.

يستدعي العمل السياسي للقوى الاشتراكية الثورية استعمال كل تجليات الحياة السياسية، داخل المؤسسات الزائفة وخارجها، لتوضيح طبيعة الاستبداد وآلياته، وحقيقة القوى السياسية، والعمل من أجل انبثاق بديل حزبي اشتراكي ثوري يعبر عن مطالب الطبقة العاملة، ومطالب بقية الكادحين، ويستعمل الانتخابات إلى البرلمان براية طبقية واضحة ومستقلة عن معسكر البرجوازية، ويعري زيف خدعها ويرفع درجة وعي العمال وتنظيمهم وقتاليتهم، ويبرز مصالحهم، ويكشف دسائس أعدائهم الطبقيين، ويقترح شعارات النضال الملائمة، وينتشل المعزولين المستاءين من خمولهم ليكتشفوا قوتهم الجماعية من خلال أنشطة نضال ميدانية جماهيرية… تلك هي المهام، من بين أخرى، العاجلة المطروحة على كاهل الاشتراكيين الثوريين.

بقلم: الهاشمي موحا، 15 أكتوبر 2016

 

شارك المقالة

اقرأ أيضا