احتجاجات ضد إجراءات الاقصاء من مباريات التشغيل في التعليم والدور المفتقَد للجمعية الوطنية للمعطلين وتنسيقية التعاقد المفروض والنقابات

بقلم: وائل المراكشي

بعد خمس سنوات من سياسة توظيفٍ بمُوجب عقود، أُطلِق عليها فيما بعدُ “توظيفا جهويا”، عمدتِ الدولة إلى تشديد شروط الولوجِ إلى هذا النوع من التوظيف بالغ الهشاشة.

عمدت الدولة بدايةً، وبعكس سياستها التقشفية، إلى موجة تشغيل واسعة، افتخرت الوزارة على إثرها بالأرقام التي تعدت الـ 100 ألف منصب شغل، مُدعية أن السبب هو التوظيف الجهوي، في الوقت الذي عجزت فيه الوظيفة العمومية المركزية عن ذلك!

كان ذلك وسيلة لجعل التوظيف بموجب عقود/ التوظيف الجهوي مطلوبا، خصوصا في سياق جحيم البطالة الذي لا يترك لضحاياها من خيار سوى قطاع خاص أكثر جحيمية أو التسلل إلى أوروبا عبر شتى صيغ الهجرة.

في السنة الماضية تجاوز عدد المتبارين 280 ألف، ما يبين حجمَ البطالة المستشرية التي تعمقت مع فقدان أكثر من مليون منصب شغل إثرَ الأزمة الاقتصادية التي فجرها كوفيد- 19.

أصبحت مباريات التوظيف بموجب عقود ملجأ يرنو إليه مئات الآلاف من خريجي- ات الجامعة بعد أن سُدّت في وجوههم-هن أبواب الوظيفة العمومية القارة، وأصبح التشغيل في القطاع الخاص أشبه بعبودية تنتهي غالبا بالطرد.

تخوُّف الدولة من اعتبار تنازلها الظرفي آنف الذكر حقا ملزِما، هو (من جملة أسباب أخرى) ما دفعها إلى تشديد شروط ولوج تلك الوظائف، مغطية ذلك بالكلام عن “الارتقاء بالتوظيف ودعم جاذبية مهن التربية”، وهو ما يعني تغليب الشُعب المهنية والتقنية وتقليص حصة شُعب العلوم الإنسانية والاجتماعية… إلخ.

لا يتعلق الأمر إذن بإجراءات وزارية فحسب، فالبطالة تمد جذورها في انحباس التنمية بفعل تبعية للرأسمالية العالمية وفي سياسة عامة للدولة عنوانها التقشف واستعمال المالية العمومية لحفز القطاع الخاص وخدمة الديون، فضلا عن تشريع قانوني يُطلِق يد أرباب العمل في القطاع الخاص للسمسرة في اليد العاملة وجعل شروط استغلالها أكثر مرونة.

هبَّ الشباب المتضرر من هذه الإجراءات إلى فتح قنوات للتواصل والنقاش (مجموعات واتساب، صفحات فايسبوك)، وانطلقت وقفات ومسيرات هنا وهناك. وكي لا يكون الأمر محض خضات عفوية وتلقائية يسهل قمعها أو الالتفاف عليها بتنازلات شكلية (على غرار مع جرى مع موجة الاحتجاج ضد فرض جواز التلقيح)، علينا أن نُنظم هذا الاحتجاج ونضفي عليه طابعا وطنيا (انظر بهذا الصدد بيان تيار المناضل-ة هنا)

علينا تفادي فخ التركيز على إجراءات المذكرة الوزارية، فتعديل معايير الانتقاء أو إلغائها، لن يزيد فرص التوظيف المتنافَس عليها، وإنما سيزيد عدد المتنافسين- ات فقط، وسيظل عدد المناصب هو نفسه: 17 ألف!

علينا توسيع ملفنا المطلبي ليشمل الشغل القار. فالمشكل أكبر من إجراء انتقاء، لأن إلغاءه لا يجيب عن معضلة البطالة: في السنة السابقة (حيث لا شروط انتقاء) وُظِّف 17 ألف من أصل 287 ألف متبارٍ ومتبارية.

الجمعية الوطنية وتنسيقية التعاقد المفروض: دور مفتقَد وجب تداركه

إنها فرصة تاريخية لتنسيق نضالي بين تنظيمات شبيبة، في مقدمتها شغيلة تنسيقية التعاقد المفروض والجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب فضلا عن أنوية مناضلة داخل الجامعة.

يبدو أن الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين (باستثناء فروع محلية وإقليمية) مُستنكفة عن التدخل في تنظيم الشبيبة التي هبت ضد بلاغ الانتقاء، بفعل أو حُكمٍ مُسبق غير معلن بشكل صريح في حق هذه الشبيبة: “إنها لا تناضل من أجل الوظيفة العمومية، بل فقط من أجل توسيع حظوظ التباري حول مناصب التعاقد”.

ستقع الجمعية الوطنية كهذا في خطأٍ فادح، خصوصا مع استحضار تجربة مجموعات المجازين. تضم الشبيبة المحتجة ضد بلاغ الوزارة خريجي- ات الجامعة بعد تدميرها بفعل الإصلاح الجامعي وضمور النضال الطلابي، ولا يمكن أن ننتظر من هذه الشبيبة أن تكون بنفس وعي وخبرة وتمرُّس الأجيال التي غذت الجمعية الوطنية طيلة عقد التسعينيات والعقد الأول من القرن الواحد العشرين. ووضع شروط مسبقة في وجه هذه الشبيبة سيؤدي إلى نشوء جسم تنظيمي جديد، قد يضع الجمعية الوطنية على الهامش، ويبدو أن دينامية هذه الاحتجاجات سائرة فعلا في هذا الاتجاه.

تأثرت تنسيقية شغيلة التعاقد المفروض بالسائد من تقاليد نقابية. كان حصر الأجهزة النقابية لاهتمامها على الأمور المهنية المحض لقاعدتها المفترضة أو لمنخرطيها الفعليين، سببا رئيسا في نشوء الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين وبعدها تنسيقية التعاقد المفروض. في حين أن علة وجود النقابة هو تنظيم نضال جميع أقسام الطبقة العاملة، المشتغل منها أو العاطل على حد سواء. ويبدو أن انشغال التنسيقية الوطنية بالمطلب المهني لقاعدتها (الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية وجملة مطالب جزئية أخرى) قد فوت عليها الاهتمام بتنظيم ومخاطبة جماهير الشبيبة المعطلة التي تتخرج سنويا من الجامعات.

تقليد آخر استمدته التنسيقية الوطنية من القيادات النقابية: بدل موقف وطني ممركِز يبادر إلى ينظم الاحتجاجات القائمة، يجري الاقتصار على بيانات أجهزة دنيا (مكاتب إقليمية أو جهوية) تكتفي بالتضامن مع النضال الجاري، في حين أن الواجب هو حفزه وتنسيقه والانخراط فيه.

وحين صدر بيان المجلس الوطني (22- 11- 2021)، اقتصر على صيغ “الاستنكار” و”الرفض”، رغم أن شعاره كان أن :”المرحلة ليست مرحلة تنديد بل التوجه رأسا نحو المجابهة”. وجعل من النضال من أجل إسقاط إجراءات الإقصاء، وكذا “وقف الزحف القادم على المدرسة والوظيفة العمومية”، مهمةً “ملقاة على كل مناضلي ومناضلات الشعب المغربي”. وهي صيغة مخففة للتنصل من تنظيم الدينامية الجارية و ومن تبني مطلب الشبيبة المعطلة مطلبا للتنسيقية وما يتقضيه ذلك من انخراط فعال، وليس “دعوة المكاتب الجهوية والإقليمية للتفاعل مع كل الأشكال النضالية الرامية إلى إسقاط الشروط الإقصائية”.

أما خطوات النضال التي قررها المجلس الوطني، فلا علاقة لها بمجابهة إجراءات الإقصاء، بل بمطالب المفروض عليهم- هن التعاقد: “تأجيل تسليم نقط الفرض الأول للإدارة، والاستمرار في مقاطعة مسار والزيارات الصفية”، أما دعوة “جميع الأساتذة- ات لمقاطعة حراسة مباراة التعليم” فلا تندرج ضمن النضال من إسقاط إجراءات الإقصاء (الانتقاء) بل قبول ضمني بها.

نحن مدركون لصعوبة تعبئة جسم المفروض عليهم التعاقد للنضال المباشر ضد هجوم يمس “فئة” أخرى من الشعب، فشعارات “الحلفاء الموضوعيين” تقتصر على العناصر المسيسة داخل التنسيقية، في حين أن القاعدة العريضة معنية بمطالبها الفئوية، وهذا بدوره نتاج تربية سياسية وتقاليد نقابية لم تخترعها التنسيقية لكنها رسختها طيلة أربع سنوات من وجودها.

يبدو أن التنسيقية لا تدرك خطورة هذا الإجراء الذي سنته الوزارة. نتج عن فرض التوظيف بموجب عقود تقسيم جسم الشغيلة إلى فئتين: مرسَّمة ومفروض عليها التعاقد. وسيؤدي تطبيق إجراءات الانتقاء الحالية، وما تضمنه كلام وزير التربية الوطنية من أن الأمر لا يتعلق بمباراة توظيف بل بمباراة تكوين، يكون بموجبها الناجحون- ات محض متدربين- ات لا يستحقون أجرا/ راتبا حتى يجري ترسيمهم- هن، سيؤدي كل هذا إلى خلق فئة أخرى ستبدو أمام شروط استغلالها الفئتين الأُوْلَيَيْن (المرسمة المُقبلة على الانقراض والمفروض عليها لتعاقد)، أكثر استقرارا وأكثر حظا.

تلوح الوزارة دائما بـ”الآليات الحديثة لتدبير الموارد البشرية”؛ أي أقصى استغلال لشغيلة التعليم مقابل قدر أقل من الحقوق، مع جعل هذه الأخيرة استحقاقات فردية يجري التراجع عنها مع تراجع مردودية الأجير-ة (انظر مقترحات تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول الوظيفة العمومية 2017). يطابق هذا آلية “العمل بالأهداف (les objectifs)” القائمة بالقطاع الخاص، هذه الآلية التي تستوجب بالضرورة اعتصار جهد من هو في مقتبل الشباب قبل أن تؤدي “آليات التدبير الحديثة” وخيبة الأمل من ترقي وتحسين سريعين للوضع المهني إلى تراجع الإقدام على “العطاء المهني”.

لا زال بإمكان الجمعية الوطنية وتنسيقية التعاقد المفروض تدارك الأمر، والانخراط بقوة في تنظيم الاحتجاجات بدل تركها تتطور بتلقائية قد تؤدي إلى المزيد من الفئوية في صفوف أقسام نفس الطبقة.

النقابات والفرصة الأخيرة للوفاء لعلة الوجود

هذه أيضا فرصة أخيرة أمام النقابات وقياداتها لإثبات وفائها لعلة وجودها: تنظيم الدفاع عن مصلحة مجمل الطبقة العاملة، سواء المفروض عليها الاستغلال داخل أماكن الإنتاج أو في مؤسسات الدولة والخدمات العامة، أو أقسامها المفروض عليها جحيم البطالة. فهذا الأخير هو ما يمنح لأرباب العمل ودولتهم حرية استعباد الشغيلة وفرض أجور البؤس وكل أشكال المرونة والهشاشة والتخلص من الشغيلة.

أول واجب نضال وتضامن مطلوب من القيادات النقابية هو الانسحاب من مهزلة “الحوار القطاعي” الذي أقر الحاضرون فيه بأن بلاغ وزير التربية الوطنية إهانة لهم: “أشار الكاتب الوطني للجامعة الوطنية للتعليم (التوجه الديمقراطي)، إلى أنه وفي الوقت الذي عممت فيه وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إعلانات مباريات التوظيف بالتعاقد، كانوا بصدد عقد اجتماع مع مدير الموارد البشرية بالوزارة، مستغربا عدم اخبارهم ولا مدهم بنسخة من البلاغ للاطلاع على التحديثات الجديدة التي ضمها” [موقع لكم].

وكل عودة إلى “طاولة الحوار القطاعي” سيُعتبَر تواطؤا صريحا من طرف القيادات النقابية مع الوزارة، ويبدو- للأسف- أن هذا هو ما تتجه إليه الأمور مع تصريح عبد الرزاق الإدريسي بأن الاجتماع المقبل مع الوزير “سيدور من جديد حول إشراك النقابات في اتخاذ القرار وتدارس مشاكل القطاع، متأسفا لاضطرارهم إعادة الحديث عن نفس المواضيع عوض تجاوزها والمرور لما هو أهم”.

يجب الانسحاب من اللقاءات بشكلها الحالي، والتهييء لتفاوض حقيقي يكون شموليا مع المركزيات وليس الاقتصار على قطاع التعليم لوحده. يجب تعزيز ميزان القوى لأجل تفاوض مثمر، فما يقع حاليا هو “تعاون” طمعا في نيل فتات (تسوية ملفات الترقية ووضعيات إدارية، “مأسسة الحوار”). سيكون تعزيز ميزان القوى بانخراط في التعبئة يشمل كل القطاعات، أو بالأقل في طور أول قطاعات الدولة، حول ملف مطلبي شامل.

إنها أيضا فرصة أمام القواعد النقابية والفروع النقابية المحلية والإقليمية للضغط على هذه القيادات من أجل نفض أيديها من “التعاون” مع الوزارة، هذا التعاون الذي تصر تلك القيادات، مستعيرة مفاهيم الدولة، على تسميته “مقاربة تشاركية” و”حوارا اجتماعيا ممأسسا”.

وثاني واجب هو المبادرة إلى تنظيم تنسيق فعلي مع الجمعية الوطنية وتنسيقية التعاقد المفروض من أجل خوض نضال ليس فقط ضد معايير الانتقاء الواردة في البلاغ، ولكن ضد مجمل خطة الوزارة التي تضمنها تصريح شكيب بنموسى وكاتبه العام بلقاسمي.

من أجل إلغاء شروط الانتقاء المجحفة وفتح أوسع توظيف يستجيب لحجم الخصاص الذي تحجبه الدولة عن الأنظار عبر أشكال استغلال تبدو في ظاهرها محض إجراءات إدارية: تدبير الفائض والخصاص والضم والتكليف، فضلا عن ساعات العمل الطويلة.

من أجل إسقاط كل أشكال التوظيف والتشغيل الهشة: توظيف بموجب عقود، التوظيف الجهوي، التدبير المفوض.

 

شارك المقالة

اقرأ أيضا