نصٌ لترُوتسكي بصدد أوكرانيا

بلا حدود2 سبتمبر، 2022

 

“أوكرانيا المعاصرة صنيعة بالتمام والكمال لروسيا، وبالضبط روسيا الشيوعية، البلشفية. بدأت هذه العملية مباشرة بعد ثورة 1917، وقد تعامل لينين ورفاقه بطريقة ضئيلة الرهافة حقا مع روسيا، إذ انتزعوا وسلبوا جزءا من أراضيها التاريخية. بالطبع، ما من سائلٍ ملايينَ الأشخاص الذين كانوا هناك عن أي شيء.” هكذا عبَّر فلاديمير بوتين يوم 21 فبراير 2022، “مبررا” مسبقا تدخله العنيف ضد أوكرانيا. إنها مناسبة لنشر مقتطفات من مقال ليون تروتسكي بتاريخ أبريل 1939[1] ، يعيد إلى الأذهان ما شهد الاتحاد السوفياتي الناشئ من نقاشات بصدد المسألة الأوكرانية.

*********************

إن المسألة الأوكرانية التي حاولتْ جاهدةً عدةُ حكومات، والعديد من “الاشتراكيين” وحتى من “الشيوعيين”، نسيانها وإبعادها إلى أغوار التاريخ، أُعيدتْ للتو إلى جدول الأعمال، بقوة مضاعفة هذه المرة.

إن كل التفاقم الحديث للمشكل الأوكراني وثيق الارتباط بانحطاط كل من الاتحاد السوفياتي والأممية الشيوعية، وبنجاحات الفاشية ووشوك الحرب الإمبريالية القادمة.

إن لأوكرانيا، المضطَهَدةِ بشدة من قبل أربعة دول، نفسَ المكانة، ضمن مصائر أوروبا، التي كانت لبولونيا سابقا، بفارق كونِ العلاقات الدولية باتت الآن بالغة التوتر وتسارعِ إيقاعات الأحداث. تتجه المسألة الأوكرانية نحو دور كبير في المستقبل القريب في حياة أوروبا. لم يكن سُدى أن رفع هتلر في البداية بنحو صاخب قضية إنشاء ” أوكرانيا كبيرة”، كي يُسارع بعدها إلى دفنها خلسة.

لينين ضد الشوفينية الروسية العظمى

تجاهلت الأممية الثانية، المعبرة عن مصالح البيروقراطية والأرستقراطية العماليتين في الدول الإمبريالية، المسألة الأوكرانية تجاهلا تاما. وحتى جناحها اليساري لم يُحِطْها بالاهتمام اللازم. يكفي التذكير بأن روزا لوكسمبورغ، رغم ذكائها اللامع وروحها الثورية الحقيقية، قد قالت إن المسألة الأوكرانية كانت بدعةَ حفنةِ مثقفين. وقد خلَّف هذا الموقفُ بصمة عميقة على الحزب الشيوعي البولوني. واعتبر قادة فرع الأممية الشيوعية الرسميون المسألة الأوكرانية عقبة بدلا من مشكلة ثورية. من هنا تكاثفت الجهود الانتهازية للتهرب من هذه المسألة واستبعادها والصمت عنها أو إرجائها إلى مستقبل غير محدد.

تمكن الحزب البلشفي، ليس بغير صعوبات، وبتدرج، بضغط متواصل من لينين، من بلوغ إدراك سليم للمسألة الأوكرانية. ومدَّدَ لينين حق تقرير المصير، أي حق الانفصال، ليشمل أيضا البولونيين والأوكرانيين سواء بسواء، إذ لم يكن يعترف بأمم أرستقراطية. كان يعتبر كلَّ ميل إلى إلغاء قضية أمة مضطهَدة أو تجاهلها مظهراً للشوفينية الروسية العظمى.

شهد الحزب البلشفي، بعد الاستيلاء على السلطة، صراعا جديا بصدد حل مشاكل قومية عديدة موروثة عن روسيا القيصرية القديمة.  وكان ستالين، بصفته مفوض الشعب للقوميات، يعبر دائما عن الاتجاه الأشد مركزية وبيروقراطية. وكان هذا جليا بنحو خاص بشأن المسألة الجورجية والمسألة الأوكرانية. لم تُنشَر بعدُ الرسائل المتبادلة حول هذه المسائل. ونعتزم نشر الجزء اليسير الذي بحوزتنا. كل سطر من رسائل لينين ومقترحاته يرتج بإلحاحه على إحسان التصرف، قدر الإمكان، مع تلك القوميات المضطهدة. وعلى العكس من ذلك، كانت مقترحات ستالين وتصريحاته مطبوعة دائما بالجنوح إلى المركزية البيروقراطية. وجرى، لمحض ضمان “حاجات إدارية”، (اقرؤوا: مصالح البيروقراطية)، اعتبار المطالب الأكثر شرعية للقوميات المضطهدة مظهرا للنزعة القومية البورجوازية الصغيرة. لوحظت تلك الأعراض كلها منذ 1922- 1923. لكنها تضخمت، منذ تلك الفترة، بشكل بالغ، وقادت إلى الخنق التام لكل تطور قومي- مستقل لشعوب الاتحاد السوفياتي.

أوكرانيا بوجه البيروقراطية الشمولية

كانت أوكرانيا السوفياتية موجهة، وفق تصور الحزب البلشفي القديم، لتغدو محورا قويا تتحد حوله باقي أقسام الشعب الأوكراني. ولا جدال في أن أوكرانيا مارست، في حقبة وجودها الأولى، جذبا قويا من زاوية نظر قومية أيضا، وأنها أيقظت إلى النضال العمال والفلاحين وفئة المثقفين الثوريين لأوكرانيا الغربية المستعبَدة من قبل بولونيا. لكن مكانة أوكرانيا السوفياتية، وفي الآن ذاته طريقة طرح المسألة الأوكرانية بمجملها، شهدا تغييرا عميقا. وبقدر ما كانت الآمال المُستثارة كبيرة، بقدر ما جاءت الخيبة عميقة.

في روسيا العظمى أيضا قامت البيروقراطية بخنق الشعب ونهبه. لكن، في أوكرانيا، جرى تعقيد الأمور بفعل الإجهاز على الآمال القومية. لم تتخذ القيود والتطهيرات والقمع، وكل أشكال اللصوصية البيروقراطية بوجه عام، طابع عنف فتاك بالدرجة التي بلغتها في أوكرانيا، في صراع ضد التطلعات القوية، الراسخة بعمق، لدى جماهير أوكرانيا إلى مزيد من الحرية والاستقلال. أصبحت أوكرانيا السوفياتية، بنظر البيروقراطية الشمولية، فرعا إداريا لكيان اقتصادي وقاعدة عسكرية للاتحاد السوفياتي. لا شك أن البيروقراطية تنصب تماثيل تمجيد لشيفتشينكو[2]، لكن بهدف سحق تام لشعب أوكرانيا بأثقالها وإجباره على إنشاد أمداح بلغة كوبزار*3 لزمرة المغتصبين في الكرملين.

موقف الكرملين اليوم إزاء أقسام أوكرانيا الموجودة حاليا خارج حدود الاتحاد السوفياتي هو نفسه تجاه كل القوميات المضطهدة بكل المستعمرات أو شبه المستعمرات، أي أنه يعتبرها عملة تبادل صغيرة في مناوراته الإمبريالية. في مؤتمر 18 الأخير للحزب “الشيوعي”، أعلن مانويلسكي، أحد أشد المرتدين تنفيرا في الشيوعية الأوكرانية، بكل صراحة، أن ليس الاتحاد السوفياتي وحسب، بل حتى الكومنترن يرفضان المطالبة بالتحرر القومي للشعوب المضطهَدة حين لا يكون مضطهدوها ضمن أعداء الزمرة الحاكمة بموسكو. يدافع ستالين وديمتروف ومانويلسكي اليوم عن الهند ضد اليابان، لكن ليس ضد إنجلترا. ثمة استعداد للتنازل نهائيا عن أوكرانيا الغربية لفائدة بولونيا مقابل اتفاق ديبلوماسي يبدو اليوم في صالح بيروقراطيي الكرملين. لقد مضى زمن لم يكونوا يتجاوزون، في سياساتهم، المناورات العرضية.

“المسألة الأوكرانية مطروحة بكل مداها”

لم يبق ثمة شيء من ثقة جماهير أوكرانيا الغربية وتعاطفها السابق مع الكرملين.  منذ “التطهير” الدامي الأخير في أوكرانيا، لم يعد أحد في الغرب يريد أن يصبح جزءا من المقاطعة التابعة للكرملين التي لا تزال تحمل اسم أوكرانيا السوفياتية. تعيش جماهير عمال وفلاحي أوكرانيا الغربية وبوكوفين وأوكرانيا الكارباتية، حالة شديدة من البلبلة. أي وجهة؟ وأي مطالب؟ وقعت القيادة، بفعل هذا الوضع، في أيدي أشد الزمر الأوكرانية رجعية المعبرة عن” قوميتها” بالسعي إلى بيع الشعب الأوكراني لهذه أو تلك من الإمبرياليات مقابل وعد باستقلال وهمي. وعلى هذا البلبلة المأساوية يبني هتلر سياسته في المسألة الأوكرانية. لقد قلنا ذلك سابقا: لولا ستالين (أي لولا سياسة الكرملين المُهلِكة بخصوص ألمانيا) لما كان هناك هتلر. يمكننا الآن أن نضيف: لولا اغتصاب أوكرانيا السوفياتية من قبل البيروقراطية الستالينية، لما كانت هناك سياسة هتليرية بخصوص أوكرانيا.

قام ستالين، في المؤتمر 18، بالدفاع علنا عن هتلر بوجه افتراءات “الديمقراطيات” الغربية. يفكر هتلر في مهاجمة أوكرانيا؟ لا أبدا؟ محاربة هتلر؟ لا مبرر لذلك قط. جلي أن ستالين يفسر تسليم أوكرانيا الكارباتية لهنغاريا كبادرة سلام.

يعني هذا أن مختلف أقسام الشعب الأوكراني مجرد عملة تبادل في دسائس الكرملين العالمية. يجب على الأممية الرابعة أن تدرك بوضوح الأهمية الكبرى للمسألة الأوكرانية فيما يخص ليس مصائر جنوب شرق أوروبا وشرقها وحسب، بل حتى أوروبا برمتها. نحن بصدد شعب أبان بالحجج عن حيويته، وعدد سكانها يعادل ما في فرنسا، ويشغل منطقة غنية بنحو استثنائي، وله فضلا عن ذلك أكبر أهمية استراتيجية. إن المسألة الأوكرانية مطروحة بكل مداها.

المطلوب شعار واضح ودقيق يطابق الوضع الجديد. وليس ثمة بنظري في اللحظة الراهنة سوى شعار من الطراز التالي: من أجل أوكرانيا سوفياتية، عمالية وفلاحية موحدة، حرة ومستقلة!

المصدر:

https://lanticapitaliste.org/actualite/histoire/un-texte-de-leon-trotsky-sur-lukraine

ترجمة المناضل-ة

——————–

  • La question ukrainienne », 22 avril 1939.
  • تاراس ه . شيفتشينكو (1814-1861)، شاعر أوكراني، أستاذ في كييف، منظم أخوية سيريل وميتود، نصير أوكرانيا وطنية، مع إصلاحات عميقة، هو أب القومية الأوكرانية الحديثة.
  • كوبزار عنوان ديوان شعر شهير لشيفتشينكو، صدر قبيل نفيه في العام 1840

 

شارك المقالة

اقرأ أيضا