الزلزال! لأجل أوسع تضامن مع ضحايا كوارث طبيعية تفاقمها رأسمالية تابعة ومتخلفة

الافتتاحية11 سبتمبر، 2023

 

زادت معاناة كادحي-ات المغرب جراء زلزال قوي لم يتكشف بعدُ حجم الدمار الذي خلفه. ضرب الزلزال في جبال الأطلس، وأدى لاختفاء قرى بأكملها في ضواحي وأرياف مراكش وتارودانت وورزازات. الخسائر محدودة بالحواضر، والكارثة مست القرى بالخصوص، والحقائق ستبرز بمرور الوقت…
حتى الآن شارفت الوفيات 2500 قتيل، وكذلك الإصابات وأغلبها موصوف بالخطير. طبعا يتعلق الأمر بظاهرة طبيعية، غير أن نتائجها مرتبطة أساسا بنوع المجتمع الذي تحدث فيه. فأعداد الضحايا، أمواتا وجرحى، يرتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية أكثر من ارتباطها بحجم الزلزال ومدى قوته. وهو ما يفسر ارتفاع عدد ضحايا الزلازل في البلدان التابعة وشبه المستعمرة، بينما يقل في الدول الصناعية الكبرى، ويختلف كذلك بين دولة صناعية وأخرى، بحسب نوع السياسات المتبعة فيها وحال الخدمات العمومية وطريقة تلبية احتياجات الناس الأساسية.
ضرب الزلزال قرى الأطلس الكبير ليلا، وواجهه من بقي حيا في الدواوير والبلدات الصغرى بما توفر لديهم من إمكانيات ذاتية بسيطة لإنقاذ الجرحى. ولم تتحرك الدولة وأجهزتها، كعادتها، إلا متأخرة. تحركت وهي أشد وعيا من الجميع بما صنعته سياساتها من بؤس وحرمان وترك الناس عزلا أمام ما يصيبهم. لكن تَحرُّكها الأهم كان دعائيا، لتسويق صورة الدولة القادرة، لكنها صورة عرى الزلزالُ حقيقتَها أمام العالم (صورة سبق وعراها كوفيد- 19).
ليس المغرب هو أحياء الرباط ومراكش والبيضاء الراقية. ليست مراكش هي مدينة المؤتمرات العالمية ومهرجانات البذخ، ليست مراكش المزركشة هي مراكش الحقيقية، بل المغرب ومراكش هما ما نشهده الآن، بلد هش جدا أمام مصائب الرأسمالية، والكوارث “الطبيعية”. بلد أنهكه الاستبداد وسياساته الطبقية وعقود نيوليبرالية صارمة أتت على الأخضر واليابس.
أسهم تأخر فرق الإنقاذ وضعف تجهيزاتها التقنية وأعدادها البشرية، وغياب الإسعاف الطبي ونقل الجرحى والمستشفيات الميدانية، وصعوبة المسالك نتاج إهمال تاريخي… إلخ، بقوة في ارتفاع عدد القتلى، ليس بسبب الزلزال مباشرة، بل بسبب سياسة تهميش وفقر اجتماعي في منطقة معينة كما منطقة الأطلس الكبير.
نتذكر زلزال الحسيمة 2004 وما خلفه من مئات الضحايا والجرحى ودمار البيوت، وما تلاه من وعود ودعاية رسمية كشف زيفَها حراكُ الريف الشامخ بعد طحن الشهيد محسن فكرى في نونبر 2016. حراك، أجبر الدولة على الإقرار بعدم الوفاء بوعودها وخططها المعلنة بعد الكارثة بالموازاة مع تسليط العقاب الشديد على قادة الحراك بأحكام قاسية بجريرة كشف أراجيف الدولة.
الحقيقة التي علينا التأكيد عليها أن الكوارث الطبيعة، وهي الآن أشد عنفا بفعل الدمار الكبير الذي ألحقته الرأسمالية بالبيئة، قد تسبب خسائر مادية وبشرية لكنها مجرد كشاف لواقع الخراب الاقتصادي والاجتماعي أو لسياسة طبقية مدمرة للخدمات العمومية أساس أي استراتيجية فعلية بوجه كوارث عظمى.
أصبح عنف الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل وغيرها، الجفاف والحرائق والفيضانات والجوائح الفيروسية، خطرا إضافيا يسِم عصر رأسمالية الأزمات المتطرفة. أزمات مدمرة عصية في ظل مواصلة سياسة خصخصة الخدمات العمومية وإخضاع السياسة الاقتصادية لمصلحة الرأسمال الخاص. لا يتعلق الأمر بتخلف الإمكانات التقنية والمعارف والخبرات، بل لأن الازمات نفسها مصدر ربح لأقسام رأسمالية من أغنياء الكوارث. شهدنا فشلا مريعا لدول رأسمالية غنية بوجه الحرائق المهولة أو بوجه جائحة كوفيد- 19 أو زلازل عنيفة…
ستتلقف مؤسسات الرأسمال هذا الزلزال، كما تلقفت غيره من الكوارث، وستعمل على جعله موردا آخر لأرباحها. كما سيعمل داعمو الاستبداد، من قوى إمبريالية ورجعية، على ضبط “دعمهم” على وتيرة الحفاظ على استمرار تدبير البلد وفق نفس المنظور الذي يبقيه تابعا ومتخلفا وبالتالي هشا أمام الكوارث أيا كانت، سواء تعلق الأمر بأزمة اقتصادية أو “طبيعية”. ستقف المؤسسات المالية العالمية، بكل جبروتها، خلف حليفها المحلي، لكي تجعل الزلزال مطية أخرى لإغراق البلد، الغارق أصلا، في فخ الديون والتبعية.
بادر الكادحون-ات من مختلف مناطق البلد للتضامن مع منكوبي-ات الزلزال. انطلقت قوافل المساعدات من كل صوب نحو الحوز وتارودانت، وهو أمر يجب دعمه من قبل كل عامل-ة وكل مناضل-ة من أجل غد أفضل. لكن تلك المساعدات وذلك التضامن الشعبي، المادي، لن يعوض التضامن السياسي المطلوب.
ينبغي النضال من أجل إسقاط السياسات التي أوصلت بلدنا إلى ما هي عليه من عجز وهشاشة، ووقف ترحيل ثرواتنا التي تنتجها سواعدنا، عبر وقف آلية هذا الترحيل، من خدمة الديون والخضوع لمؤسسات النهب العالمية. ويلزم أيضا توجيه كل السياسات نحو تلبية حاجاتنا الانسانية… إن التضامن السياسي مع المنكوبين-ات الآن هو أوجب الواجبات بوجه دعوات لا تنتهي لإجماع سياسي حول الاستبداد، إجماع جرى تجريبه مرارا ولم يؤد إلا إلى الخراب.
الزلزال كارثة طبيعية! أي نعم، غير أن التخلف عن غوت الناس نتاجُ سياسة واعية قادت لاستمرار عزلة الضحايا عقودا: لا طرق ولا مستشفيات ولا أطقم طوارئ… من أجل سلامتنا لا مفر من بديل اجتماعي يتعارض ومصلحة رأس المال، إذ لا خلاص إلا بالقضاء على سطوته وسلطته، وفتح طريق مجتمع متحرر من الاستغلال والاستبداد.

المناضل-ة

شارك المقالة

اقرأ أيضا