الكارثة سائرة: إما اشتراكية بيئية أوهمجية

بيانات10 أكتوبر، 2015

 

 

يتغير مناخ الأرض بسرعة تفوق ما كان الخبراء يعتقدون.  وما من شك في سبب هذا التغير، إنه تسخن الغلاف الجوي بفعل نفث غازات الاحتباس الحراري، لا سيما ثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراق البترول والفحم والغاز الطبيعي.

لقد ارتفعت حرارة الأرض بـ 0,8 درجة مائوية  منذ قرنين. ما سيكفي لرفع مستوى المحيطات بزهاء مترين في القرون المقبلة.  وما من قادر على منع ذلك. وسيكون مئات ملايين البشر مضطرين إلى الرحيل، وستضيع ملايين هكتارات من الأراضي الزراعية ، وسيجري إخلاء مناطق حضرية.  وستكون شعوب الجنوب أشد تضررا، فيما مسؤوليتها أقل.

لقد تجاهلت الحكومات التحذيرات.  وبعد مضي ثلاثة وعشرين سنة على قمة  ريو، ترتفع كميات غازات الاحتباس الحراري بسرعة تعادل ضعفي نظيرها في سنوات 1990، وهذا رغم الأزمة الاقتصادية !

وباستمرار هذه الوتيرة، لن يبلغ الاحترار في متم القرن 2 درجات مائوية بل 6 درجات. وسيترتب عنه كوارث مرعبة، يتعذر كليا تصورها.

قمة منظمة الأمم المتحدة حول المناخ (COP21)   رماد في عيون السكان، وهدايا لأرباب العمل

الحالة مستعجلة بدرجة قصوى لأن التدابير الواجبة  جرى تأجيلها مند عقود.  يجب على البلدان “المتطورة” الشروع  فورا  في تقليص نفث غازات الاحتباس الحراري بما لا يقل عن نسبة 10 %  كل سنة، و إزالتها كليا في أفق العام 2050. ويجب على البلدان البازغة الكبيرة أن تليها بسرعة. لا يزال لبقية البلدان هامش، لكنه ينقص بسرعة كبيرة.  وما لم يطرأ تغير، ستنضب في العام 2030  كمية البترول والفحم والغاز الطبيعي الممكن إحراقها دون تجاوز احترار بـ 2 درجات مائوية .

 ستنعقد  قمة منظمة الأمم المتحدة حول المناخ (COP21)  بباريس في ديسمبر 2015. يسعى المسؤولون السياسيون إلى تنويمنا بقول إنهم سيوقعون، هذه المرة، اتفاقا “طموحا”.

نعم،  سيوقعون اتفاقا لإنقاذ ماء الوجه. لكن الأكيد هو أن هذا الاتفاق سيكون غير كاف بتاتا من وجهة نظر حماية البيئة، وغير عادل بأي وجه من وجهة نظر اجتماعية.  ومضمونه محدد مسبقا بالتزامات الملوثين الكبار، أي الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوربي، والصين، واليابان، واستراليا، وكندا.  وعلى هذا الأساس، لن  يقل احترار الأرض عن 3,6  إلى 4 درجات في أفق نهاية القرن.

كل تلك الالتزامات جرى التفاوض بشأنها مع  مجموعات الضغط (اللوبيات) الصناعية والمالية. وهي مفصلة على مقاس مصالحها. وتبتهج الشركات متعددة الجنسية للأسواق الجديدة الممنوحة لها:  أسواق كاربون وتكنولوجيا “خضراء”، والتعويض عن غازات الاحتباس بخلق غابات، واحتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، و التكيف مع عواقب الاحترار، الخ.

لكن احترارا بـ 4 درجات مائوية يعني ارتفاع مستوى البحار بـ 10 أمتار على المدى البعيد. .هذا فضلا عن الآثار المباشرة أكثر، منها زوال متسارع للتنوع  الأحيائي، ومزيد من العواصف، والأعاصير، والجفاف، والفيضانات، وموجات الحر، وانخفاض إنتاجية الزراعة، الخ.

455898_1

 إنقاذ ماذا: الرأسمالية أم المناخ ؟

إن الحقيقة ثابتة منذ عقود. فريق الخبراء الحكومي الخاص بالمناخ – GIEC – هيئة مشتركة بين الحكومات، وملخص تقاريره ملزم للدول.  والحلول التقنية موجودة، وكذا الوسائل المالية.  لماذا إذن،والحالة هذه، لا تتخذ الحكومات التدابير اللازمة؟  ولماذا تدعو إلى “حلول” زائفة أو ، مثل الغاز الصخري، والوقود الحيوي، والنووي، وتقنيات تغيير مناخ الأرض وبيئتها- géoingénierie-، الخ؟

الجواب بسيط: لأن الحكومات تخدم مصالح الشركات متعددة الجنسية والبنوك التي تخوض حربا تنافس من أجل  الربح الأقصى، وهذه الحرب  تدفع المقاولات إلى إنتاج المزيد على نحو دائم (ومن ثمة استهلاك مزيد من الموارد)، ولأن مصدر 80 % من الطاقة فحم وبترول وغاز طبيعي.

إن إنقاذ المناخ يتطلب ما يلي:  1- بقاء 80 بالمائة من مخزون المحروقات الأحفورية المعروف تحت الأرض؛ 2- أن يتم تدمير في أسرع ما يمكن لنظام الطاقة القائم على تلك الموارد الأحفورية (وعلى النووي) قبل الاستهلاك؛ 3- التخلي عن إنتاج المنتجات غير المفيدة والضارة وتلك مبرمجة البلاء التقني، بقصد تقليص استهلاك الطاقة وموارد أخرى؛ 4-  استبدال النظام المستبد الانتاجوي/ الاستهلاكي والقائم على التفاوت بنظام متجدد، مقتصد، غير ممركز، اجتماعي وديمقراطي.

يمكن وقف الكارثة المناخية مع ضمان حياة كريمة للجميع، ذكورا وإناثا. هذا بشرط اتخاذ تدابير مضادة للرأسمالية. إن الحكومات تفضل تدمير الكوكب، وتهديد حياة ملايين الفقراء، والعمال، والفلاحين والنساء والشباب، الذين باتوا ضحايا تغير المناخ، وتهديد البشرية بفوضى همجية حيث يحقق تجار السلاح أرباح كثيرة.

يعتبر الرأسمال الطبيعة والعمل ملكا له.  ليس الخيار بين استعجال حماية المناخ والعدالة الاجتماعية، إنها معركة واحدة. واجبنا أن نتعبأ. يجب، أبعد من قمة المناخ COP21 ، أن نؤكد حقوقنا، ونطور نضالاتنا، ونبني تضافرها، ونبني حركة جماهيرية عالمية.

جميعا إلى النضال المشترك على كل الجبهات

الشركات متعددة الجنسية العاملة في مجال الطاقة الأحفورية بحاجة إلى توسيع  سيطرتها.  يجب أن نوقفها. يجب أن نتعبأ  ضد مشاريع البنية التحتية الخادمة لها، أي المطارات الجديدة، وأنابيب غاز وبترول جديدة، وطرق سيارة جديدة، وجنون الغاز الصخري المستجد.  يجب أن نندد بالامتيازات الجبائية، وغيرها، الممنوحة  لشركات النقل البحري والجوي والطرقي.

بكل مكان تقوم القوى “المتطورة”، المسؤولة الرئيسة عن الاحترار، بطرد  اللاجئين / ات المدفوعين  بالأزمات الناتجة عن سياستها القائمة على السيطرة والتي يفاقمها الاحترار.  يجب أن نرفض جدران أوربا المحصنة ومعسكراتها، ونطالب باحترام حق اللجوء.

إن الصناعات الغذائية وصناعة الخشب مسؤولة عن 40% من كميات غازات الاحتباس الحراري.  يجب أن نتعبأ ضد المنتجات المعدلة وراثيا، ومن أجل مساندة زراعة فلاحين عضوية وقائمة على القرب، ومن أجل  السيادة الغذائية. يجب أن نبني شبكات، وجمعيات منتجين-مستهلكين.  يجب أن نساند حقوق الشعوب الأهلية في مواردها ونضال النساء اللائي  ينتجن 80% من غذاء بلدان الجنوب.

 إننا شهود كارثة تحل بالتنوع الأحيائي، أي ما يسمى بالانقراض السادس، وهو أكبر انقراض للأنواع منذ اختفاء الديناصورات.  يمكن زوال ما بين 40 و 50% من كل الأنواع على الكوكب في العام 2050.  ويوجد اليوم رُبع الأنواع الثديية في خطر انقراض مقابل معدل انقراض (طبيعي) لا يتجاوز نوعا واحدا كل 700 سنة.  يجب أن ننظم صفوفنا من أجل حماية  التنوع الأحيائي.

حق الجميع، ذكورا وإناثا، في سكن جيد وفي الماء وفي التحرك وفي التدفئة وفي الإنارة، صالح للمناخ وللتشغيل.  يجب أن نتعبأ من أجل تدبير عمومي للماء، ولمقاولات عامة  في مجال عزل البنايات حراريا وتجديدها، ومن أجل مؤسسات عامة للنقل المشترك.  يجب أن نفرض بهذه المجالات كلها مجانية الاستهلاك الأساسي ورقابة الشغلية والسكان والمستعملين على التسيير.

إن الجنون الإنتاجوي والاستهلاكي في الأثاث، والأنسجة، والإلكترونيك، والتلفيف … يُسهم كثيرا في احترار المناخ. لذا يجب أن نرفض المنتجات سريعة الاستهلاك، غير القابلة للإصلاح، وذات مدة الصلاحية المبرمجة.  يجب أن ننظم صفوفنا  لمساندة  العمال/ات  في هذه القطاعات، لاسيما  ببلدان الأجور المنخفضة.

ليس على عالم الشغل تحمل أكلاف الانتقال إلى نظام طاقة بديل.  يجب أن يتنظم العمال/ات المشتغلون في الصناعات غير المفيدة، والضارة، والملوثة،  من أجل التحويل الجماعي بلا فقد في الأجور إلى وظائف مفيدة اجتماعيا، ومسؤولة بيئيا.

الحق في وقت حر صالح للبيئة وللصحة وللتشغيل. يجب أن نتعبأ  لنعمل أقل، وبسرعة أقل،  ومرونة أقل، ونعمل جميعا عبر خفض مدة العمل، دون فقد في الأجور، مع تشغيل تعويضي وخفض وتيرة العمل.

إن الشركات متعددة الجنسية العاملة في الطاقة الأحفورية والبنوك تعرقل الانتقال إلى نظام طاقة بديل.  يجب أن نطالب بسحب الاستثمار في هذه القطاعات. يجب أن نطرد الرأسمال الخاص من الطاقة ومن القطاع المالي بدون تعويض ولا استرداد. إنه الشرط الذي لا غنى لمجموع الشعب عنه لتتأتى له وسائل تنظيم سريع وعقلاني للانتقال. إن الطاقة هبة من الطبيعة، ويجب ألا يمتلكها أحد.  يجب أن ننظم التعبئة من أجل خدمة طاقة عمومية، غير ممركزة، تحت رقابة الشغيلة والمستعملين.

ecosocialisme_4_dr

اشتراكية بيئية أو همجية

 تضفي أزمة المناخ راهنية ملحة على خيار “اشتراكية أو همجية”.  لا غنى عن ثورة حقيقية. يجب تغيير كل شيء ! ليس فقط التوزيع المتساوي لثمرة عملنا، بل أيضا امتلاك القرار في ما ُننتج وفي كيفية إنتاجه – متخلصين من قصف الإعلانات التجارية ومن التبذير- ولكن أيضا إعادة النظر في الأدوار التي تسندها الرأسمالية البطريركية للرجال وللنساء.

صفوة القول، المقصود تغيير حضارة، وانتقال إلى مجتمع جديد، اشتراكي بيئي، نسواني بيئي، قائم على التضامن واحترام البيئة. مجتمع حيث لا تتخذ حفنة مستغلين، أو بيروقراطيين أو خبراء مزعومين، يحكمهم السعي إلى الربح، القرارات الكبرى في التهيئة وفي أسبقيات الإنتاج والاستهلاك. هذا التغيير لن تأتي به الانتخابات، بل نضالاتنا. وبوسعنا جميعا أن نفرضه إن كنا نريده !

 مكتب الأممية الرابعة، باريس 21 سبتمبر 2015 / تعريب: المناضل-ة

شارك المقالة

اقرأ أيضا