الأزمة الراهنة: أزمة منظومية تمد جذورها في علاقات الإنتاج الرأسمالية

بلا حدود4 مايو، 2017

 

 

 مقابلة مع ميشال هوسون

لا يمكن لفكاك من الأزمة أن يكون إلا ناكصا من الناحية الاجتماعية. لم يبق للنظام ما يعطي من شأنه إكسابه شرعية.  تتيح مسألة الأتمتة l’automatisation  التأكيد على لاعقلانية  الرأسمالية. وينعكس ما يسمى أزمة الحكامة على صعيد دولي ، بسمات خاصة، في مختلف البلدان. وما هي محركات سياسات انجيلا ميركل ، وباولو جنتيليوني من أجل مزيد من سياسات المجموعة الأوربية والبنك المركزي الأوربي.

 

  • العالم في طور إعادة تركيب. حلل خبراء الاقتصاد الأزمة الراهنة بما هي أيضا (فضلا عن عواملها الأخرى) أزمة حكامة رأسمالية. بات الزمن زمن أفول  الهيمنة الأمريكية دون أن يمكن لقوة أخرى الحلول مكانها، حتى الصين؟ ماذا يمكن قوله عن هذه الأطروحة؟

ثمة الجيوسياسة، أي العلاقات بين الدول، وثمة  عملية هيكلة الاقتصاد من قبل الشركات متعددة الجنسية. ويتناقص أكثر فأكثر تطابق خريطة الرساميل وخريطة  القوى القومية. وقد تفاقم  الاختلال بفعل العولمة، التي تتجاوز المبادلات التجارية بين البلدان.  يتعلق الأمر اليوم بإنتاج السلع وتسويقها بالانتقال بين مواقع عديدة بالعالم، ما يسمى “السلاسل الإجمالية للقيمة”. هذا التفاوت بين خريطتي العالم يجعل مصالح الرأسماليين غير منسجمة  ولا تحدد سياسة موحدة داخل نفس البلد.

لنتناول مثال الولايات المتحدة الأمريكية: قد تصفق بعض قطاعات الرأسماليين لما يعتزم ترامب اتخاذه من تدابير حماية، لكنها تتعارض مع مصالح قطاعات أخرى.  والمكسيك مستهدف بوجه خاص، فيما قسم من الواردات من المكسيك  تطابق إنتاج رساميل أمريكية مستثمرة بهذا البلد. كان الثنائي المشكل بين الولايات المتحدة الأمريكية و الصين “الصين أمريكا” اشتغل على نحو مناسب للقوتين: نمو بمحرك الائتمان في الولايات المتحدة و نمو بمحرك الصادرات في الصين . كان استيراد مواد الاستهلاك بكلفة منخفضة يتيح خفض سعر قوة العمل بالولايات المتحدة الأمريكية  و/أو تضخيم الإرباح الفائضة لـ WalMart [*] التي لها إحدى قواعدها الإنتاجية  في الصين، وتتاجر منذ العام 2016 ، بمعية JD.Com الصينية]وكان الجميع  يصل مبتغاه.

لكن “الصين أمريكا” سائرة إلى تفكك، بشكل عام، كأن العولمة بلغت حدودها. في أثناء العقود السابقة، كانت التجارة العالمية تنمو بوتيرة تعادل ضعفي وتيرة نمو  الناتج الداخلي الإجمالي العالمي، وصارت تنمو الآن بسرعة مساوية   في أفضل حال. دخل توسع  السلاسل الإجمالية للقيمة  طور المردودات المتناقصة وثمة حتى ظواهر إعادة توطين.  كما يسهم إعادة توجيه اقتصاد الصين نحو سوقها الداخلي في هذه الظاهرة. بهذا المعنى، ليست الصين مرشحة لدور قوة مهيمنة ولا يمكن قراءة الحقبة بما هي حقبة انتقال بين قوتين مهيمنتين بل بالأحرى بما هي أزمة حكامة للرأسمالية ليست دوافعها اقتصادية حصرا.

  • الأزمة مستمرة. من يدفع الثمن وكيف، تجاوزا للصيغ العامة حول 1% مقابل 99 % ؟
  • الجواب الأول الجلي أن هذه الأزمة يدفع ثمنها ضحايا سياسات التقشف. ثم من المهم فهم ما الذي يجعل الأمر لن  يكون غير ذلك.  السبب الجوهري هو استنفاد مكاسب الإنتاجية: ما ينتجه أجير متوسط في ساعة عمل يميل إلى الركود أو هو لا يتقدم بمجمل الأحوال إلا بضعف. لكن هذا يعني أيضا استنفاد دينامية الرأسمالية: لا يمكنها الحفاظ على معدل ربحها أو رفعه إلا بشرط  حبس أو خفض ما تسميه كلفة العمل. وهذا يعني التقشف في الأجور وكذا تقليص الدولة الاجتماعية ، الحماية الاجتماعية و الخدمات العامة.  بصيغة أخرى لا يمكن الفكاك من الأزمة الرأسمالية سوى بتقهقر اجتماعي. لم يعد لدى النظام ما يعطي مما يضفي عليه شرعية.

هذه الأزمة ليست أزمة مالية: إنها أزمة منظومية تمد جذورها في علاقات الإنتاج الرأسمالية. هذه إحدى الأطروحات الأساسية في كتاب أطأك [1] (الذي أسهمت فيه)، لكنها متمفصلة مع تحليل للرأسمال الوهمي. هذا المفهوم الذي نجده لدى ماركس أعاد فراسوا شينيه François Chesnais [2]  و سِدريك دوران  Cédric Durand [3] الاشتغال عليه ، ويعني تراكم سندات مالية هي “حقوق سحب” على فائض القيمة [4].

هذا التركيز على الرأسمال الوهمي يتيح إبراز تناقض هام  في التدبير  الرأسمالي للازمة. من جهة، يلزم  خفض قيمة كثيف للرأسمال لإعادة العدادات إلى صفر واستعادة معدل الربح. ليس هذا مجرد نزوة ماركسية بل أيضا رأي منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديين التي تُحمل “المقاولات الزومبي” مسؤولية ضعف مكاسب الإنتاجية،و تعتبرها مقاولات فاشلة في التراكم.  لكن هذا يستوجب قبول مالكي  هذا الرأسمال الوهمي ” أخذ خساراتهم” وهو ما يرفضون طبعا.  وتخضع السياسات المتبعة،  خاصة في أوربا، لمنطق تصديق على حقوق السحب تلك المكتسبة قبل الأزمة، رغم أن نموها احد أسباب الأزمة وبجميع الأحوال عقبة  في وجه فكاك من الأزمة.  هذا ما يؤسس صلاحية تعارض 1% و 99% لأن تركز الثروة المالية  أكبر بكثير من تركز المداخيل.  وهذا ما يتيح توقع لجوء مستديم للتقشف و للتقهقر الاجتماعي

  • قبل بضع سنوات، كانت التكنولوجيا الحديثة تُعْرض في الخطاب الرسمي بما هي “الحدود الجديدة” التي ستطلق طورا مديدا من التوسع. الآن يتعلق النقاش بمفعولها المدمر  للتشغيل  وبالتفاوتات.  ما هو “الركود القرني”؟  وما الرأي فيه؟ وفي ضوء هذه الأطروحة ما هي الأفاق بالنسبة للرأسمال؟
  • تحيل كل هذه التساؤلات في الجوهر إلى سؤال: ما الذي يحدد مكاسب الإنتاجية؟  إنه مرة أخرى سؤال جوهري لدينامية الربح والتراكم.  لكن في الواقع  لاعلم لنا  بشيء.  في الماضي أدى ذلك إلى مفارقة سولوو Solow، في إحالة إلى مقال جريدة مقتضب تساءل  فيه هذا الأخير عن سبب وجود التكنولوجيات الجديدة بكل مكان سوى في إحصائيات الإنتاجية. كان ذلك في العام 1987، ويمكن أن نسرد تاريخ آمال وخيبات الاقتصاديين الذين كانوا يبشرون بطور توسع جديد (” دورة كوندراتييف Kondratief  جديدة”). كان هذا النقاش حادا بوجه خاص في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تعارض أنصار  الثورة التكنولوجية مع “المتشككين في التكنولوجيا”  الذين لم يكونوا يرون  غير ازدهار  لا غد له.  وهم من كان على حق، لاسيما روبير غوردون Robert Gordon  الذي يمثل اكبر محاميي ” ركود قرني” قادم.

لكن، من جهة أخرى، تتكاثر الخطابات حول “نهاية العمل”.  ستؤدي الروبوهات و اقتصاد “الأرضية” حتما  إلى تدمير كثيف  لفرص العمل،  بمعدل فرصة عمل من كل اثنتين في 10 أو 20 سنة  المقبلة.  إنها الحجة الكبرى  لإرساء دخل كوني، هذا الذي يجب رفضه، وإلا نقبل فكرة أن التكنولوجيا هي التي يجب أن تملي كيفية تنظيم المجتمع.  و الحال انه يجب الا تسير الأمور على هذا النحو، و هي لا تسير بهذه الكيفية، إذ لا تقرر التكنولوجيا كل شيء.  أساليب الإنتاج الجديدة ، والسلع الجديدة، كل هذا يجب أن يندمج في منطق السوق. وربما هذا هو التفسير العميق لمفارقة سولوو : للتبسيط، الروبوهات لا تكفي، لابد أيضا من قدرة شرائية لشراء ما تنتج الروبوهات ونموذج اجتماعي ملائم.

 تتيح مسألة الأتمتة هذه  إبراز لاعقلانية  النظام الرأسمالي.  لنفرض أن مكاسب إنتاجية عظيمة مقبلة، سيكون هذا خبرا سعيدا  لأن الروبوهات ستعمل مكاننا. لكن في المنطق الرأسمالي، سيكون الأمر على العكس كارثة اجتماعية مع تدمير كثيف  لفرص العمل.  هذا ما يجعل خفض وقت العمل هو  الجواب العقلاني و الأساس لمجتمع مغاير، مجتمع اشتراكي بيئي.  هدف ضمان دخل لائق لكل فرد، ذكر واو أنثى، هو طبعا هدف مشروع وثمة تدابير استعجالية  يتعين اتخاذها في هذا المجال، لكن يجب مع ذلك عدم التخلي عن الحق في التشغيل.

  • فرق نقاش الاقتصاديين النقديين بصدد سياسات التقشف: هل هي عبثية أم عقلانية؟ للاقتصار على الاتحاد الاوربي، يبدو صعبا التفكير ان دراغي  و ميركل و جانكر ، او هولاند، ليسوا سوى عصابة أغبياء: ما هي محركات تلك السياسات و تأبيدها؟ 

إنه نقاش حقيقي شغلنا داخل “اللجنة من أجل الحقيقة حول الديون اليونانية”.  كان واضحا استحالة اشتغال برامج التقويم المفروضة على اليونان. كان سهلا توقع أن تؤدي الاقتطاعات الكثيفة من الميزانية  الى انحسار اقتصادي عميق وان يتزايد في الأخير ثقل الديون بدل ان ينخفض.  وقد قام صندوق النقد الدولي، إلى هذا الحد أو ذاك، بنقده الذاتي بهذا الصدد [ اعترف اوليفييه بلانشار Olivier Blanchard  بـ”خطأ” متعلق بـ”مُضاعف الميزانية”، انظر  Working Paper No 2013/1, janvier 2013 ]

 ثمة إذن قراءة أولى: سياسات التقشف عبثية، وقد كسرت الانتعاش الذي كان باديا  في 2010 بأوربا، وبالتالي يجب سن سياسات أخرى. لكن ثمة طبعا قراءة أخرى: القادة الأوربيون يدركون ما يفعلون وينفذون علاجا بالصدمة راميا إلى تقليص شديد للمكاسب الاجتماعية المعتبرة عقبات بوجه التنافسية.

المشكل أن ثمة قسطا من الصحة في كلا الأطروحتين، أو يجب بالأحرى تركيب  الخطابين. مثلا، في حالة اليونان، لا يمكن التخلي عن حجة  أن الشروط المفروضة على اليونان  ليست عبثية وحسب بل جنونية إذ يُطلب منها اليوم فوائض بالميزانية بنسبة 3.5% قبل سداد فوائد الديون [5]. ويمكن في اآىن ذاته إبراز أن الأهداف الحقيقية لم تكن قط  إعادة إطلاق اقتصاد اليونان، بل إنقاذ البنوك الأوربية، و إحباط كل سياسة من جانب واحد و تأمين سداد الديون.

يحيل التوتر القائم بين هاذين الخطابين في العمق إلى صعوبة برنامجية و إستراتيجية: كيفية بناء مشروع انتقالي نحو اشتغال مغاير للاقتصاد؟ ما ادعوه أحيانا” البلادة الكينزية” لا يستجيب للرهانات [6]. لكن منطقا “قصويا” قوامه قول إن لا شيء ممكن دون إطاحة فورية  بالرأسمالية لا يقدم الأمور هو أيضا. لدى برنار فريوت Bernard Friot مثلا “النضال من أجل التشغيل كم يطلق رصاصة على رجله”[7] والنضال من أجل تقاسم أفضل للقيمة يعادل “تفادي الصراع الطبقي” . يجب أن نسجل أن إحداثيات  الحقبة الراهنة ملائمة لمخترعي نماذج أنظمة و للشيوخ الروحيين. لاشك أنه يلزم وقت لإعادة بناء أفق تغيير انطلاقا من الكفاحات والمقاومات الاجتماعية .

انجز المقابلة هنري فيلنو  Henri Wilno  لمجلة NPA عدد 86 ، ابريل 2017

نقلها الى العربية: المناضل-ة

===============

 إحالات:

[1] Attac, Par ici la sortie. Cette crise qui n’en finit pas, Les Liens qui Libèrent, 2017.

[2] François Chesnais, Finance Capital Today, Brill, 2016.

[3] Cédric Durand, Le capital fictif, Les prairies ordinaires, 2014.

[4] كان إرنست ماندل طور هذا الوجه في العام 1972 في كتابه Le capitalisme du troisième âge، مؤكدا على “تضخم المالية” . وأكد خسوس البرسين Jesus Albarracin و بيدرو مونتس Pedro Montes ، في مساهمة حول كتابات ماندل، على الاهتمام الذي كان يوليه هذا الأخير لمقولة “الرأسمال الوهمي”  كما طورها ماركس  في الكتاب الثالث من الرأسمال الفصل 29.

[5] أعلنت حكومة اليونان يوم الخميس 27 أبريل 2017 عن إبرام اتفاق مع الدائنين، مع التأكيد بلسان وزير الاقتصاد (Tsakalotos) أن تضحيات الأغلبية الشعبية ستكون كبيرة، منها في مجال التقاعد، حيث الضرائب المباشرة ستنال من مداخيل بقاء قيد الحياة،الخ.  وفي سياق إعلان اللجنة الأوربية وآلية الاستقرار الأوربي، هدأ وزير مالية ألمانيا  النفوس: الاتفاق لن يفعل قبل 22 مايو 2017، وثمة “رزمة تدابير تقشفية” لعامي 2019-2020، بعدها يمكن تطبيق “الإجراءات المضادة الاجتماعية” بشرط فائض أولى (قبل سداد خدمة الديون) بنسبة 3.7%  . التعذيب مستمر

[6] Michel Husson, « Optimisme structurel à l’OCDE», Alternatives Economiques, 9 mars 2017

[7] Bernard Friot, Emanciper le travail, La Dispute, 2014.

شارك المقالة

اقرأ أيضا