صورة من الأرشيف

أوضاع عمال الأمن الخاص العاملون في المؤسسات التعليمية في كلميم

Print Friendly, PDF & Email

 

 

شرع أرباب العمل على الصعيد العالمي بإضفاء طابع الهشاشة على  التشغيل منذ الثمانينات كأحد أدوات خفض تكلفة الأجور. وترافق ذلك مع مراجعة لتشريع الشغل. وتتميز هشاشة التشغيل بسمتان أساسيتان، مناصب عمل غير قارة(تشغيل مؤقت، أو جزئي) وأجور منخفضة. ويمكن أن تترافق مع ظروف عمل بالغة السوء(كالإقصاء من بعض ما ينص عليه تشريع الشغل).  عمقت مدونة الشغل بالمغرب تهشيش الشغل بالقطاع الخاص وأتاحت لأرباب العمل اللجوء للتشغيل عن طريق الشركات من الباطن وشركات السمسرة في اليد العاملة والتشغيل الموسمي والمتقطع.

  كبريات شركات السمسرة في اليد العاملة المتخصصة في العمل الهش بالمغرب (تنظيف، حراسة، أمن…) وربما التي تشغل أكبر عدد من العمال هي فروع لشركات متعددة الجنسية عاملة بالمغرب منذ المصادقة على مدونة الشغل. تشغل شركة G4S مثلا بالمغرب حوالي 5500 عامل. وهناك شركات أخرى تشغل عددا كبيرا من العمال مثل: Brink’s و RMO و Egida و Jamain Bacco …إلخ.

 إن هذه الشركات العالمية هي ربما التي تحصل على الحصة الكبرى من الأرباح التي يتيحها العمل المأجور لعمال القطاع الهش، لأنها تشغل أكثر ولأن زبنائها مقاولات ومؤسسات كبرى تدفع لها أكثر من المقاولات الصغرى.  تحصل عموما، مقابل خدمات السمسرة أو الخدمات من الباطن التي تقدمها على دخل يساوي عموما ضعف أجور العمال: يحصل العامل، مثلا في المتوسط، على أجر 2000 درهم، مقابل حصولها على 4000 درهم. إن تفسير ذلك بسيط، إنه استغلال مفرط بواسطة تمديد وقت العمل الذي يفضي إلى تشغيل عامل واحد بدل اثنان (فائض القيمة المطلق: تحصل الشركة على مقابل أجر عامل واحد أو نصف أجرة في أسوأ الأحوال). أنه أحد الأشكال الرئيسية لزيادة فائض القيمة خلال بداية حقبة الرأسمالية مع بداية القرن 19.

الهشاشة بالقطاع العام : خفض تكلفة الأجور تنفيذا للتوصيات المملات.

         مرحلة أولى لإدخال الهشاشة إلى القطاع العام شملت أغلب الإدارات والمؤسسات والوكالات والقطاعات العمومية (صحة، تعليم، المقاولات العمومية، وكالات الخدمات…إلخ): شملت وظائف الحراسة، البستنة والطبخ ووظائف أخرى ببعض المكاتب الوطنية (السكك الحديدية، المطارات…). في  مرحلة ثانية جارية تستهدف تعميم الهشاشة لباقي الوظائف عن طريق تغيير جذري لقانون الوظيفة العمومية. ترافق كل هذا مع ضعف بين وتخلف سياسي للطبقة العاملة المغربية، إن جذور الاستغلال المكثف يجد تفسيره فيما تم وصفه أعلاه.

عمال الأمن الخاص في المؤسسات التعليمة في مدينة كلميم نموذج حي لسحق العمال بفعل تهشيش الشغل

negach هو اسم الشركة من الباطن التي تشغل عمال الأمن الخاص في المؤسسات التعليمة في مدينة كلميم، يتوزع الحراس الأمنيون على المدارس والاعداديات والثانويات التعليمة العمومية. مقر الشركة المذكورة يوجد في مدينة الرباط ومالكها لا يعرف له الأجراء اسما. مجال اشتغال الشركة هو الأمن الخاص.

حراسة الأمن الخاص تتطلب مجهودا مرهقا وعملا متواصلا لساعات طوال، يقضيها الحارس في الغالب واقفا منتبها على درجات عالية من اليقظة والحذر أو جالسا على كرسي يفتح ويغلق باب مؤسسة بنكية أو تعليمية…الخ. بدأت الاستعانة بالشركات الخاصة بالآمن في مدينة كلميم مع بريد المغرب واتصالات المغرب… لتنتشر بعدها في مرافق المدينة الخاصة والعامة.

تمكنت شركة “negach” من إبرام صفقة حراسة المؤسسات التعليمة، وتشغل حوالي 38 مستخدما بعقد عمل مدته 3 سنوات، علما أن الشركة لا تضم متدربين ولا تجمعها أي عقود معهم. تتراوح أعمار أجراء الأمن الخاص ما بين 21 و60 سنة كلهم ذكور. بالنسبة للمهام الإدارية فيتكلف بها منسقو الشركة في النيابة التعليمية عددهم 2 أو3 منسقين.

 تطال الأمية عدد كبيرا من العمال، فجلهم لا يحسن القراءة ولا الكتابة، مع وجود أجراء ذوو تعليم جامعي. عقود العمل المبرمة مع الشركة تفيد بأن العمال مؤقتون لا رسميون.

مطلوب من أجراء الأمن الخاص العمل منذ 8 صباحا، وهي بداية الفترة النهارية في انتظار تناوب العمل مع عمال الفترة الليلة. يشتغل عمال الصباح مدة ستة أيام ونصف في الأسبوع، بدون أدنى تعويض عن العمل الليلي ولا عن الساعات الإضافية، ورغم كل هذا الاستغلال لعمال الأمن الخاص فبعض مدراء المؤسسات التعليمية لا يرحمونهم في حالة الغياب، بحيث يبلغون النيابة وهذه الأخيرة بدورها تبلغ الشركة المشغلة.

نظام أجور شركة ” نيكاش” يكون على رأس كل شهر، بدون تعويض عن عمل يوم الأحد (المفروض أنه يوم عطلة). يصل الراتب بعد شهر من الكد والكدح ما بين (1700 و1800 درهم)، في حين لا سبيل للعمال عند تأخر الراتب الهزيل عن موعده الشهري غير الانتظار.

 في 10 أبريل 2017 قام العمال بمظاهرة قرب النيابة التعليمية حضرها 8 عمال من أصل 38، طالب خلالها العمال بالإفراج السريع عن الأجر الذي تأخر لثلاثة أشهر كاملة وتحسين وضع العمل وجودته. شهدت هذه الوقفة غياب تضامن الإطارات النقابية في المدينة، وقد سجل تضامن مناضل واحد مؤازر للعمال، ولم ترفع أية شعارات في الوقفة التي دامت زهاء ساعة زمن. ما يطرح سؤال على مناضلي اليسار الجذري في النقابات العمالية أين نحن من معارك العمال مواكبة ومساندة وتضامنا وتأطيرا؟

يتقاضى أجراء الأمــن الخاص راتبهم عن طريق حساب بنكي اسمه “أجير” مدته 3 سنوات، وإلى حدود الساعة تغيب النساء عن شركة نكاش في مهنة الحراسة الخاصة بالمؤسسات التعليمية. لا تعمل الشركة بنظام سلم الأجور فالجميع متساوون في قيمة الراتب، الذي لا يكفي لسد حاجياتهم اليومية، مع أن العمال لا علم ولا دراية لهم بأنواع الاقتطاعات من الأجر. لم يسبق للشركة أن رفعت من اجر العمال الذين يشتغلون معها حتى مع مرور الوقت (الأقدمية مثلا) أو في المناسبات، وكذلك هو الشأن في فترات الركود أو كثرة العمل فالأجر مستقر عند السقف المذكور أعلاه.

يتكلف عمال الأمن الخاص بمهام أخرى غير مجال اختصاصهم، فيقومون بأعمال سقي النباتات في المؤسسات التعليمية، وبعض التكليفات بالمهام الإدارية، بالإضافة إلى أن بعض المدراء يستعينون بخدمات الحراس في منازلهم العائلية. كذلك يقوم بعض الحراس بأعمال المطبخ، فمن أجل زيادة دريهمات قليلة على الراتب الهزيل للغاية، يقوم حراس الأمن الخاص بتحضير الشاي للأساتذة والإداريين في أوقات الاستراحة، لتوفير بعض الدريهمات. تجد الدولة هذه الطرق في تدبير الخصاص المهول للعمال مخرجا مريحا لها، فهي بهذا المجهود الزائد لعمال الحراسة وفرت على نفسها نفقات عامل البستنة وعامل المطبخ وعامل الشحن… إلى جانب هذه المهام يقوم عامل الحراسة بمراقبة الباب وضغط زر إعلان أوقات الدخول والخروج من وإلى الفصل.

يلجأ المدراء والنيابة إلى تمديد عمل الحراس خارج وقت العمل في المناسبات الوطنية، وفي الدخول المدرسي الذي يكون شاقا جدا. يعيش عمال الأمن الخاص في منازل بسيطة وغالبيتهم يكتري مسكنا يجمعه مع عائلته الصغيرة بسومة تصل إلى 1000 درهم، أما التغذية فتكلف 800 درهم في الشهر، زيادة على تكاليف المدرسة بالنسبة للأبناء، كل هذا يدفع ثمنه الأجراء من راتبهم الضعيف!

بالرغم من ظروف ضغط العمل وساعاته الطوال لا يعرف العمال أيا من أنواع الترفيه ولا يمارسون أية هواية، فالترفيه الوحيد الذي يعرفونه هو حين يحضرون مع التلاميذ أنشطة تقام في المؤسسة، وهذا هو وقت الترفيه الوحيد لديهم. إن أجراء شركة نيكاش في كلميم سبق للغالبية منهم أن اشتغلوا في صفوف الجيش وهاهم يقضون ما تبقى من عمرهم في صفوف شركة للأمن الخاص. إن ظروف العوز تدفعهم للعمل حتى أخر يوم في العمر.

تخلف مهنة حارس خاص، أثارا على صحة العامل، حيث يشعر بالتعب العصبي والعضلي، بسبب حالة الباب الضخم غير الجيدة الذي يفتح عدة مرات في اليوم، زيادة على مشكل الباب الذي يصيب اليدين بشكل دائم بتشققات بالإضافة إلى الانتقادات الدائمة لبعض المدراء.

 كذلك هناك ضربات الشمس وأوجاع الرأس والظهر وغيرها، وظروف العمل رديئة تماما، مثلا في حالة المطر، يصبح الحارس رصاص الثانوية ومكلف بردم برك المياه. لا توجد مصحات خاصة بحراس الأمن داخل المؤسسات، كما لا توجد أي مراقبة لعملهم من أية جهة سواء حكومية أو من طرف الشركة ذاتها، بالنسبة للحوادث، فمرة أصيب عامل أمن ولم يتم تعويضه. وليست هناك إجراءات وقائية في عملهم، حتى الطعام فلا وجود لمقصف خاص بهم، ويتناول هؤلاء العمال طعامهم في المنزل أو في مكان العمل.

ليس هناك سن محددة يمكن وضعها كسقف يصبح من خلاله العامل عاجزا عن مزاولة الحراسة، فالأمر يتوقف على القدرة الجسمانية والبدنية للعامل. ليست لعمال الحراسة نقابة هم منضوون تحت لوائها، فالتعدد النقابي بالمؤسسات التعليمية مقتصر على الأساتذة، ولم يخض العمال إلا إضرابا واحدا كما جاء أعلاه، فعمال الأمن الخاص لا يعرفون النقابات ولا قياداتها المحلية. فهم يفتقدون لأي تنظيم نقابي، للعمال منشور واحد كتبوه يستنكرون من خلاله أوضاعهم المزرية.

ليست للعمال معرفة بالقانون الداخلي للشركة ولم يسبق لها عرضه عليهم بالتفصيل، فهم يقومون بواجباتهم ويحترمونها، دون أن تحترم الشركة قانون الشغل، وحتى مفتشية الشغل لم يسبق لها أن قامت بمهامها تجاه أجراء القطاع الخاص في المؤسسات التعليمة في كلميم.

التضامن من أجل نصرة عمال الحراسة في كلميم

عمال الأمن الخاص في شركة نيكاش، يخوضون نضالات بلا سند عمالي ولا تضامن نقابي ودون تغطية إعلامية مناضلة تتابع معركتهم غير المتوازنة مع باطرونا القطاع الخاص، إننا في حاجة إلى التضامن معهم ونصرة معركتهم حتى انتزاع حقوقهم كاملة بلا نقصان.

هذه إحدى مهام كل المنافحين عن الديمقراطية وعن القضية العمالية، فالمدينة تشهد معارك عمالية صغيرة هنا وهناك لكن عددها كثير وله طابع كفاحي، أحيانا تنتهي هذه المعارك بانكسارات خطيرة يكون لها وقع الهزيمة على عمال آخرين في قطاع أخر حتى قبل أن خوض معركتهم، نظرا لما شاهدوه من عزلة لرفاقهم وحتى عدم اكتراث، وأيضا هناك معارك تحقق انتصارات صغيرة وجزئية لا تجد من يعمم نصرها إعلاميا ويبث روح النضال في شرائح صامتة عن أوضاع البؤس تسحقها دكاكة الرأسمال.

إن التضامن مع حراس الأمن الخاص في المؤسسات التعليمة واجب فوري وآني على كل من يدعي الانتماء إلى قضية الطبقة العاملة وتحررها.

الوالي، صحفي بجريدة المناضل-ة