الاقتصاد السياسي للحرب ضد إيران. مقابلة مع آدم هنّية*
24 آب/أغسطس 2026، موقع ألكونتير (Alencontre)
مقابلة أجراها مسؤولو قسم «شبه الجزيرة العربية» (AP) في موقع جدليّة
منذ شن إسرائيل هجومها على إيران في حزيران/يونيو 2025، تم تحليل النزاع بشكل أساسي من منظور التصعيد العسكري وتقلبات أسواق الطاقة في العالم. مع ذلك، فإن عواقب الحرب تتجاوز إلى حد كبير إطار أسعار النفط. أدى تفاقم المخاطر التي تهدد قطاع النقل البحري في منطقة الخليج إلى تسليط الضوء على هشاشة سلاسل التوريد العالمية، التي تعتمد على استمرار حركة المواد الخام والمنتجات المصنعة والمدخلات الصناعية التي تمر عبر هذه المنطقة. وفي الوقت الذي تعمل فيه الحكومات والشركات والأسواق المالية على تقييم التداعيات المترتبة على الأسعار والإمدادات، برز مضيق هرمز بوصفه المسألة الاستراتيجية المركزية التي يدور حولها بالفعل عدد كبير من الرهانات الأخرى: الأمن الإقليمي، والتجارة العالمية، وتدفقات الطاقة، ومحاور البنى التحتية، والعقوبات، وإعادة الإعمار، والنظام السياسي في الشرق الأوسط مستقبلاً. وسواء بقي المضيق مفتوحاً، أو كان موضع خلافات، أو تم إحداث تغييرات عليه بموجب «تسويات» لوجستية جديدة، فإنه أصبح المسألة المركزية التي تتمفصل حولها المفاوضات بين وجهات النظر المتنافسة في المنطقة.
لفهم هذه الديناميات الأوسع نطاقاً، تحدثنا إلى الباحث في الاقتصاد السياسي آدم هنية، الذي تتناول أعماله منذ فترة طويلة مكانة منطقة الخليج في الرأسمالية العالمية، والاقتصاد السياسي للتكامل الإقليمي، والعلاقة بين سلطة الدولة والطاقة والإمبراطورية.
يقوم هنّية في هذه المقابلة، بتقويض أشكال التحليل الاختزالي للحرب الذي يحصر أهمية هذه الأخيرة في سياق تقلبات أسعار النفط. ويرى بدلًا من ذلك أن النزاع مندرج في أوسع إطار الاقتصاد السياسي للإمبراطورية، موضحًا أن أهمية الخليج الاستراتيجية لا تكمن وحسب في صادراته الطاقية، بل أيضًا في دوره المركزي ضمن سلاسل التوريد العالمية والأسواق المالية ومحاور البنى التحتية البازغة. يتفحص الحوار تداعيات الحرب على القوة الأمريكية، وتطبيع العلاقات بين بلدان الخليج وإسرائيل، والاعتماد على الوقود الأحفوري، وإعادة إعمار المنطقة، مع التأكيد على كيفية تأثير عواقب النزاع بشكل غير متناسب على السكان الذين يعانون من الهشاشة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا.
تتمثل الفكرة الرئيسية التي يطرحها آدم هنّية في ضرورة عدم فهم الحرب على أنها حدث جيوسياسي منعزل، بل كجزء من صراع أوسع نطاقا حول تنظيم التجارة، وتدفقات الرساميل والبنى التحتية والسلطة السياسية في ظل نظام عالمي يشهد تغيرات سريعة. (تعود الإجابات على هذه الأسئلة إلى أوائل شهر حزيران/يونيو 2026.)
رؤساء تحرير قسم «شبه الجزيرة العربية» في موقع «جدليّة»: في أحدث كتاباتكم، تسلطون الضوء على الدور المركزي لمضيق هرمز، ليس وحسب بالنسبة لعمليات تدفق النفط في العالم، بل أيضًا بالنسبة لسلاسل التوريد بمعناها الأوسع. في رأيكم، ما هي أوجه الاضطرابات الحالية التي يتم تجاهلها أو عدم تحليلها بشكل كافٍ؟ وما الذي قد يعنيه في المستقبل وجود نظام خاضع لنفوذ إيران في المضيق بالنسبة لتنظيم التجارة الإقليمية والعالمية؟
آدم هنيّة: قام جزء كبير من التغطية الإعلامية التي تناولت الجوانب الاقتصادية لحرب أمريكية-إسرائيلية على إيران، بالتركيز على تطور أسعار النفط وتأثيرها على المستهلكين في الولايات المتحدة الأمريكية أو أوروبا الغربية. ما يتجاهله ذلك هو أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر ضيق لعبور النفط، بل أيضاً طريقا تجاريا رئيسيا لمواد خام أخرى عديدة، لا سيما المواد الكيميائية الأساسية، والمواد الأولية البتروكيماوية، والأسمدة، والألمنيوم. هذا يعني أن الحرب أثبتت ضرورة الابتعاد عن الصورة النمطية الاستشراقية التي تختزل دول الخليج في كونها مجرد «صنابير عملاقة» للنفط، ولزوم فهم دورها المركزي في سلاسل التوريد الصناعية العالمية، بالمفهوم الواسع للكلمة.
يكتسي ذلك أهمية خاصة لأن الروابط التجارية الرئيسية في منطقة الخليج تتجه بالفعل بشكل مطرد نحو الشرق، بدلاً من أن تكون موجهة بشكل أساسي نحو الولايات المتحدة الأمريكية أو أوروبا الغربية. تقوم المنطقة بربط شرق آسيا وجنوب آسيا وقارة أفريقيا بفضل تدفقات المواد الأساسية التي تدعم الإنتاج الزراعي والصناعي. ونظرًا لهذه التغيرات في جغرافيا التبادلات التجاريّة، فإن الآثار الاقتصادية المترتبة على الحرب قد تكون خطيرة للغاية وتتجاوز بكثير مجرد إطار حدوث صدمة طاقية، خاصة في البلدان التي تعاني بالفعل من الحروب والنزاعات.
لنأخذ السودان كمثال، حيث استورد البلد، نسبة 54٪ من الأسمدة التي يحتاجها عبر البحر من منطقة الخليج في عام 2024، وهي أعلى نسبة في العالم. كما أن السودان يعاني من حرب أهلية منذ ثلاث سنوات – حيث تضطلع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة فيها بدور رئيسي [كجهتين تدعمان فصائل عسكرية متعارضة] – تسببت في نزوح ثلث سكان السودان. يتضح هنا والحالة هذه كيف يمكن للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران أن تؤدي إلى تفاقم الأزمات القائمة مسبقًا.
من الواضح أن التحكم بحركات البضائع عبر المضيق قد يمنح إيران رافعة قوية للتأثير على قطاع النقل البحري العالمي، وتدفقات الطاقة، والحسابات الأمنية الإقليمية. لكن أعتقد أن ذلك قد يتعرض لضغوط هائلة من جانب كبار المستوردين الآسيويين الذين يعتمدون على إمداد غير منقطع من الخليج، وأرى أنه من غير المرجح كثيرا أن يقبلوا بهكذا تسوية. وعلى المدى الطويل، قد يفضي ذلك إلى تسريع الجهود الرامية إلى تنويع المسارات والموردين.
رؤساء تحرير قسم «شبه الجزيرة العربية» في موقع «جدليّة»: أثناء السنوات الأخيرة، شهدنا جملة كاملة من المبادرات الرامية إلى تطوير بدائل عن مضيق هرمز: ممرات برية تربط الإمارات العربية المتحدة بالأردن وإسرائيل، وأنابيب نفط تربط حقول النفط في شرق المملكة العربية السعودية بموانئ البحر الأحمر، بالإضافة إلى مسارات نقل بديلة أكثر ارتجالاً داخل الإمارات العربية المتحدة وبينها وبين عُمان. هل تعتقدون أن هذه المبادرات ستؤدي إلى إنشاء بنى تحتية مستدامة وطويلة الأمد؟ إلى أي مدى قد تفضي هذه المبادرات إلى العمل بشكل دال على الحد من اعتماد دول الخليج – وسلاسل التوريد العالمية – على المضيق؟ وما هو الإطار التحليلي اللازم اتباعه لتقييم جدوى وأهمية هذه «البدائل» المزعومة من الناحية الاستراتيجية؟
آدم هنيّة: قد يؤدي خط أنابيب النفط البري الإماراتي المؤدي إلى الفجيرة [مدينة في الإمارات العربية المتحدة]، وخطوط أنابيب النفط السعودية المتجهة إلى البحر الأحمر، وتحسين شبكات الطرق والموانئ داخل الإمارات العربية المتحدة إلى تخفيف الضغط على بعض صادرات النفط الخام، لكن لا أعتقد أنها قد تحل بسهولة مكان الكثافة التي تتمتع بها البنى التحتية متعددة الوسائط التي تم إنشاؤها في الخليج على مدى عقود عديدة. مرة أخرى، يجب أن نضع في الاعتبار أن دول الخليج ليست مجرد مصدِّرة للنفط وحسب: إذ لا يمكن لأنابيب النفط نقل الأسمدة والمنتجات الكيميائية والمواد الغذائية وغيرها من البضائع المنتجة في المنطقة. كما أن هذه البنى التحتية البديلة معرضة هي الأخرى للهجمات العسكرية وأعمال التخريب.
أعتقد أن من المهم تحليل مختلف هذه المشاريع الخاصة بالبنيى التحتية في المنطقة ككل — خاصة المحاولات الأمريكية والأوروبية الرامية إلى تعزيز تطبيع العلاقات بين دول الخليج وإسرائيل. يشكل ممر الهند والشرق الأوسط (IMEC) مثالاً على ذلك: إذ يسعى إلى إقامة ممرات طاقية وتجارية بديلة تربط الهند وأوروبا عبر الخليج والأردن وإسرائيل. قُدم هذا الاقتراح قبل حدوث الإبادة الجماعية في غزة، وما زالت النقاشات جارية بوتيرة متسارعة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. تقوم القوى الأمريكية والأوروبية بتقديم ممر الهند والشرق الأوسط بصورة صريحة بوصفه ثقلاً موازناً لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية في الشرق الأوسط. وبالمثل، تم عرض مبادرة الغاز «3+1» التي تربط إسرائيل وقبرص واليونان كوسيلة للحد من اعتماد أوروبا على غاز روسيا، مع ترسيخ مكانة شرق البحر الأبيض المتوسط بشكل أقوى ضمن هيكل طاقي منحاز إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وبهذا المعنى، تشكل هذه البدائل المتعلقة بالبنى التحتية المستقبلية للتنمية محاولات لإعادة تنظيم الروابط التجارية والاقتصادية في المنطقة حول الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الرئيسيين.
رؤساء تحرير قسم «شبه الجزيرة العربية» في موقع «جدليّة»: من ناحية أخرى، هل قد تشكل هذه اللحظة منعطفاً تاريخياً أوسع نطاقاً نحو إنتاج ذي طابع أكثر محليةً وانتقالاً متسارعاً نحو الطاقات المتجددة؟
آدم هنية: للأسف، لا أعتقد أن ذلك محتمل. بوجه الاضطرابات التي يشهدها الإمداد وإزاء تقلب الأسعار، يبدو أن الاستجابة السائدة على صعيد العالم قائمة في زيادة الرهان بقوة أكبر على الوقود الأحفوري، عن طريق إبرام اتفاقات جديدة في مجالي النفط والغاز، وتوسيع البنى التحتية للغاز الطبيعي المسال، وتقديم إعانات لإنتاج المحروقات على الصعيد الوطني، فضلاً عن التقليل من حجم القوانين البيئية أو تأجيل تطبيقها.
تحاول الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل خاص، استغلال هيمنتها في مجال الوقود الأحفوري كوسيلة لموازنة مكامن ضعفها العالَمي في مجالات أخرى. رأينا ذلك في فنزويلا والآن في كوبا، وكذلك في إطار الحرب على إيران. كما أن تدبير خوض الحرب بحد ذاتها يعزز المكانة الاستراتيجية المركزية للوقود الأحفوري، لأن الجيوش الحديثة مؤسسات تستهلك كميات هائلة من النفط. وهكذا، فإن حالة حرب دائمة تحبس العالم بشكل أكثر إحكامًا في دائرة الاعتماد على المحروقات. أظهرت هذه الحرب الحالية أيضًا إلى أي مدى ينبغي النظر إلى النفط على أنه أكثر بكثير من مجرد مصدر وقود سائل للاستخدام في وسائل النقل. أصبحت المنتجات البتروكيماوية، مثل البلاستيك والأسمدة والمواد الاصطناعية الأخرى المشتقة من النفط والغاز، أساسية لقطاعات تتجاوز نطاق مجال النقل، ولا سيما قطاعي الأغذية والزراعة، فضلاً عن جملة واسعة من الصناعات التحويلية.
لكن أعتقد أن المشكلة الكبرى هنا تكمن في الاعتقاد الخاطئ القائل بأننا قد نشهد نوعًا ما «مرحلة انتقالية» نحو الطاقات المتجددة. سجل عام 2025 أقوى معدل استهلاك من النفط والغاز والفحم الحجري في تاريخ البشرية. ونظراً لميل الرأسمالية الفطري نحو توسع بلا نهاية، فإن معدل استهلاك الطاقة يتجه إلى الزيادة باستمرار. وما نشهده هو إضافة طاقات متجددة إلى الوقود الأحفوري — تماماً كما أن ما يُسمى بـ«الانتقال من الفحم نحو النفط» في منتصف القرن العشرين لم يؤدِ إلى انخفاض في استهلاك الفحم، بل إلى توسعه.
تبرز دول الخليج بوضوح هذه الطبيعة التراكمية لأنظمة الطاقة: إذ تقوم باستثمارات ضخمة في مجالي الطاقة الشمسية والطاقة الريحية وغيرها من أشكال البنى التحتية ذات انبعاثات الكربون المنخفضة. كما أنها تحدد أهدافاً طموحة فيما يتعلق باستخدام الطاقات المتجددة في توليد الطاقة الكهربائية. لكن ذلك يتم بالتوازي مع زيادات مرتقبة في إنتاج النفط والغاز، وليس بدلاً منها. إن السبب الرئيسي وراء هذا التوسع في مجال الطاقة المتجددة يكمن في سعي بلدان الخليج إلى استخراج المزيد من النفط والغاز للتصدير، بدلاً من حرقهما داخل أراضيها لتوليد الطاقة الكهربائية. وكما صرح وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، قبل بضع سنوات، فإن الطاقات المتجددة تحقق «ثلاث مزايا»: تنامي صادرات النفط، وطاقة محلية أرخص ثمناً، ومكانة مرموقة ناجمة عن الوفاء بأهداف خفض الانبعاثات. وبالتالي، فبدلاً من التخلي عن الوقود الأحفوري، نشهد تضافرًا بين طاقات متجددة وقاعدة محروقات في أوج الازدهار.
رؤساء تحرير قسم «شبه الجزيرة العربية» في موقع «جدليّة»: على الرغم من أن هذه الحرب غالبًا ما يُنظر إليها على أنها مواجهة مع إيران، فمن الممكن أيضًا تفسيرها على أنها نزاع يورط دول الخليج نفسها إلى حد كبير. غالبًا ما أشار خطاب الولايات المتحدة الأمريكية السياسي – لا سيما في عهد ترامب – إلى الحصول على تنازلات اقتصادية واستراتيجية من اقتصادات دول الخليج مقابل ما يُسمى بـضمانات أمنية. كيف تفسرون المصالح الأمريكية داخل مجلس التعاون الخليجي في سياق هذه الحرب؟ إلى أي مدى تكون دول الخليج شريكة أو عميلة، أو حتى مواقع استخراج في إطار هذه الاستراتيجية الجيوسياسية والاقتصادية الأوسع نطاقاً؟
آدم هنيّة: منذ منتصف القرن العشرين، تشكل منطقة الخليج مرتكزا أساسيا لقوة الولايات المتحدة على صعيد العالم. ويرجع ذلك بداية إلى الموارد الهائلة من النفط والغاز في المنطقة، والتي ساهمت في ازدهار قطاع النفط في العالم بعد الحرب العالمية الثانية. لكن أهمية منطقة الخليج لم تقتصر بأي وجه على الموارد الطاقية المادية وحدها. تكتسي الفوائض المالية الضخمة الناجمة عن صادرات النفط والغاز أهميةً لا تقل عن ذلك. منذ سنوات 1970، تم استثمار جزء كبير من هذه الفوائض في أصول مقومة بالدولار، وفي البنوك الغربية، وفي أسواق سندات الخزانة الأمريكية، وفي شراء معدات عسكرية أمريكية. وبفضل هذه التدفقات المالية، قامت بلدان الخليج بدور رئيسي في الحفاظ على دور الدولار في العالم، فضلاً عن صون أوسع هيكل لقوة الولايات المتحدة الأمريكية في مجال عالم المال.
ما تغير أثناء العقدين الماضيين هو بزوغ أقطاب جديدة لتراكم الرأسمال خارج الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في الصين. تزامن ازدهار الصين مع ضعف نسبي لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية في مجالات التكنولوجيا والصناعات وسلاسل التوريد والبنى التحتية الرئيسة. وفي الوقت نفسه، تواجه الولايات المتحدة الأمريكية اليوم جملة كاملة من المشاكل الداخلية العميقة، لا سيما خلل في العمل السياسي، وتصاعد العنف الاجتماعي، وزيادة معدلات السجن الجماعي، ومشكلة من هم/ن دون مأوى، وتدهور البنى التحتي
ة العامة.
أعتقد أن العلاقات القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية ومجلس التعاون الخليجي ينبغي فهمها في هذا السياق العالمي الأوسع. ما تحاول الولايات المتحدة الأمريكية القيام به – وهو مشروع يعود إلى ما قبل عهد ترامب – هو إعادة تثبيت هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط. يتمثل أحد العناصر الرئيسية لهذه الاستراتيجية في تعميق علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع الممالك الخليجية والمضي قدماً في تطبيق مشروع التطبيع مع إسرائيل. وهذا يتجاوز بكثير نموذج «الضمانات الأمنية» القديم (الذي كان، في رأيي، دوماً نموذجاً محدوداً إلى حد ما). واليوم، أصبحت دول الخليج مندمجة إلى حد كبير في إطار الاقتصاد السياسي الأمريكي عبر أسواق البورصة، وانخراطها في الرأسمال الاستثماري وصناديق المضاربة، واستثمارات الصناديق السيادية، وغيرها من القنوات المالية – إلى جانب استمرارها في استهلاك معدات عسكرية أمريكية. كما أنها تشترك مع إدارة ترامب في نفس الالتزام بإقامة عالم متمركز على الطاقات الأحفورية. مما يجعل منطقة الخليج فاعلاً نشطاً في إعادة إنتاج قوة الولايات المتحدة الأمريكية، وليس مجرد زبونة سلبية.
رؤساء تحرير قسم «شبه الجزيرة العربية» في موقع «جدلية”: هل تنظرون إلى هذه الحرب على أنها أمارة تراجع للإمبراطورية الأمريكية، كما أدعى البعض؟ هل تتوقعون حدوث تطور في العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في أعقاب الحرب؟
آدم هنية: أعتقد أننا شهدنا بالتأكيد تراجعاً نسبياً في هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على صعيد العالم أثناء العقدين الماضيين، وتشكل هذه الحرب أمارة إضافية لهذا الاتجاه العام. مع ذلك، لا أعتقد أنه ينبغي النظر إلى ذلك على أنه مجرد انهيار للقوة الأمريكية. لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ بتفوقها العسكري، كما أن المكانة المركزية التي يحتلها الدولار تمنحها سلطة استثنائية لاستخدام الوصول إلى أسواق العالم كسلاح، عن طريق فرض العقوبات والإجراءات الرقابية خارج الحدود الإقليمية. لكن كما أشرتُ أعلاه، أدى هذا الضعف إلى زيادة أهمية منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، خاصةً مع اعتماد الصين على إمدادات الطاقة من المنطقة وأهمية بلدان الخليج بوصفها منطقة رئيسية للفوائض المالية العالمية. هذا هو السياق الذي واصلت فيه الولايات المتحدة الأمريكية الضغط لتحقيق تطبيع العلاقات بين إسرائيل وبلدان الخليج، في إطار تكتل منحاز للولايات المتحدة الأمريكية.
يبدو بالفعل أن الإمارات العربية المتحدة قد عززت علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب، وأتوقع أن يستمر هذا الاتجاه بعد انتهاء النزاع. وما يظل غير مؤكد هو ما إذا كانت المملكة العربية السعودية ستنضم رسميًا إلى اتفاقات أبراهام. على عكس بعض المعلقين، لا أرى أن المملكة العربية السعودية ابتعدت عن الولايات المتحدة الأمريكية طوال فترة هذه الحرب. كما لا أعتقد أن النظام الملكي السعودي يعارض التطبيع مع إسرائيل؛ فمن غير المعقول ببساطة أن تكون البحرين والإمارات العربية المتحدة انضمتا إلى «اتفاقات أبراهام» دون الحصول على الضوء الأخضر من المملكة العربية السعودية. لكن من الواضح أن هناك توترات داخل حتى مجلس التعاون الخليجي، وقد تتفاقم بشكل كبير. سيكون العامل الرئيسي في كل ذلك هو طبيعة أي اتفاق قد يُبرم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في الفترة المقبلة.
يكمن جانب مهم آخر من هذه المسألة في إعادة الإعمار وترتيبات ما بعد الحرب في غزة ولبنان وسورية ومنطقة الخليج وأماكن أخرى. يشكل «مجلس السلام» الذي أنشأه ترامب أداة واضحة للتطبيع، حيث يضم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل وجهات فاعلة أخرى ضمن إطار مؤسسي واحد. ستعمل خطط إعادة الإعمار هذه إلى حد كبير، على أن تندرج في إطار استمرار الحرب بوسائل أخرى، وستتداخل أيضًا مع مختلف مشاريع البنى التحتية التي أشرت إليها أعلاه.
رؤساء تحرير قسم «شبه الجزيرة العربية» في موقع «جدليّة»: لقد أشرتم إلى ما ترتب على هذه الحرب من عواقب اجتماعية في العالم، والتي تتجاوز إطار أسعار النفط والاضطرابات التجارية. كيف يمكن أن تتجلى هذه الديناميات داخل حتى دول مجلس التعاون الخليجي؟ في البحرين، على سبيل المثال، نشهد بالفعل تصاعداً في التوترات – تظاهرات واعتقالات وقضايا مثل قضية السيد محمد الموسوي [صحفي ومصور يبلغ من العمر 32 عاماً؛ اختفى في آذار/مارس 2026 وعُثر على جثته بعد أسبوع، وعليها «آثار» تعذيب؛ واعترفت وزارة الداخلية لاحقًا باعتقاله بتهمة «التجسس»] –في حين تبدو دول الخليج في أماكن أخرى مهتمة على نحو متزايد بسكانها المهاجرين، حيث تؤكد على موضوعي الإدماج والوحدة في بياناتها الرسمية. كيف يمكن لهذه اللحظة أن تعيد تشكيل الديناميات الاجتماعية والسياسية الداخلية في منطقة الخليج، وإلى أي مدى يمكن أن تتوافق – أو تختلف – مع المسارات التي أطلقتها انتفاضات عام 2011؟
آدم هنيّة: أدت الحرب إلى تصعيد شديد في القمع داخل دول مجلس التعاون الخليجي، خاصةً اعتقال السيد محمد الموسوي في البحرين ووفاته أثناء الاحتجاز، فضلاً عن تجريد آلاف الأشخاص من الجنسية الكويتية. وفي أماكن أخرى من الخليج، شهدنا اعتقالات مرتبطة بمنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، وفرض قيود على تصوير أفلام وثائقية أو نشر المعلومات، وتحذيرات من ترويج «الشائعات»، ورقابة متزايدة على أشكال التعبير العلني. تندرج هذه الإجراءات في إطار اتجاه تاريخي أوسع نطاقاً يتم فيه استغلال النزاعات والتوترات الإقليمية لتبرير القمع وتضييق الفضاء السياسي.
علينا أيضًا أن نفكر فيما قد يعنيه تباطؤ اقتصادي في منطقة الخليج بالنسبة لليد العاملة المهاجرة في المنطقة. يمثل العمال المهاجرون نسبة كبيرة جدًّا من اليد العاملة في الممالك الخليجية برمتها، وتعتمد ملايين الأسر في جنوب آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا على التحويلات المالية التي يرسلونها إلى ذويهم. وأثناء الأزمات السابقة، مثل أزمة عام 2008 وفترة جائحة كوفيد-19، فقد كثير من هؤلاء العمال والعاملات فرص عملهم/ن وتعرضوا/ن للتهديد بالترحيل. قد يكون لانخفاض تحويلات أموال المهاجرين/ات تأثير على سكان بلدان المنشأ يمتد إلى ما هو أبعد بكثير من منطقة الخليج.
وكما حدث في عام 2011، يمكن أن تترافق المطالب الاقتصادية بسرعة مع مطالب سياسية أخرى وتكشف عن الانقسامات القائمة في صفوف السكان. وينطبق هذا بشكل خاص على البحرين، حيث ترتبط أوجه انعدام المساواة الاقتصادية بخطط الحكم الطائفية. أما في الكويت، فكان سحب الجنسية قبل اندلاع الحرب، لكن النزاع كان ذريعة لتسريع (وتبرير) هذه التدابير. مع ذلك، فإن المشهد السياسي في منطقة الخليج لم يعد كما كان في عام 2011، عندما كانت حركات الاحتجاج مندرجة في إطار انتفاضة إقليمية أوسع نطاقاً. أصبحت المقدرات القمعية لدول الخليج أكبر مما كانت عليه آنذاك، وأعتقد أن فضاء الاحتجاج أصبح أكثر تقييدًا وخضوعًا للرقابة. لكن هناك عنصرًا واحدًا تغير اليوم: وهو المدى الذي أصبح فيه تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وبشكل أوسع مشروع اتفاقات أبراهام، مسألة خلافيّة داخل مجتمعات دول الخليج. لا يزال التعاطف العام مع فلسطين قويًا، مما يخلق توترًا مع الجهود التي يبذلها قادة الخليج لتعميق علاقاتهم مع إسرائيل. (مقابلة نُشرت في 22 حزيران/يونيو 2026 على موقع جدلية؛ ترجمة من قبل هيئة تحرير ألوكونتر A l’Encontre إلى الفرنسية).
* آدم هنيّة أستاذ في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن، ومدير معهد الشرق الأوسط التابع للكلية. نشر مؤخرًا لدى دار نشر «فيرسو» كتابًا بعنوان Crude Capitalism. Oil, Corporate Power and the Making of the World Market، (الرأسمالية الخام: النفط، وقوة الشركات، وتشكيل السوق العالمية) ، أيلول/سبتمبر 2025.
************************
رابط المقال:
https://alencontre.org/moyenorient/leconomie-politique-de-la-guerre-contre-liran-entretien-avec-adam-hanieh.html
اقرأ أيضا

