التّوظيف بمُوجب عُقّود، تعدّي غاشم، فكيف نتصدّى له؟

Print Friendly, PDF & Email

مقدمة‭:‬

تتعرّض قاعدة المجتمع العريضة، أي مُجمل الطّبقات الشعبية،  لسحق مُتعدّد الألوان:

– قسمٌ متعاظم يُلقى به إلى أهوال البطالة، وما تعني من تدمير مادّي ونفسيّ، وحتّى موت تدريجي.

– وقسمٌ آخرٌّ شبيهٌ يرزح  في بطالة مقّنعة، بالأحياء الشعبية بالمدن، وفي آلاف القرى المهمشة، مع ما يعنيه الأمر من تدبر لقمة العيش بشتى أنواع الأنشطة الاقتصادية الهامشية الهشة، وما يلازمها من شظف الحياة.

– قسمٌ  يعيش بالعمل مقابل أجرة لدى الدولة، معظمه يبيع لها قوة عمل ذهنية أساسا، بالتعليم بوجه خاص. وقسم آخر يبيع قوة العمل في مواضع الإنتاج بالقطاعين العام والخاص، في ظروف عمل شاقة، حيث الاستغلال المفرط  وانعدام الأمان الاجتماعي.

والكلُّ ضحيّة سياسة تدمير الخدمات العمومية، من تعليم وصحة …، بقصد  إتاحة فرص الاستثمار للرأسماليين الباحثين عن أرباح. 

إنّه نظام اقتصادي- اجتماعي يخدُم مصلحة الأقلية المالكة للثروة، ويجعل الأغلبية مجرد خدم لتلك الأقلية. ويقوم على هذا النظام الاقتصادي الاجتماعي نظام سياسي استبدادي، مهما تعددت الأقنعة وسبل الخداع. فالأغلبية لا تخضع في نهاية المطاف إلا بالإكراه، القمع والتخويف به. 

ولا يستمر هذا النوع من النظام إلا بمزيد من تشديد الاستغلال، والتصرف بكامل الحرية في اليد العاملة، وحتى بتدمير ما انتزعت من مكاسب اجتماعية في حقب سابقة. تلك حالة النظام الرأسمالي بكل أرجاء المعمور.

لكن بكل أرجاء العالم أيضا يكافح الضحايا ضد الاستغلال والبطالة المفروضة، وشروط العمل السيئة، وبمقدمة الضحايا الطبقة العاملة، أي مجموع من لا يملكون سوى قوة عملهم الذهنية و/أو العضلية، فيضطرون لبيعها وإلا ماتوا جوعا.

ويمثّل تطويع اليد العاملة وإخضاعها، بإضفاء عدم الاستقرار عليها، وتفكيك وحدتها، أحد جبهات هجوم الرأسماليين ودولتهم. فالرأسمال بحاجة إلى قوة عمل تلائم حاجاته المتقلبة، يستعملها بمرونة، كما يقولون، وقت ما يشاء وأينما يشاء وكيفما يشاء، دون اعتبار للبشر، ألا يسموننا «موارد بشرية»؟ (إلى جانب موارد مالية وتقنية و…). لهذا قامت الدولة  بإعادة صياغة قانون الشغل بالقطاع الخاص وفق هذه الغاية، وما زال أرباب العمل يطالبون بالمزيد. ونفس الشيء سائر اليوم في الوظيفة العمومية، بسعي إلى تعميم أساليب استغلال العمال في القطاع الخاص لتشمل أجراء الوظيفة العمومية. وأكبر عدوان بهذا الصدد هو فرض التعاقد على شباب فُرضت عليه البطالة. تريد دولة  البرجوازيين جيشا من الأجراء القابلين للاستعمال بمرونة، تحت ضغط جيش عاطلين احتياطي. وقد لقي مسعاها مقاومة ظافرة تجسدت في كفاح الأساتذة المتدربين، وفي مقاومة جارية تتمثل اليوم في تنسيقيات الأساتذة المفروض عليهم التعاقد.

وإنْ كان خطّ القيّادات السائدة في النقابات العمّالية دون مستوى المعركة التاريخية الجارية، فليس ذلك مدعاة لليأس، أو  لهجر الحركة النّقابية، بل فرصة لإعادة بناء هذه الحركة على أساس الوفاء لعلّة وجُودها: دفاع الأجراء على مصلحتهم الطبقية بوجه الرأسمال ودولته، بالتسيير الديمقراطي للنضال ولأدواته. 

ومن المقّومات الأساسية  لبناء حركة نقابية طبقيّة فهم آليّات الاستغلال والقّهر المستعملة لتطويع الأجراء وملائمتهم لحاجات الرأسمال/الدولة. فإدراك حقيقة الهجوم أول خطوات مقاومته. هذا ما حدا بجريدة المناضل-ة إلى بذل ما بالوسع للنهوض بواجبها الإعلامي العمالي، ضمن حركة تنسيقيات الأساتذة المفروض عليهم التعاقد. فكانت نصوص هذا الكتاب، الذي سيعزّز حقيبة معدات مناضلي ومناضلات طبقتنا، من أساتذة وسواهُم.

ستكون المعركة التّاريخية لتنسيقيّات الأساتذة المفرُوض عليهم التّعاقد فاتحة عهد جديد في تاريخ الحركة العّمالية المغربية إنْ نهلت من دروس تاريخ كفاح طبقتنا، وهذا ما سعينا إليه وفق المنظور الطّبقي الذي يخترق نصوص هذا الكتاب. وسيكون الكتاب قد حقّق غايته إن عزز الاقتناعات النضالية وولّد أخرى جديدة، وأثار مُلاحظات وإغناءات المعنيين والمعنيات.    

جريدة المناضل-ة.

يناير  2019.