الجيْش: جهاز قمع طبقي

Print Friendly, PDF & Email

أثار مشروعُ قانون الخدمة العسكرية الإجبارية النقاش حول الجيش ودوره في المجتمعات الطبقية وادعاءات كونه أداة للدفاع عن حوزة «الأوطان ووحدة التراب».
جاء اغتيال الطالبة حياة بلقاسم (22 سنة) وجرح ثلاث شبان، من طرف البحرية الملكية، ليضع النقاش على سكته الصحيحة. ستنبري أبواق الدفاع عن مؤسسات الاستبداد، لتصوير الحادث على أنه محض انفلات. لكن استعمال الرصاص الحي للقتل هو وظيفة أي جيش.
تتأسس أيديولوجية الجيش في المجتمعات الطبقية على احتقار الشعب. كل التربية التي يتلقاها أفراد القوات المسلحة تنحو لقتل كل حس إنساني في المجند وتحويله إلى محض آلة لتنفيذ أوامر الرتب العليا. ويرتبط الجيش بأيديولوجية الطبقة المسيطرة ومؤسساتها السياسية، وبذلك يحافظ على استقرار مجتمع الاستغلال الرأسمالي ونظامه السياسي.

الوُزراء يأتون ويذهبون والجيش دائم
الجيش نواة الدولة الصلبة وقوتها الضاربة ضد الأعداء الطبقيين داخليا وضد المنافسين الخارجيين. مهمة الجيش إلى جانب أدوات القمع الطبقي الأخرى هي الحفاظ على ديمومة النظام ورد كل التهديدات. لذلك تقام ثكنات ومعسكرات الجيوش قرب الحدود وفي قلب كبريات المدن.
ليس مستغربا إذن أن تقوم البحرية الملكية بإطلاق الرصاص الحي وبدم بارد على طالبة تحاول الفرار بجلدها من بلد يغتصب حقوقها ويقمع المدافعين عنها. ليس الأمر محض انفلات، بل استمرارا لممارسات نفس الجيش الذي أطلق الرصاص مخلفا مئات القتلى في انتفاضة 23 مارس 1965 بالدار البيضاء. لذلك، فإن النقاش الدائر حاليا حول رفض التجنيد الإجباري لن يستقيم دون توضيح جوهر الجيش كجهاز للقمع الطبقي وأداة لترسيخ الاستبداد السياسي.
تأسيس الجيش الملكي
عندما منحت فرنسا استقلالا شكليا للمغرب، عملت على ترك من يحافظ على مصالحها الإمبريالية بالمغرب.
لم تكن أجهزة المخزن في ظل الحماية تملك جهازا عسكريا، وقد أدى النضال المسلح ضد الاستعمار إلى ظهور قوة مسلحة هي جيش التحرير الوطني الذي كان مرتبطا مع قيادات من حزب الاستقلال، وكان يدين بالولاء السياسي للملكية. لكن بأجندات خاصة: رفض وضع السلاح حتى تحرير أقطار الشمال إفريقي.
تسلمت الملكية السلطة من جهاز دولة الحماية، بتعاون تام مع حزب الاستقلال. ولترسيخ سلطتها عملت على حل جيش التحرير الوطني وتأسيس جهازها العسكري الخاص، لاستعماله ضد أي حركة معارضة مفترضة ضد الملكية.
تأسست القوات المسلحة الملكية بموجب ظهير ملكي 15 ماي 1956، في حين تأسست القوات البحرية الملكية المغربية، هي فرعها البحري، في أبريل 1960.
حرصت الملكية على احتكار الجيش- على غرار باقي أجهزة القمع الأخرى: الشرطة-، وأسند محمد الخامس إلى ابنه قيادته العامة رئاسة أركان الحرب العامة. وللحفاظ على ولاء الجيش التام للملكية، أبعد محمد الخامس ضباط جيش التحرير المشكوك في ولائهم، رغم أن هذا الأخير كان يشكل ثلث القوات المسلحة الملكية.
جيش مُوال للإمبريالية والرجعية الإقليمية
ساندت فرنسا هذه الخطة، خاصة وأن القصر لم يكن في نيته التدخل لمساعدة الشعب الجزائري المنتفض ضد الاستعمار. بل إن القوات المسلحة الملكية كانت ترابط في معبر فجيج وتعترض عبور مقاتلي جبهة التحرير الجزائري.
اختار القصر جنرالات الجيش الملكي من ضباط عملوا في جيشي فرنسا وإسبانيا الاستعماريين: محمد أوفقير [شارك في الجيش الفرنسي في الحرب فيتنام الأولى1946- 1954] والمارشال أمزيان [شارك إلى جانب الفاشي فرانكو في الحرب الأهلية 1936- 1939]. كان القصر مطمئنا إلى انضباط هؤلاء الضباط وعدم انتمائهم إلى أي حزب سياسي، وخاصة إلى الحركة الوطنية، ومن ثم كان لا يساوره أدنى شك في ولائهم التام للملكية وحدها، بل إن ماضيهم الاستعماري سيجعلهم أكثر تمسكا بها.
ولأن القصر لم يكن يعتمد كليا على جيش أنشئ حديثا، فلم يكن راغبا في رحيل الجيش الفرنسي مباشرة بعد الاستقلال، فقد كان عازما على الاعتماد عليه عند الاقتضاء. وكان له ذلك عندما شنت القوات الفرنسية والإسبانية عملية إيكوفيون ضد جيش التحرير المغربي بالجنوب سنة 1958.
شارك الجيش الملكي، منذ تأسيسه، في تدخلات إمبريالية ضد حركات التحرر الوطني في القارة الإفريقية، منها ضمن «القوات الأممية» بالزايير من يوليوز 1960 حتى يونيو 1964 حيث جرى اغتيال المناضل الوطني الثوري الإفريقي باتريس لومومبا.
وسيتدخل الجيش الملكي مرة أخرى في نفس البلد سنة 1977، بطلب من الديكتاتور موبوتو لمواجهة تمرد الجبهة الوطنية لتحرير الكونغو.
تواصل تدخل جيش المغرب في إفريقيا سنة 2006 بإرسال كتيبة بمبرر نزع الألغام إلى السنيغال بطلب من الرئيس عبد الله إيواد. لكن حركة القوى الديمقراطية لكازمانس الانفصالية أوضحت أن القوات المغربية تتكون من كوماندوس متخصص في حرب العصابات وليس إزالة الألغام.
كما يخدم الجيش الملكي أهداف الإمبريالية الأمريكية وحلفائها في المنطقة العربية. ففي سنة 1990 شارك الجيش الملكي في الغزو الأمريكي للعراق (عملية «درع الصحراء»)، حيث أرسل 13 ألف جندي إلى السعودية، رغم أنه لم يشارك في العمليات مقتصرا على مراقبة الحدود وتقديم المساعدة التقنية والاجتماعية بقاعدة الظهران الأمريكية.
ومنذ 25 مارس 2015 والجيش الملكي طرف في الائتلاف العربي بقيادة السعودية التي تشن حربا همجية ضد اليمن بمبرر محاربة الانقلابيين الحوثيين.
جيش للحفاظ على استقرار المجتمع الطبقي والاستبداد السياسي
كانت أول عملية واسعة ينخرط فيها الجيش الملكي، عملية داخلية. وهي قمع انتفاضة الريف 1958- 1959. شن الجيش عملية واسعة النطاق على الريف بقيادة ولي العهد والجنرال أوفقير: قتل وقمع وتعذيب في المخافر، واستعمال عدة عسكرية كاملة كأن الأمر يتعلق بحرب نظامية، وليس محض عملية بوليسية كما ادعى النظام.
وفي سنة 1984 حيث قامت انتفاضة حضرية شملت مدن الشمال، ذكر الملك الريفيين بذلك قائلا: «ناس الشمال عرفوا ولي العهد، ومن الأحسن ألا يعرفوا الحسن الثاني في هذا الباب».
وفي 1965 تدخل الجيش الملكي لإخماد انتفاضة 23 مارس الشعبية بالدار البيضاء. أشرف الجنرال أفقير على عملية القمع، وكان هو ذاته يقود إحدى المروحيات لاقتناص المتظاهرين بالرصاص الحي. وعلينا تذكر أن أغلب المسؤولين على السجون السرية هم ضباطا من القوات المسلحة.
ستظل القوات المسلحة متراس الطبقات المالكة الأخير، كلما خشيت وشوك انتفاضة شعبية لن تستطيع قوى القمع الاعتيادية (شرطة وقوات مساعدة) إخمادها.
تصادم وإخضاع
إن اعتبار الجيش أداة في يد أنظمة الحكم البرجوازية، لا يعني انعدام حدود دنيا من استقلالية الجيش. ظل الجيش موسوما بماضيه الاستعماري الفرنسي الإسباني، لكنه استطاع محو جزء من هذا التاريخ، باستغلال تداعيات حرب الرمال لسنة 1963. وتمكنت دعاية الدولة من جعل الجيش يحوز لأول مرة شرعيته الوطنية التي كانت الملكية والحركة الوطنية تتنافسان على احتكارها.
أدى هذا إلى اكتساب القيادة العامة للجيش نوعا من الاستقلالية إزاء الملكية. ثم حدث أن أبدت هذه القيادة العامة بعض التحفظ عندما أراد الملك الحد من آثار النزاع مع الجزائر، وذلك بشأن سير المفاوضات بإشراف منظمة الوحدة الإفريقية. إذ كانت تفضل مواصلة الضغوط القوية على الجزائر، مع اللجوء إلى طلب مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية عند الحاجة». [«الفلاح المغربي المدافع عن العرش»، ريمي لوفو].
تطور الأمر إلى محاولتي انقلاب ضد الملكية سنتي 1971 و1972، ولم تتمكن الملكية من إخضاع الجيش من جديد إلا باستئصال شأفته بالإعدامات وإقبار العدد من أطره في السجون السرية: «فقد الجيش المغربي في ثلاثة أيام (انقلاب الصخيرات 1971) تسعة من جنرالاته الخمسة عشر. لم تعرف أية حرب، مهما بلغت حدتها، مثل هذه النسبة من الخسائر». [«صديقنا الملك»، جيل بيرو].
أتاحت قضية الصحراء للقصر الثاني التحكم في الجيش بأن وجد «له مشغلا غير ذي خطورة من الناحية السياسية»، وفي نفس الوقت كانت فرصة لأفراد الجيش باستغلال الصراع لأنه كان «يضع في أيديهم شرعية لكي يفرضوا أنفسهم باعتبارهم يدافعون عن المصلحة الوطنية». [«الفلاح المغربي المدافع عن العرش»، ريمي لوفو]. إنه التقاء مصالح للحفاظ على النظام السياسي والاستقرار الاجتماعي الذي كانت تهدده الأزمات السياسية وصعود اليسار وشبح الانتفاضات الشعبية.
استغل الحسن الثاني تهديد الجيش الدائم بالانقلاب لغاياته الخاصة في الصراع مع معارضة يسعى لتطويعها أكثر، فقد صرح مباشرة بعد الانقلاب: «لو نجح أوفقير لما بقي أي حزب سياسي في البلاد»، مخيرا هكذا المعارضة البرجوازية بين استبداده أو استبداد حكم العسكر.
الجُنود الكادحون
إن كون الجيش جهاز قمع طبقي في يد البرجوازية ونظامها السياسي، لا يعني أن أفراد هذا الجيش ينتمون إلى الطبقات الحاكمة. ذلك مستحيل طبعا.
تشكل الطبقات الكادحة مشتل جنود وضباط الرتب الدنيا، بينما يجري اختيار الرتب العليا لسلك الضباط والجنرالات من الطبقات القديمة التي لم يعد لها دور اقتصادي (الأعيان) أو من الطبقات الوسطى الساعية للارتقاء الاجتماعي.
يعكس الجيش التراتب الطبقي الموجود في المجتمع، ما يجعله غير منسجم اجتماعيا. لذلك سعت الملكية منذ البداية إلى إقصاء كل من له علاقة بالحركة الوطنية وجيش التحرير الوطني، كي تتمكن من فرض الامتثالية على هذا الجيش وولائه المطلق للقصر.
كما قال تروتسكي :» يمثل الجيش عادة صورة المجتمع الذي يخدمه، مع تميزه بأن يعطي العلاقات الاجتماعية طبيعة مركزة، ويدفع تلك العلاقات إلى أقصى مظاهرها الإيجابية أو السلبية [. تاريخ الثورة الروسية- جزء 1،فبراير]. تتعرض الجيوش في منعطفات التاريخ الكبرى إلى هزات تفككها، بتصدع بنيتها تحت ضغط التناقضات الطبقية البالغة ذروتها، حيث تخترق الخميرة الثورية مؤسسات المجتمع الطبقي، منها الجيش.
هذا ما يؤكده، تاريخ الثورات المنتصرة، حيث انسلخت قاعدة الجيش عن قياداتها العليا معلنة انضمامها للشعب الثائر، مثل الثورة الروسية. بينما فشلت محاولات التغيير الاجتماعي التي رفضت تدمير مؤسسة الجيش بنقل النضال الطبقي إلى صفوفه، مثل حالة التشيلي سنة 1973، التي انتهت بانقلاب عسكري حمل الديكتاتور بينوتشي إلى السلطة.

بقلم،الحرش بنعمر