الحالة النقابية في العام 2018، في ضوء فاتح مايو «وإضراب عام» 20 يونيو

Print Friendly, PDF & Email

بقلم: مصطفى البحري

1- فاتح مايو
لم يكن بد لفاتح مايو 2018 بالمغرب من أن يكون مسخرة تتوج الموسم النقابي وتلخصه. فقد تخللت ذلك الموسم نضالات نقابية مشتتة، هي مناوشات مبعثرة أكثر مما هي معارك مندرجة في برنامج نضالي وذات أهداف قادرة على توحيد فيالق الشغيلة. هذا سواء تعلق الأمر بالقطاع العام، حيث خاضت قطاعات كالأطباء نضالات متواترة، وكذلك بدرجة أدنى شغيلة البلديات والتعليم، لكن بصفوف متصدعة، غالبا ما تنفرد هذه النقابة أو تلك بالدعوة إلى إضراب 24 ساعة بلا تعاون مع غيرها، وبغايات قصيرة النظر عادة ما تنصب على مشيكلات مهنية تهم فئة في قطاع، وحتى فئة فرعية داخل الفئة. وعلى هامش المشهد النقابي المؤطر بيروقراطيا، ناضلت تنسيقيات فئوية من أجل مطالبها الجزئية الخاصة، لا ريب أن أعظمها وأقدرها على التطور هي معركة الأساتذة المفروض عليهم التعاقد الذين احتجوا في الشارع.
وفي القطاع الخاص تظل المقاومة العمالية مفككة الأوصال، تحت ضغط الهشاشة المعممة والبطالة والخوف منها. كما تظل هزائم كبيرة تلقي ظلالها على الساحة النقابية، مثل الحاصلة بمركب الصلب مغرب ستيل، ومصبرات ضحى بناحية اكادير، وتفكيك التنظيم النقابي بورزازات، الخ. وفي ظل مناخ اجتماعي متوتر، حيث تحكم الدولة القبضة القمعية بوجه الحراكات الاجتماعية المتكاثرة، تجتهد وزارة الداخلية لاحتواء النزاعات الاجتماعية الحبلى بتفجرات تهدد بأن تصبح شرارة تشعل الساحة النقابية. ولعل أبرز مثال بهذا الصدد، ما أشرفت عليه تلك الوزارة في قطاع الطرق السيارة، حيث جمعت ممثلي أطراف النزاع، لتوقيع ما سمي «ميثاقا اجتماعيا»، حرص رب العمل وكذا القيادة النقابية على عدم نشر مضمونه، وهي سابقة في تاريخ النضال النقابي.
عوض معالجة التضعضع النقابي المتزايد، بخطة نضالية توحد جهود المركزيات النقابية، بالانطلاق من دعم النضالات المحلية والقطاعية الجارية، بحملة تضامن فعلي، وبخطوات موحدة تلف حول المطالب الجوهرية قطاعات متنامية، سيرا نحو إضراب عام حقيقي، عمدت القيادات النقابية إلى ترك الحبل على الغارب، والتركيز على استجداء الدولة التماسا لما يسمى «الحوار الاجتماعي». وقد ظلت في مسعاها ذلك سجينة وهم إمكان إجبار الدولة على ما تسميه «مأسسة الحوار الاجتماعي» بمحاولة تخويفها باحتمالات تفجر الوضع المحتقن، ودفعها إلى التعقل بترديد لازمة « حفظ الاستقرار الاجتماعي» و»مصلحة الوطن»، وما شابه من خرافات التضليل البرجوازي للشغيلة وعامة الكادحين.
وعوض مد الجسور صوب الدينامية النضالية المتنامية منذ انطلاق حراك الريف، وامتداده إلى جرادة، وانطلاق حركة مقاطعة المنتجات الثلاثة، أبانت القيادات النقابية على حرص شديد على تفادي تضافر قوى النضال العمالي والشعبي، معمقة اصطفافها إلى جانب الطغيان السياسي والقهر الاجتماعي، مؤدية دور «وعاظ السلاطين»، في تجاهل تام لمصالح الأجراء بوجه برجوازية نهابة متعجرفة لا تقيم وزنا سوى لمصلحتها.
لم تأبه الدولة قط بما تريده القيادات النقابية فزاعة تجبر على منح تنازلات، معولة في فرض «الاستقرار» على قواتها القمعية التي أبانت عن شراسة متزايدة بمواصلة عسكرة الريف، والتصدي لكل التململات النضالية، وإخراس كل الأصوات حتى الموالية الرافضة دور الببغاء (توفيق بوعشرين، …). بيد أن الدولة تريد أن تحافظ لبيرقراطيات النقابات عن دور ومصداقية ما، بفعل الحاجة إليها في ضبط الساحة العمالية، فعرضت عليها بعض الفتات في جولات مهازل «الحوار الاجتماعي» [زيادة أجور 300 درهما موزعة على 3 سنوات، وزيادة 100 درهم في التعويضات العائلية، …]. (انظر مقال المناضل-ة عدد فاتح مايو 2018 بعنوان: الحوار الاجتماعي: المقايضة الرخيصة، والرد النضالي الضروري). لا شك ان فقد مصداقية البيروقراطية النقابية المتزايد جعلها تخشى قبول الفتات، ساعية إلى أفضل. ما واجهته الدولة برفض معزز بوعيها درجة الضعف التي بلغتها النقابات.
على هذا النحو حل فاتح مايو 2018، ومعنويات قطاعات عريضة من النقابيين في أدنى مستوى، بفعل عقم كل الخطوات النضالية المفككة، ضعيفة النفس والتائهة. هذا فيما تحدق بالطبقة العاملة مخاطر جمة. فالهجمات نوعية تجهز على مكاسب تاريخية: التقاعد، استقرار العمل بالوظيفة العمومية، حق الإضراب، تفكيك ما تبقى من خدمات عامة، …
فكانت مواكب فاتح مايو، بصفوف مبعثرة، ومعنويات مضعضعة، استعراضا لهذه الحالية المزرية الناتجة عن عقود من التلاعب البيروقراطي بمصالح الأجراء. لم يكن الفاتح مايو هذا موحدا لأجراء المغرب على قاعدة مصالحهم حتى الآنية، فما بالك بالمضمون الأممي لأول مايو. ظل هذا الأخير باهتا دوما عبر تاريخ الطبقة العاملة بالمغرب بفعل القوى البرجوازية المتحكمة بالهياكل النقابية، وسطوة الإيديولوجية الوطنية القطرية حتى.
2- إضراب 20 يونيو 2018
ضمن هذا السياق العام، المطبوع باستمرار تدري الحالة النقابية، انفردت قيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بدعوة شغيلة المغرب إلى تنظيم إضراب عام يوم 20 يونيو 2018. ووضع المكتب التنفيذي عارضة الأهداف عاليا، بتوجيه دعوة المشاركة في الإضراب العام إلى «التجار والمهنيين وكافة الفئات الاجتماعية المتضررة من السياسات العمومية اللاشعبية»[نداء 4 يونيو 2018]، فيما تلاشى التنسيق النقابي الذي دعا إلى الإضراب العام العمالي في29 أكتوبر 2014. ولم تكترث باقي القيادات بمبادرة الكونفدرالية رغم تباكيها على عقم الحوار الاجتماعي كما تمارسه الدولة.
وقد واصلت قيادة الكونفدرالية خطاب وعظ الحاكمين بالتركيز، بنبرة حادة، في الندوة الصحفية يوم 12 يونيو على ما تعتبره مهددا ما تسميه «تماسك المجتمع والاستقرار»، وداعية إلى «صياغة ميثاق اجتماعي، في أفق بناء تعاقد اجتماعي»، وفق منطق ما تسميه «حفظ التوازن داخل عالم الشغل خدمة للاقتصاد الوطني»، في تناقض صارخ مع أدنى حد من منطق النضال الطبقي، أساس كل عمل نقابي حقيقي. إنها تقاليد الرسائل إلى الحاكمين الرامية إلى إقناعهم بتدارك الأمر «قبل فوات الأوان»، اي قبل تدفق الغضب العمالي والشعبي على نحو يعصف بنظام الاستبداد والاستغلال، وهي تقاليد جرّت على الحركة النقابية ويلات تلو أخرى، عقودا مديدة.
وبالنظر لسوابق التلاعب بالإضراب العام، المفرغة له من كل مضمون كفاحي، باقتصاره على مدد وأشكال تنفيذ متحكم بها؛ وبالنظر أيضا إلى خطوات مرتبكة متعثرة محبطة، من قبيل المسيرات الوطنية – اثنتين بالدار البيضاء (27مايو 2012-6 أبريل 2014)، وبالرباط (31 مارس 2013)، وثالثا بالنظر إلى لخبطات غريبة مثل مقاطعة فاتح مايو2015، وتحركات شبه فاشلة مثل مسيرة يوم الأحد 29 نوفمبر في مدينة الدار البيضاء. وما سُمي في البدء اعتصاما عماليا بالرباط، وانتهى وقفة أمام البرلمان فاترة يوم 12 يناير 2016، بالنظر لهذا الإرث الضخم من الخطوات المحبطة، لا يمكن توقع نجاح حقيقي للإضراب العام، لا سيما أن التوقيت ذاته غير مناسب إذا أخذنا بالاعتبار فترة نهاية السنة الدراسية، خاصة لدى نقابة يمثل المدرسون عمودها الفقري.
ليس غريبا والحالة هذه أن تحاول قيادة الكونفدرالية ستر الإخفاق بادعاء نسب مشاركة منفوخ فيها: «80 بالمائة في القطاعات المنظمة في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل»، حسب بيان المكتب التنفيذي يوم 20 يونيو. دون توضيح إضافي لما تمثل الكدش ضمن قسم الطبقة العاملة المنظم. وإن لم يكن الإضراب عاما، فلا بد أن يعكس الاستعداد المتفاوت حسب القطاعات. ولعل من أبرز الأمثلة على التجاوب النسبي مع الدعوة إلى الإضراب النجاح المشرف [بالنظر الى العوامل السلبية آنفة الذكر] في قطاع الصحة. فحسب الكاتب العام لنقابة الصحة، بلغت النسبة الاجمالية لتنفيذ الإضراب في القطاع 57%، متراوحة بين 5 و100 بالمائة حسب مؤسسات الصحة، مع تسجيله محاربة الإضراب من قبل بعض النقابات ببعض المناطق. وتجدر الإشارة، مثالا ثانيا، إلى نجاح الإضراب في البنك الشعبي بنسبة 95% باعتراف إدارته.
وإن كانت قيادة النقابة تبالغ، بقصد التنصل من مسؤولية تدبيرها المفلس، فإن حكومة الواجهة من جانبها، تقدم من الأرقام ما تسفه به الإضراب العام تسفيها تاما. فحسب أرقام رئاسة تلك «الحكومة»، لم يتجاوز عدد مضربي 20 يونيو 17 ألف ضمن أكثر من 3 ملايين مصرح بهم لدى للضمان الاجتماعي، أي نسبة نجاح الإضراب في القطاع الخاص لم تتجاوز 01 %.
وحسب نفس المصدر الحكومي، على صعيد الجهات، نزلت نسبة نجاح الإضراب إلى 6.5 في المائة بطنجة، وأزيد من 25 في المائة بجهة فاس مكناس، وقرابة 20 في المائة بجهة الدار البيضاء سطات، و12 في المائة بجهة الرباط، فيما تم تسجيل أضعف نسبة بجهة تافيلالت ب0 في المائة.
مهما يكن من أمر، تخترق الواقع العمالي ميولات متضاربة، بين الأقسام المحبطة بالهزائم وضغط البطالة والهشاشة، وتلك المبدية استعدادا نضاليا حقيقيا. لذا يمكن الجزم أن الإضراب نجح بنسب أقل كارثية مما يفرضه سياقه وكيفية تدبيره من قبل القيادة.
تشير مجريات كل من فاتح مايو وإضراب 20 يونيو، ضمن اللوحة الإجمالية للواقع العمالي، إلى أن الحركة النقابية بالمغرب تجتاز إحدى أسوأ فترات تاريخها. وكما تمكنت من الصعود بعد حقب ركود وتراجع، لابد من استعادتها عافيتها، بناء على ما تحبل به طبقتنا من قوى كفاح، وبناء على التأثير الايجابي للحركات الشعبية على المعنويات الاجمالية للطبقات الشعبية.
ما يستوجبه هذا الواقع من قوى النضال الكفاحية النقدية داخل النقابات هو توحيد جهودها ومنهجتها، استنادا على دروس النضالات اليومية، وعِـبر الإضرابات العامة السابقة، وفق رؤية طبقية للعمل النقابي تقطع مع خط التعاون مع البرجوازية ودولتها السائد في النقابات، ومع الانتهازية المسايرة له وإن بلون يساري. هذه الرؤية العمالية الطبقية هي ما فتئت جريدة المناضل-ة تدافع عنها منذ 14 سنة، وستظل حاملة لواءها، مفعمة بتفاؤل الإرادة.