الدّخُول المدرسيّ  2018-2019: موسمُ الغاراتْ الأخيرة على مجّانية وعموميّة التّعليم

Print Friendly, PDF & Email

 

 

 

نجحت الدولة بعد 20 سنة من إقرار «الميثاق الوطني للتربية والتكوين» في تطبيق ما سطرته في هذه الوثيقة التي تكثف أوامر المؤسسات المالية الدولية ومتطلبات الرأسمال العالمي والمحلي الساعي للاستثمار في قطاع التعليم: تقليصات رهيبة من حصة القطاع من المالية العمومية، تشجيع الاستثمار الخاص، تكييف مضامين ومناهج التعليم مع المتطلبات المتجددة للمقاولات (يد عاملة رخيصة جدا ومرنة بحدود دنيا من التأهيل)، نزع الضبط عن قوانين الشغل بتعميم الهشاشة وتنويع الأوضاع القانونية للعاملين بالقطاع (التعاقد هو آخر صيغة لهذا الهجوم).

  عكس خطابات الدولة التي تروجها على نطاق واسع وسائل الإعلام الرسمية والحزبية والصحافة الليبرالية وتصريحات بيروقراطيي النقابات، ليس هناك من فشل للميثاق ومجمل سياسة الدولة في التعليم، بل نجاح في تخريب المدرسة العمومية وتحويلها إلى بعبع يدفع الأسر التي تبحث عن تعليم جيد لأبنائها للجوء إلى القطاع الخصوصي، تماما كما فعلت بقطاع الصحة العمومية.

أقر بهذه الخلاصة تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسنة 2017: «أن مظاهر القصور التي يعاني منها قطاع التعليم العمومي تكون على حساب الفئات الفقيرة التي تتابع تعليمها في المدارس العمومية… وفي مثل هذه الوضعية، ستساهم المدرسة في إعادة إنتاج الفوارق، بل في تعميقها بدلا من الحد منها».

مشروع القانون الإطار: استكمال الهجوم

تميز الدخول المدرسي لموسم 2018- 2019 باستئناف الهجوم الذي بدء منذ منتصف الثمانينات بإجراءات معزولة مستوحاة من برنامج التقويم الهيكلي، وجرى تقنينه سنة 1999 بإصدار «الميثاق الوطني للتربية والتكوين» مرورا بـ»المخطط الاستعجالي 2009- 2012»، انتهاء بالرؤية الاستراتيجية 2015- 2030.

صادق المجلس الحكومي في يناير 2018 على مشروع قانون إطار رقم 51.17، قصد تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى قانون «يضمن استدامة هذا الإصلاح ويكرس إلزاميته». [موقع رئاسة الحكومة على النت].

يكثف هذا المشروع التفاصيل الواردة في «الرؤية الاستراتيجية» على شكل أبواب ومواد، مرصودة للأجرأة ما ورد فيها من هجومات على مجانية التعليم وعموميته.

يتحدث مشروع القانون عن شراكة مستديمة بين الدولة والقطاع الخصوصي، إضافة إلى تفصيل في أشكال دعم الدولة للقطاع الخاص (إعانات، تحفيزات جبائية… الخ).

فتحت الدولة الأبواب على مصاريعها أمام الرأسماليين للاستثمار في قطاع التعليم معينة إياهم بكل صنوف الدعم، التي حرمت منها المدرسة العمومية. إنها سياسة ممنهجة ومتعمدة لإفقاد المدرسة العمومية الاعتبار، قصد إرغام الأسر على توجيه أبنائها نحو القطاع الخصوصي. وقد نجحت الدولة كثيرا في تحويل جزء كبير من التعليم إلى قطاع مؤدى عنه، وبالتالي لا مجال هنا لتطمينات رئيس حكومة الواجهة ولا ناطقها الرسمي حول عدم التراجع عن مجانية التعليم.

أما الجزء المتبقي عموميا فقد جرى تخريبه بتقليص حصته من المالية العمومية، ما يدفع ملايين التلاميذ إلى التسرب منه قبل بلوغ المستويات الإشهادية. وتسعى الدولة من خلال مشروع القانون- الإطار إلى توسيع دائرة إقصاء أبناء الأسر العمالية والكادحة من السلكين الثانوي والجامعي باقتراح فرض رسوم تسجيل. [المادة 45 من مشروع القانون الإطار].

تتذرع حكومة الواجهة بأن رسوم التسجيل ستقتصر فقط على المستويين الثانوي والجامعي، وأن الدولة تلتزم بمجانية وإلزامية التعليم من 6 حتى 15 سنة. لكن هذا لا يعني إلا استهداف المستويين الثانوي والجامعي بداية، حتى يتقبل الكادحون، من الناحية المبدئية، أداء رسوم التسجيل، وبعد ذلك سيجري تعميمها على بقية المستويات.

حتى تمويل هذا التعليم الإلزامي يربطه مشروع القانون- الإطار «بتطوير برامج للتعاون والشراكة في إطار التعاون الدولي في مجال التربية والتعليم والتكوين البحث العلمي، وخاصة فيما يتعلق بتمويل تعميم التعليم الإلزامي». [المادة 46].

تتذرع حكومة الواجهة بحصر رسوم التسجيل على الأسر الميسورة. وهي حجة مردودة، كون هذه الأسر توجه أبناءها إلى التعليم الخاص. لا يجب أن ننسى حكاية المنحة للمستحقين، وأن الذين سيحرمون منها هم أبناء الأسر الميسورة، وانتهى الأمر بحرمان أبناء العمال.

تتلخص رؤية المشروع لتمويل التعليم في إقرار الدولة تخليها عن مسؤوليتها الأساسية في هذا الباب. يتحدث مشروع القانون- على غرار ما سبقه من مخططات وورد كذلك في دستور 2011- على أن الدولة لن تلتزم إلا ببذل «مجهودها في تعبئة الموارد وتوفير الوسائل اللازمة» لتمويل التعليم، وذلك بـ»تنويع مصادره، ولا سيما تفعيل التضامن الوطني والقطاعي، من خلال مساهمة جميع الأطراف والشركاء المعنيين». [المادة 42].

تقدمت الدولة كثيرا في تطبيق توصية صندوق النقد الدولي وبعد البنك العالمي حول تمويل التعليم: إلقاء عبء التمويل على كاهل المستفيدين، وهو ما وفر مجالا لجني الأرباح الطائلة من قبل مؤسسات التعليم الخصوصي. والوجه الآخر للمسألة هو تخريب المدرسة العمومية وملايين الخريجين أقرب إلى عار الجهل منه إلى نور العلم.

طبعا ليس هناك مجال لإلغاء نهائي لكل أشكال المجانية ولا خصخصة كلية لقطاع التعليم، فستبقى دائما هناك شرائح مدقعة الفقر لن تستطيع الأداء، سيترك لها قطاع عمومي شبه مجاني، أضافة إلى صنوف أشكال «الدعم الاجتماعي»، وهي مساحيق تجميل السياسة الهجومية النيوليبرالية على حق الشعب في التعليم العمومي الجيد والمجاني.

الهجوم على شغيلة التعليم: تعميم التعاقد

يعتبر قطاع التعليم مجالا لتطبيق الهجومات النيوليبرالية التي تستهدف علاقات الشغل في قطاع الوظيفة العمومية. جرى تطبيق توصية البنك العالمي الواردة في الميثاق وبعده النظام الأساسي لموظفي التعليم لسنة 2003، وتضمنها المخطط الاستعجالي والرؤية الاستراتيجية: «تنويع الأوضاع القانونية» لشغيلة التعليم و»ربط الأجور بالمردودية».

بدأ الأمر بتعميم صيغة التعاقد مع الأكاديميات الجهوية، وجرى توظيف أفواج بكاملها بهذه الصيغة، ويناهز حاليا عدد الأساتذة المفروض عليهم التعاقد الستين ألفا. وتسير الدولة نحو جعل هذه الفئة أغلبية شغيلة قطاع التعليم العمومي.

تسعى الدولة من خلال صيغة التوظيف بالتعاقد، إلى التخلص من معايير وطنية موحدة تمنح للشغيلة قوة تفاوضية جماعية على المستوى الوطني. إن تدمير وحدة الشغيلة بتنويع أوضاعها القانونية يخدم هدف تعميم الهشاشة وفرط الاستغلال التي تدعو إليها المؤسسات الدولية، وفي نفس الوقت التحكم في كتلة أجور هذا القسم من أجراء الوظيفة العمومية من خلال تقليص أكلافها بـ»ربط الأجور والحقوق الاجتماعية بالمردودية».

شهد الموسمان السابقان انطلاق وتطور نضالات هذه الفئة من شغيلة التعليم، تحت إطار تنسيقية الأساتذة المفروض عليهم التعاقد، ومستلهمين تجربة «الأساتذة المتدربين» قبلهم، من أجل فرض مطلب الترسيم على الدولة. وتسعى هذه الأخيرة إلى الالتفاف على هذا المطلب بالمصادقة على أنظمة أساسية جهوية تجعل أجراء التعليم ملحقين بالأكاديميات وليس بوزارة التربية الوطنية.

تكييف البرامج مع حاجيات المقاولات

واصلت الدولة تكييف برامج ومناهج التعليم مع متطلبات السوق وحاجيات المقاولات. هذه الأخيرة لا تحتاج إلى ملايين المتخصصين في العلوم الإنسانية والآداب واللغات، بقدر ما تحتاج إلى يد مؤهلة رخيصة وقابلة لأشد ظروف الاستغلال.

لذلك طبقت الدولة توصيات مؤسسات الرأسمال العالمي بتخفيف مضمون برامج التعليم من مواد لا تخدم هذه الأهداف، وقامت في نفس الوقت بإضفاء الطابع المهني على جزء كبير من منظومة التعليم، وهو ما يلتزم مشروع القانون الإطار بمواصلته.

تقتصر محاكمة سياسة الدولة في التعليم على جوانب التمويل وعلاقات الشغل، ويجري التغاضي عن الهجوم على جبهة مضامين ومناهج التعليم. يتسم هذا الوجه بخطورة كبيرة حيث يجري تكوين أجيال بكاملها بواسطة مناهج وبرامج تؤدي إلى إعلاء قيم الجهل وتعميم العزوف عن أوجه المعرفة الإنسانية الموروثة عن آلاف السنين من تطور البشرية. يجري السعي وراء اكتساب معارف تقنية ومهنية تضمن الاندماج المهني السريع والسهل. وهو سعي وراء سراب، فالاقتصاد التابع والمتخلف وغير المصنع والمحكوم بسياسة «التوازنات المالية» وخدمة الديون، عاجز عن إدماج ملايين الخريجين من هذه المؤسسات، وهذا باعتراف تقرير المجلس الأعلى للتعليم الصادر سنة 2015.

وللتغاضي عن هذا الجانب المدمر للتعليم العمومي، جرى تضخيم «تسلل» كلمات من «الدارجة المغربية» إلى مقرر السنة الثانية من التعليم الابتدائي، واختلق نقاش كاذب حول استهداف «منظومة التعليم المغربي». وتعددت المبررات حسب منصة الإطلاق، ولكن الكل تعمد تجاهل وضع الأصبع على مكمن الهجوم الحقيقي: تدمير المدرسة العمومية والمجانية وإخضاعها لمتطلبات السوق.

كما جرى تجاهل جانب أساسي يتعلق بإعداد المقررات المدرسية، حيث حولته الدولة إلى مجال اغتناء سهل وسريع لصالح الشركات. وعرف هذا الموسم ارتفاعا ملحوظا في أسعار اللوازم المدرسية، إضافة إلى سياسة متعمدة حول التوزيع الجهوي للكتاب المدرسي يفرض على أسر الأطفال شراء مقررات يجري تجديد صيغها بمبرر تطوير المقرر الدراسي ومسايرته للتطورات.

توحيد المقاومة في وجه الهجوم الشامل

لم تستطع الدولة النجاح في تدمير المدرسة العمومية، إلا لأن مقاومة الكادحين مشتتة وغير منظمة وتفتقر إلى منظور.

يركز أغلب المنتقدين على شكليات وجوانب تقنية من سياسة الدولة في التعليم، كأن الأمر يتعلق بإصلاح يجب انتقاده قصد تصويب خطواته. وتأتى هذا من رسوخ الأيديولوجية النيوليبرالية في العقول بسبب حملات القصف الإعلامي واستقالة الإعلام النقابي عن أداء أدواره: التشهير بهجمات الرأسماليين على حقوق العمال وأبنائها وتحريضهم وتنظيمهم للنضال.

كما أن أدوات النضال الشعبي والعمالي ضد سياسة الدولة الليبرالية إما غير موجودة كليا (اتحاد الطلاب) أو تعاني من أعطاب سيطرة بيروقراطيات تساير الدولة في هجومها على التعليم، أو جرى التضحية بها بسبب حسابات تنظيمية صرفة (التوجه النقابي الديمقراطي).

الوجه المشرق للصورة هو تواتر النضالات الشعبية من أجل الحق في التعليم (نضالات طلابية مشتتة بدون ملف مطلبي وطني يضع سياسة التعليم موضع الاتهام)، أو ما جرى مؤخرا من نضالات الشباب الملتحق حديثا بالعمل في قطاع التعليم (الأساتذة المتدربون، الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد).

تميزت تجربة هؤلاء الشباب بكفاحية كبيرة ولكن دون أن يوازيه وعي عام بالهجوم الشامل على قطاع التعليم، وبالتالي ربط مشكل الترسيم بمجمل الهجوم على الوظيفة العمومية وعلى التعليم العمومي. يحكم هذا على نضال هؤلاء الشباب بالبقاء في عزلة عن بقية المتضررين من سياسة الدولة في التعليم، وفي نفس الوقت سهولة التفاف الدولة على مطالبهم.

تستطيع نضالات هؤلاء الشباب مد النقابات التعليمية بطلائع مكافحة بتجربة ميدانية وتسيير ديمقراطي، لكن وعي البيروقراطيات بهذا يجعلها تمنع هذا التخصيب، بوضع جدار بين الشغيلة التعليمية القارة وبين الذين فرض عليهم التعاقد.

يفرض هذا على النقابيين الديمقراطيين واليساريين العمل على توحيد كل فئات شغيلة التعليم والوظيفة العمومية ومد أواصر التضامن مع النضالات العمالية والشعبية من أجل:

= خدمات عمومية مجانية وجيدة، سواء تعلق الأمر بالتعليم أو الصحة، أو حركات النضال من أجل الحق في الشغل.

= رفع ميزانية المخصصة لقطاع التعليم العمومي.

= وقف الدعم الموجه لمؤسسات التعليم الخصوصي، وفرض ضرائب تصاعدية عليها.

= النضال من أجل إلغاء التعليم الخصوصي بتأميم مؤسساته من طرف الدولة.

= ترسيم الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد وإلغاء التوظيف بالتعاقد نهائيا.

= وقف تكييف برامج التعليم ومناهجه مع حاجيات المقاولات، واستبدالها بكل حقول المعرفة الإنسانية التي يحرم منها أبناء الكادحين حاليا.

= التخلي النهائي عن سياسة إعداد المقررات الدراسية الحالية التي تخضع لمصالح أرباح شركات الطبع وليس القدرة الشرائية لأسر التلاميذ.

= مجانية المقررات الدراسية واللوازم المدرسية لكل تلاميذ المدرسة العمومية، بدل المنظور الإحساني لـ»مليون محفظة» المحتقر لكرامة الأسر والتلاميذ.

بقلم  أزنزار