الذكاء الاصطناعي يسرّع وتيرة تدمير البيئة
أجرى الحوار أنطوان دوبيو.
يجعل ازدهار الذكاء الاصطناعي «المادية» الكامنة وراء العالم الرقمي أكثر وضوحًا. ومع ذلك، لا يمكن فهم آثاره البيئية بمعزل عن التساؤل عن موقعه داخل النظام الرأسمالي، وعن العلاقات الاجتماعية التي تحدد مسار تطوره. حوار مع آن غويسبيد An Gwesped، المناضل في الحزب الجديد المناهض للرأسمالية NPA-A.
تتزايد الاحتجاجات ضد مراكز البيانات. ماذا تكشف لنا هذه الاحتجاجات عن المادية الكامنة وراء التكنولوجيا الرقمية وآثارها البيئية؟
من الواضح أن مراكز البيانات هي البنية التحتية الرقمية التي تشهد أكبر عدد من الاحتجاجات. وتعتمد الخدمات الرقمية، من الناحية الحاسوبية، على ثلاثة عناصر أساسية.
أولًا، شبكات الاتصالات، التي تشمل الشبكات الثابتة والمتنقلة، أي الإنترنت. ثانيًا، الأجهزة الطرفية، مثل الحواسيب والهواتف الذكية وغيرها. أما العنصر الثالث، فهو مراكز البيانات.
وبوجه عام، لا تمثل مراكز البيانات سوى عنصر واحد من بين العناصر الثلاثة التي تقوم عليها التكنولوجيا الرقمية. غير أنه في حالة الذكاء الاصطناعي، ولا سيما ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي «التوليدي»، اكتسبت مراكز البيانات أهمية استراتيجية خاصة.
يمكن تصنيف آثار الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى ثلاثة أنواع. ويتمثل الأثر الأول، والأكثر وضوحًا على المستوى المحلي، في مسألة استغلال الأراضي. فعادةً ما تُشيَّد مراكز البيانات على أراضٍ زراعية، وبدرجة أقل على أراضٍ صناعية مهجورة. وفي الحالة الأخيرة، لا يثير إنشاء هذه المراكز بالضرورة اعتراضات، على خلاف ما يحدث عندما تُقام على أراضٍ صالحة للزراعة.
أما الأثر الثاني، الذي يحظى بنقاش واسع في وسائل الإعلام، فيتعلق باستهلاك الكهرباء. ووفقًا للوكالة الدولية للطاقة، قد يتضاعف هذا الاستهلاك بين عامي 2024 و2030، ليصل إلى 1000 تيراواط ساعة، وهو ما يعادل تقريبًا إجمالي استهلاك اليابان من الكهرباء.
أما القضية الثالثة، التي تحظى بنقاش أوسع من غيرها، فتتعلق غالبًا بالمياه، ولا سيما في فترات الجفاف الحاد، مثلما حدث هذا الصيف. وتكتسي هذه القضية طابعًا محليًا بحتًا، إذ قد تنشأ نزاعات بشأن استخدام المياه، باعتبارها موردًا تتراجع كميات المتاح منه باستمرار.
في الولايات المتحدة، تشهد البلاد حاليًا تحركات احتجاجية واسعة النطاق ضد مراكز البيانات. ويعود ذلك، جزئيًا، إلى أن أسعار الكهرباء هناك تتأثر بصورة مباشرة بدرجة أكبر بقوى العرض والطلب. ولهذا السبب، يعارض كل من الديمقراطيين والجمهوريين بعض المشاريع، استجابةً لمخاوف ناخبيهم بشأنها، ولا سيما ما يتعلق بارتفاع أسعار الطاقة. أما في فرنسا، فلا يُعدّ هذا العامل محفزًا أساسيًا للتعبئة، إذ تتركز الاحتجاجات بدرجة أكبر على القضايا البيئية والديمقراطية.
وثمة نقطة أخيرة نادرًا ما تحظى بالاهتمام، تتعلق بمركبات PFAS. إذ تُستخدم سوائل التبريد في عمليات تبريد مراكز البيانات، وقد يؤدي استخدام بعضها إلى إطلاق ملوثات تنتمي إلى عائلة مركبات PFAS، المعروفة باسم» الملوثات الأبدية «، نظرًا إلى صعوبة معالجتها والتخلص منها. وعلى الرغم من أن الكميات المعنية ضئيلة نسبيًا، تظل هذه المسألة، في رأيي، مهمة، لما قد يترتب عليها من آثار صحية على المديين القصير والمتوسط. ومع تزايد وعي عامة الناس بمشكلة مركبات PFAS، بات معارضو هذه المشاريع يستحضرونها بصورة متكررة، وهم محقون في ذلك.
ما الذي يمكننا قياسه فعليًا اليوم من البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي؟ وما الجوانب التي لا تزال خارج نطاق القياس؟
لنأخذ النماذج ببساطة، مثل ChatGPT وغيرها من أنظمة الذكاء الاصطناعي المماثلة. فقد أظهرت دراسة أجرتها إحدى الباحثات أن نحو 80 إلى 85% من هذه النماذج لا توفر أي معلومات عن آثارها البيئية. أما فيما يتعلق بالتأثيرات المباشرة، فلا تتوافر لدينا دائمًا بيانات دقيقة، على سبيل المثال، بشأن استهلاك الكهرباء أو المياه المرتبط بمعالجة عدد معين من الرموز (Tokens)، أي أصغر الوحدات النصية التي يستخدمها نموذج الذكاء الاصطناعي لمعالجة الطلبات. بل إن بعض البيانات الأساسية، مثل عدد المعلمات التي يتضمنها النموذج أو المكان الذي جرى تدريبه فيه، قد تظل غامضة تمامًا.
هذه إحدى المشكلات الأساسية، لكن المسألة الأخرى الأكثر أهمية تتعلق بمراكز البيانات نفسها. ففي الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يصعب للغاية الحصول على قائمة شاملة بمراكز البيانات الموجودة. ونتيجة لذلك، قد يواجه أي مقيم أو مقيمة في منطقة معينة صعوبة كبيرة في الوصول إلى معلومات دقيقة حول البنية التحتية الرقمية الموجودة في محيطه أو محيطها.
أما فيما يتعلق بالشفافية، فإن الوضع سيئ للغاية بالفعل. فقد تعرضت التوجيهات الأوروبية المتعلقة بكفاءة الطاقة، على وجه الخصوص، لضغوط كبيرة من اللوبيات، ما أدى إلى تغليب مبدأ »السرية التجارية « على مقتضيات الشفافية البيئية.
لماذا لا تكفي البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي وحدها لفهم آثاره البيئية؟
عندما نتناول آثار الذكاء الاصطناعي البيئية، ينبغي أن نبدأ بالنظر في آثاره المباشرة، أي ما يُعرف بـ«البصمة البيئية». وتتمثل الطريقة المعتمدة عادةً لتقييم هذه الآثار في تحليل دورة الحياة، وهي منهجية علمية موحّدة تتيح أخذ دورة حياة المعدات أو الخدمات بأكملها في الحسبان، بدءًا من تصنيعها، مرورًا بالطاقة المستهلكة أثناء استخدامها، وصولًا إلى نهاية عمرها الافتراضي.
غير أن هناك نوعًا آخر من الآثار، أقل شهرة، يتمثل في الآثار غير المباشرة. وهنا يبرز سؤال أساسي: في أي قطاع اقتصادي تُستخدم الخدمة الرقمية؟
وكما أظهرت دراسة نُشرت في مجلة Nature قبل بضعة أشهر، قد يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع النفط والغاز، بهدف استخراج المزيد من النفط والغاز أو تكريرهما، إلى تفاقم الآثار البيئية السلبية القائمة أصلًا. ويُعبَّر عن ذلك باللغة الإنجليزية بمصطلح enabled emissions، أي الانبعاثات التي يصبح حدوثها ممكنًا أو التي تتفاقم بفعل استخدام تقنية معينة، في حين يُشار إلى هذا المفهوم باللغة الفرنسية بمصطلح impact net.
لذلك، لا بد من أخذ هذه الآثار السلبية غير المباشرة في الحسبان، لا سيما أن مكاسب الإنتاجية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى تكثيف الأنشطة التي تتسم أصلًا بارتفاع انبعاثاتها الكربونية. ونحن نتحدث هنا عن الكربون، لكن من الممكن بالطبع توسيع هذا المنطق ليشمل قضايا بيئية أخرى.
ومن ثم، ينبغي دائمًا اعتماد تحليل شامل لآثار الذكاء الاصطناعي، لأن الرأسمالية نظام متكامل ومترابط، ولا يمكن فهم آثار التكنولوجيا بمعزل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي تُستخدم فيه.
ما مصير هذه الآثار غير المباشرة عندما يُوظَّف الذكاء الاصطناعي في اقتصاد تحكمه ديناميات التراكم الرأسمالي والنمو؟
لم يسبق للرأسماليين أن أبدوا هذا القدر من الاهتمام بالاستثمار في البنى التحتية الرقمية، كما هو الحال منذ ازدهار الذكاء الاصطناعي التوليدي في أواخر عام 2022، مع إتاحة ChatGPT للجمهور. وغالبًا ما يردّ الصناعيون على الانتقادات بالإشارة إلى مكاسب الكفاءة التي تتحقق بالتوازي مع هذه الاستثمارات؛ إذ أصبحت الرقائق الإلكترونية أكثر كفاءة، وقد ينخفض استهلاك الكهرباء لكل استعلام. غير أن هناك ظاهرة معروفة جيدًا في علم البيئة، تُسمّى «تأثير الارتداد»، ومفادها أن نمو الاستخدام قد يتجاوز المكاسب المحققة في الكفاءة. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، لا يمكن أن تستمر هذه المكاسب إلى ما لا نهاية!
لكن ما ينبغي التركيز عليه أساسًا هو أن السباق نحو الذكاء الاصطناعي يُمثّل أيضًا، إلى حدّ ما، سباق تسلّح في مجال القوة الحاسوبية. فقد ارتبطت هذه التكنولوجيا تاريخيًا ارتباطًا وثيقًا بالاستخدامات العسكرية، التي لا تزال تحتل أهمية كبيرة حتى اليوم. ويتجلى ذلك بوضوح في حرب الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل في غزة، حيث استُخدمت أنظمة الذكاء الاصطناعي في «تحديد الأهداف»، بما أتاح عمليًا اعتماد «هامش خطأ» مرتفع للغاية عن قصد، الأمر الذي أسهم في سقوط قتلى من السكان المدنيين.
وعلى نطاق أوسع، يتجلى هذا السباق نحو الذكاء الاصطناعي في الاستثمارات الضخمة التي أعلنت عنها الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي. فنحن أمام دينامية اقتصادية يعترف بها حتى أكثر الاقتصاديين الليبراليين؛ إذ تتزايد أحجام النماذج باستمرار، وتستدعي استثمارات أكبر فأكبر.
وعلى الصعيد السياسي، يقتضي ذلك النظر في الجهات الفاعلة القادرة على تمويل هذا السباق ودعمه. وتتمثل هذه الجهات، في المقام الأول، في كبرى الشركات الرقمية، ولا سيما الأمريكية منها، التي كانت تتمتع أصلًا بنفوذ واسع. وكثيرًا ما يُشار إلى شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI)، غير أن تطورها يعتمد بدرجة كبيرة على شراكتها مع شركة مايكروسوفت، وعلى البنية التحتية لمراكز البيانات التي تمتلكها هذه الأخيرة في الولايات المتحدة، والتي تُستخدم في تدريب نماذجها.
وبالتالي، يسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز نفوذ هذه الجهات الفاعلة الكبرى وترسيخ قوتها، في إطار ما يمكن وصفه بالإمبريالية الرقمية.
في الواقع، إن مسألة وجود فقاعة في مجال الذكاء الاصطناعي من عدمه تكاد تكون أقل أهمية من حقيقة أن الجهات الفاعلة الكبرى ستخرج من هذه المنافسة وهي أكبر قوة ونفوذًا. ويندرج ذلك ضمن مشروع أوسع لرقمنة المجتمع، ينطوي أيضًا على أبعاد مرتبطة بالسيطرة والمراقبة. ومن الواضح أن هذا التوجه ليس جديدًا تمامًا، إذا ما قورن بما نعرفه بالفعل عن شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech)، ومجموعات «غافام» (GAFAM)، وبصورة أعم، عن كبرى الشركات الرقمية.
ويقف وراء هذا التوجه أيضًا مشروع سياسي يصفه بعضهم بـ«التكنوفاشية»، ولا سيما بالنظر إلى الأيديولوجيا التي تتبناها بعض الجهات الفاعلة في هذا المجال وتعمل على ترسيخها. ولا يتعلق الأمر هنا بالاستخدامات التكنولوجية فحسب، بل أيضًا بالطريقة التي يجري بها تصور التكنولوجيا وتطويرها في ظل الرأسمالية، وتحديدًا على أيدي شريحة من البرجوازية التكنولوجية.
ومع ذلك، غالبًا ما ينصبّ النقاش العام على سؤال آخر: هل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديدًا للبشرية؟ وهل يمكن أن يتسبب في كارثة وجودية؟ يواصل بعض الباحثين التحذير من هذه المخاطر بانتظام، لكن هذه المسألة ليست، في رأيي، هي القضية الأساسية. فالسؤال المحوري يتمثل في كيفية إسهام الذكاء الاصطناعي في تعزيز علاقات القوة القائمة، ولا سيما علاقات الاستعمار والتمييز العرقي والهيمنة القائمة على النوع الاجتماعي. إنها، في جوهرها، مسألة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالصراع الطبقي. فمع انتشار الذكاء الاصطناعي، يواجه العمال والعاملات أشكالًا جديدة من البلترة على مستويات متعددة من سلسلة الإنتاج، ولا سيما في بلدان الجنوب.
ما الذي يكشفه الذكاء الاصطناعي عن جغرافية سلاسل القيمة الرقمية وآثارها البيئية؟
هناك بالفعل جانب من جوانب الذكاء الاصطناعي لا يحظى بنقاش واسع، ويتمثل في النظام الاستخراجي. فقد ركزنا سابقًا، بصورة أساسية، على المرحلة النهائية من سلسلة القيمة، أي النماذج اللغوية الضخمة ومراكز البيانات. ومن هذا المنظور، يسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز الأنشطة الاستخراجية، ولا سيما في قطاع الطاقة الأحفورية. غير أنه ينبغي أيضًا الالتفات إلى المرحلة الأولية من هذه السلسلة، والمتمثلة في استخراج المعادن اللازمة لتصنيع الخوادم وغيرها من المعدات. فزيادة إنتاج هذه المعدات تؤدي إلى تصاعد الضغوط على الأنشطة التعدينية، خصوصًا في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومناطق أخرى تشهد نزاعات حادة حول عمليات الاستخراج.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بالنظر إلى التركّز الشديد الذي يميز سلاسل القيمة هذه. فعلى سبيل المثال، تحتل شركة إنفيديا (Nvidia) موقعًا مهيمنًا في إنتاج الرقائق الإلكترونية المخصصة للذكاء الاصطناعي، كما أن عدد الجهات الفاعلة في هذا المجال محدود للغاية عمومًا. ونتيجة لذلك، تظل الخيارات البديلة محدودة إلى حد كبير.
وبالطبع، لا أؤمن بإمكان قيام «رأسمالية مسؤولة»، رغم ادعاء بعض الجهات الفاعلة أنها تحرص على التزود بالمعادن من مناجم تقع في مناطق أقل تأثرًا بالنزاعات. وحتى هذا الخيار يظل محدودًا للغاية، نظرًا إلى سيطرة عدد قليل من الجهات الفاعلة على سلسلة القيمة بأكملها.
لذلك، ينبغي أن نضع في اعتبارنا أن «الرقمنة»، التي تروج لها الشركات الصناعية على نطاق واسع منذ عشر سنوات أو خمس عشرة سنة، تعتمد في الواقع على بنى تحتية مادية بامتياز، تقع في صميم صراعات اجتماعية واستعمارية كبرى على المستوى العالمي.
https://solidarites.ch/journal/470-2/lintelligence-artificielle-accelere-le-ravage-ecologique/
اقرأ أيضا

