الذكرى 88 لتأسيس الأممية الرابعة: ملف
إحياء لهذه الذكرى المجيدة، تضع جريدة المناضل-ة في متناول مناضلي الطبقة العاملة ومناضلاتها صورة مقتضبة عن الحدث التاريخي الذي مثله تأسيس الأممية الرابعة بعد إفلاس الأممية الثالثة بفعل ما سماه تروتسكي داء سِفِلس (الزهري) الحركة العمالية: الستالينية.
بفضل هذا التأسيس وما سبقه من كفاحات المعارضة اليسارية، وما تلاه من تفاني أجيال من المناضلين/ت مناهضي/ت الستالينية، تم صون دروس الحركة العمالية الثورية، بنجاحاتها واخفاقاتها، ونقلها لتكون اليوم سلاح الكفاح لإسقاط الرأسمالية ونظامها الامبريالي الذين يضع البشرية وكوكبها اليوم امام خيار: اشتراكية ايكولوجية او الفناء.
تجدون مرفقا كتاب ليون تروتسكي: البرنامج الانتقالي. تروتسكي
محتويات الملف:
من المعارضة اليسارية إلى تأسيس الأممية الرابعة آرثر نيكولا
سبتمبر 1938: تأسيس الأممية الرابعة ليون كريميو
مؤتمر تأسيس الأممية الرابعة بينيلوب دوغان
خطاب تروتسكي المسجل إلى مؤتمر تأسيس الأممية الرابعة
تأسيس الأممية الرابعة في 3 سبتمبر 1938 في بيريني ذكريات ميشيل بابلو
جريدة المناضل-ة
*****************************************************
من المعارضة اليسارية إلى تأسيس الأممية الرابعة
بقلم؛ آرثر نيكولا
ليس تأسيس الأممية الرابعة مجرد ظهور هيكل جديد: بل هو أيضًا نتيجة سيرورة نضال سياسي دامت أكثر من خمسة عشر عامًا، قادها تروتسكي والمعارضة اليسارية، داخل الأحزاب الشيوعية والأممية الثالثة (حتى بعد طردهم منها)، من أجل إصلاح الأممية التي تأسست في أعقاب ثورة أكتوبر. وقد شملت هذه المعركة السياسية مجمل السياسات التي اتبعها ستالين وأتباعه، بدءًا من استقلالية الحزب وصولًا إلى السياسة الزراعية للاتحاد السوفيتي.
صدرت، في العام 1933، عندما تولى هتلر السلطة وكان تروتسكي يسعى إلى حشد جميع الثوريين المناهضين للستالينية، مسودة برنامج للمعارضة اليسارية، «أحد عشر نقطة»، ستصبح الهيكل الأساسي لـالبرنامج الانتقالي الذي نُشر بعد خمس سنوات من ذلك. أحد عشر نقطة تلخص شواغل تروتسكي المركزية في مواجهة الستالينيين. ولا شك أن إحدى أهم النقاط تلك المتعلقة بـ» استقلال الحزب البروليتاري، دائمًا وتحت جميع الظروف«. ففي الصين، أجبر ستالين الشيوعيين الصينيين على الانصهار في حزب الكومينتانغ، الحزب القومي الذي يقوده تشانغ كاي-شيك، متلاعبًا بسياسة الجبهة الموحدة التي تم إعلانها في مؤتمر الأممية الشيوعية الرابع. وكان الشيء الوحيد الذي نتج عن هذا التحالف نزع سلاح الشيوعيين في مواجهة القمع القومي أثناء انتفاضة شنغهاي في أبريل 1927: على الرغم من إطلاق إضراب عام والاستيلاء على السلطة في قلب الصين الاقتصادي الرئيسي، تعرض الشيوعيون لمذبحة على يد قوات تشانغ كاي-شيك، التي كانوا هم أنفسهم قد سمحوا لها بدخول المدينة.
ضد «الاشتراكية في بلد واحد «
كانت إحدى النقاط المركزية الأخرى في النضال ضد الستالينية النضالُ من أجل» الاعتراف بالطابع الدولي، وبالتالي الدائم، للثورة البروليتارية، ورفض نظرية الاشتراكية في بلد واحد «. ففي الواقع، في حين كان الحزب البلشفي بأسره، منذ الاستيلاء على قصر الشتاء، مدركاً لضرورة امتداد الثورة إلى أوروبا ومجمل العالم، راجعت الستالينية، في سعيها لتصفية الثورة، جميع المبادئ الماركسية بطرح فكرة إمكان إقامة «الاشتراكية في بلد واحد». وبطبيعة الحال، كان هذه الخرافة مصحوبة بفكرة أن روسيا قد دخلت بالفعل مرحلة الاشتراكية، وهي خرافة تطورت من خلال سياسة اقتصادية وصفها تروتسكي بأنها «انتهازية» في الفترة من 1923 إلى 1928، عندما أيد ستالين الفلاحين الأغنياء (الكولاك) ضد تطوير الصناعة، ثم وصفها بـ«المغامرة» بين عامي 1928 و1932، عندما انقلب الاتحاد السوفيتي على الكولاك للانطلاق نحو التصنيع القسري.
خيضت هذه المعارك السياسية في البداية داخل الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي وداخل الكومنترن، لكن سرعان ما تم استبعاد تروتسكي منها: فمنذ عام 1927، تم طرد «الشيخ» من الحزب الشيوعي السوفيتي مع المعارضة اليسارية. لكن ذلك لم يمنع المعارضين من الاستمرار في اعتبار أنفسهم تكتلا داخل الحزب الشيوعي السوفيتي والأممية الشيوعية، بهدف إصلاح الحزب والأممية، لإعادة وضع هذه الأخيرة في خدمة الثورة. وعلى عكس ما قد يظنه المرء، فلم تكن عمليات التطهير ولا الاغتيالات هي التي دفعت «المعارضة اليسارية» إلى السعي نحو إنشاء أممية جديدة من أجل الثورة. فكل تأسيس لأممية جديدة يفترض أن تكون السابقة متجاوزة بامتحان تاريخي بحيث يصبح إفلاسها أمراً لا جدال فيه. ومن يقول بإفلاس تام لسلطة، يقول بضرورة إطاحتها بانتفاضة.
إفلاس الأممية الثالثة
سيحدث إفلاس الأممية الثالثة في عام 1933، مع وصول هتلر إلى السلطة: فبينما كان الفاشية تسيطر على ألمانيا، استسلم الحزب الشيوعي الألماني (KDP) ببساطة دون قتال. كانت هذه هزيمة دون قتال، وقد قُيّد الشيوعيون والاشتراكيون-الديمقراطيون والنقابيون الألمان إلى المسلخ تحت أنظار ستالين المذنبة، الذي حالت سياسته المعروفة بـ«الحقبة الثالثة» — والتي وصفت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية بـ«الاشتراكيين الفاشيين» — دون أي تطور لجبهة موحدة ضد الفاشية.
ومنذئذ، أصبح تأسيس حزب جديد للانتفاضة ضروريا، بما في ذلك في الاتحاد السوفيتي. ويفترض ذلك في البلدان الرأسمالية، ضرورة تأسيس أحزاب جديدة تكون مهمتها مكافحة الستالينية، ذلك الشكل الجديد من الإصلاحية المضادة للثورة. أما في الاتحاد السوفيتي، الدولة العمالية الوحيدة في سنوات 1930، فبرغم أن المهمة هناك هي الثورة أيضًا، إلا أنها تختلف من حيث مضمونها، السياسي في المقام الأول، نظرًا لأن ثورة أكتوبر كانت قد قضت بالفعل على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
************************************************
سبتمبر 1938: تأسيس الأممية الرابعة
بقلم، ليون كريميو
واجه الماركسيون الثوريون، منذ مستهل سنوات 1930، تحديًا، متمثلا في كون الأداة التي أُنشئت في أعقاب أكتوبر 1917، الأممية الشيوعية، قد تحولت إلى فرع للدبلوماسية الستالينية، بعد أن «طهرت» الأحزاب الوطنية، وخانت الانتفاضات الثورية في الصين، وأدت في ألمانيا إلى هزيمة دون قتال في مواجهة النازية.
إعادة بناء منظمة أممية
بعد أغسطس 1914، كان قد أصبح ضروريا مقاومة خضوع قادة الأممية الاشتراكية للحكومات الإمبريالية. على هذا النحو، في غضون أقل من 20 عامًا، في خضم الحرب ثم الاندفاعات الثورية وانتصار الفاشية، لم يكن بد من إعادة بناء المنظمة الأممية للمناضلين/ت الثوريين/ت.
سعى تروتسكي ورفاقه أولًا، وبعيدًا عن الرغبة في الاقتصار على شبكة البلاشفة-اللينينيين، إلى التجمع مع «الوسطيين» في مكتب لندن الذين قاوموا سيطرة الستالينية وأعلنوا تأييدهم لإنشاء الأممية الرابعة، لكن بلا جدوى. كان الهدف إعادة بناء أممية جماهيرية. لاغنى عن مواصلة المسار الذي فتحته الأممية الشيوعية في عام 1919، والتنظيم بشكل متين في مواجهة الحرب التي كانت تلوح في الأفق والتقلبات الثورية المرتقبة. أُنشئت الأممية الرابعة أخيرًا في عام 1938 مع الأمل في أن يتزايد عدد المناضلين/ت القليلين/ت الذين تجمعوا، كما كان الحال بين عامي 1915 و1919 حول الأمميّين.
مشروع لا يزال راهنيا
لم تتحول الأممية الرابعة إلى منظمة ثورية جماهيرية بعد الحرب، لكن الحاجة إلى بناء أممية من هذا القبيل لا تزال ذات راهنية ملحة. لقد شهد العالم تقلبات هائلة على مدى الثمانين عامًا الماضية: توسع النظام الستاليني ثم انهياره، وعودة روسيا إلى النظام الرأسمالي الدولي، والثورات في الصين وكوبا، وحروب الاستقلال في الإمبراطوريات الاستعمارية التي أدت إلى انهيارها. وقد حركت كل هذه الأحداث عشرات الملايين من الرجال والنساء الباحثين عن سبل إقامة مجتمع ديمقراطي خالٍ من الاستغلال الرأسمالي وصنوف الاضطهاد، ويلبي الحاجات الاجتماعية. وتضاف مئات الآلاف من النساء والرجال الذين طردوا من مناطق معيشتهم بسبب الحروب والتغيرات المناخية، والاحتباس الحراري، وصعود حركات رجعية جديدة في أجزاء عديدة من العالم، يضافون إلى الأضرار اليومية التي تسببها سياسات التقشف الرأسمالية. لا تزال المهام التي حددها الثوريون في العام 1938 على جدول الأعمال، ويقع على عاتق المناضلين والمناضلات اليوم الاضطلاع بها، من خلال النضالات والحركات الاجتماعية، وببناء قوة سياسية ثورية مناهضة للرأسمالية وأممية، في مواجهة الانحرافات الشوفينية الضيقة، تقود في الآن النضال النسوي، والايكولوجي، ومناهضة العنصرية، ومناهضة التمييز، وتواصل طموح البيان الشيوعي الذي ألهم الأممية الأولى.
المصدر: https://www.gaucheanticapitaliste.org/septembre-1938-la-fondation-de-la-ive-internationale/
*****************************
مؤتمر تأسيس الأممية الرابعة
بينيلوب دوغان
عُقدت الجلسة العامة لمؤتمر التأسيس في يوم واحد فقط، في 3 سبتمبر 1938، في الجناح-المستودع المملوك لألفريد روسمير، في بيريني في ضواحي باريس – برغم ما قيل لفترة من الوقت، لأسباب أمنية، إنه عُقد في لوزان.
كانت الحاجة إلى أممية جديدة موضوع إجماع شبه تام في صفوف المعارضة العالمية منذ العام 1933. ونُشرت »رسالة مفتوحة من أجل الأممية الرابعة«، بناءً على إصرار تروتسكي، في العام 1935. لكن فشل محاولات التوحيد مع منظمات مثل حزب العمال للتوحيد الماركسي (POUM) أو مكتب لندن، والصعوبات التي واجهتها المنظمات البلشفية-اللينينية ذاتها، كلها شكلت عقبات أمام إعلان تأسيسها في كونفرانس من أجل الأممية الرابعة في يوليو 1936، إلى جانب الحجة التي مؤداها أن هذه الأممية الجديدة تفتقر إلى حزب جماهيري، وأن من شأن القرار ألا يكون مفهوما وكان لا بد من الانتظار حتى مؤتمر عام 1938 للاقدام على هذه الخطوة.
مؤتمر جرى تحضيره منذ عدة أشهر
بالنسبة لتروتسكي نفسه،يمثل »عقد هذا المؤتمر نجاحًا كبيرًا. فقد أظهر تيار ثوري صارم، تعرض لاضطهادات لم يسبق لأي تيار سياسي آخر أن عانى منها على الأرجح، قوته من جديد«
أعلن المندوبون الذين يمثلون منظمات من أحد عشر بلدًا – الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا العظمى، وألمانيا، والاتحاد السوفيتي، وإيطاليا، والبرازيل، وبولندا، وبلجيكا، وهولندا، واليونان – عن تأسيس »الحزب العالمي للثورة الاشتراكية. «ويذكر تقرير المؤتمر بما هي أعضاء منظمات البلدان التالية: جنوب أفريقيا، ألمانيا، الأرجنتين، أستراليا، النمسا، بلجيكا، بوليفيا، البرازيل، كندا، تشيلي، الصين، كوبا، إسبانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا العظمى، اليونان، الهند الصينية، المكسيك، النرويج، هولندا، بولندا، رومانيا، سانت دومينغو، سويسرا، تشيكوسلوفاكيا، الاتحاد السوفيتي، أوروغواي.
وقد تم التحضير للمؤتمر، على مدى عدة أشهر، بعمل لجان تمهيدي، في ظل قمع شديد للحركة، ولا سيما اغتيال ليون سيدوف — نجل تروتسكي — في فبراير، ورودولف كليمنت، أمين سر الحركة، في يوليو. ويُوضح في محضر الجلسة أن وفاة الأخير حالت دون إرسال التقرير الذي كان يعده إلى الأمانة الدولية، حيث اختفت جميع أوراقه عند اغتياله.
اعتماد «البرنامج الانتقالي «
ومع ذلك أصر فيلان (الفرنسي بيير نافيل)، في تقريره التمهيدي، على التقدم الحقيقي المحرز على الصعيد السياسي منذ مؤتمر عام 1936، ولا سيما بتدخل الفروع السياسي. واستشهد كأحداث بارزة بمحاكمات موسكو، والجبهتين الشعبيتين في فرنسا وإسبانيا، فضلاً عن غزو إيطاليا لإثيوبيا وغزو اليابان للصين. وشدد، من ناحية أخرى، على أن المجلس العام لم يتمكن من العمل على الصعيد التنظيمي بسبب التشتت الجغرافي لأعضائه، وأن الأمانة الدولية اضطرت إلى تولي هذه المهمة.
أهم نص قُدم إلى المؤتمر هو نص تروتسكي، البرنامج الانتقالي. انقسمت مناقشة هذا النص إلى ثلاث نقاط: مسألة النقابات، ولا سيما الإضرابات المصحوبة باحتلال المصانع، حول التعديلات التي اقترحها البولنديون؛ والمسألة الروسية، ولا سيما توصيف البيروقراطية انطلاقاً من تعديل قدمه الأمريكيون؛ ومسائل الحرب وإسبانيا.
تم اعتماد المشروع بأغلبية 21 صوتًا مؤيدًا وصوت واحد معارض (صوت إيفان كرييبو الذي سيغادر الأممية في العام 1948، بعد أن واصل نشاطه السري إبان الحرب).
»حزب الثورة الاشتراكية العالمي «
لم يتسنّ إعداد مسودة النظام الأساسي التي كان من المفترض أن يحدد معالم الأممية الرابعة بعد سنوات «الحركة من أجل الأممية الرابعة» والنقاش حول مدى ملاءمة إعلانها أم لا، وذلك بسبب وفاة كليمنت. ومع ذلك، نوقشت مسودة وتم اعتمادها، تعلن تأسيس »الأممية الرابعة (الحزب العالمي للثورة الاشتراكية) «. لم يوافق المندوبون البولنديون على إعلان تأسيس الأممية هذا، لكنهم أكدوا ولاءهم والتزموا بتنفيذ القرارات.
ناقش المؤتمر، بالإضافة إلى هذين النصين،» قرارًا بشأن الصراع الطبقي والحرب في الشرق الأقصى«، ونصًّا عن » دور الإمبريالية الأمريكية العالمي «، وجملة قرارات بشأن الأوضاع الخاصة في مختلف البلدان، ولا سيما قرارًا مفصَّلًا إلى حدٍّ ما بشأن مهام الفرع الفرنسي. كما وجه المؤتمر رسالة إلى ليون تروتسكي، وأطلق نداءً لتنظيم التضامن الدولي، ولا سيما مع الطبقة العاملة الإسبانية.
وأصدر المؤتمر أيضًا بيانًا بشأن مسألة الشباب، مؤكدًا أن» الحماس والروح الهجومية للشباب هما وحدهما يمكنهما ضمان نجاحات النضال الأولى « وتابع بقول »: إنها تخاطب جميع منظماتنا للشباب، وجميع فروعنا لتقول لهم: لا يمكن كسب الشباب العامل إلى الأممية الرابعة إلا بالتحدث بلغتهم، والتعبير عن تطلعاتهم، ومنحهم منظمة تكون منظمتهم. « وجرى تنظيم مؤتمر لمنظمات الشباب تمثلت فيه ستة بلدان يوم الأحد 11 سبتمبر في باريس.
المصدر https://lanticapitaliste.org/opinions/histoire/le-congres-de-fondation-de-la-ive-internationale
*****************************************************
خطاب تروتسكي المسجل إلى مؤتمر تأسيس الأممية الرابعة
نظرًا لتعذر مشاركته، لأسباب أمنية، في مؤتمر تأسيس الأممية الرابعة، سجل ليون تروتسكي خطابًا لافتتاح الاجتماع الذي عقد في 3 سبتمبر 1938 في باريس. فيما يلي نعيد نشر الخطاب الذي أرسله تروتسكي من منفاه في المكسيك.
***
آمل أن يصلكم صوتي هذه المرة، وأن أتمكن من المشاركة في احتفالكم المزدوج. يستحق كلا الحدثين، الذكرى العاشرة لتأسيس منظمتنا الأمريكية ومؤتمر تأسيس الأممية الرابعة، اهتمام الشغيلة أكثر بكثير من التهديدات الحربية للزعماء التوتالتاريين، والمؤامرات الدبلوماسية والمؤتمرات السلمية. سيطبع هذان الحدثان مراحل تاريخية مهمة.
تجدر الإشارة إلى أن بزوغ مجموعة البلاشفة اللينينيين الأمريكية لم يكن، بفضل المبادرة الشجاعة للرفاق كانون وشاختمان وأبرن، حدثًا معزولا. فقد تزامن تقريبًا مع بداية العمل الدولي المنهجي للمعارضة اليسارية التي ظهرت في روسيا في العام 1923، لكن المهمة المنتظمة على الصعيد الدولي بدأت مع مؤتمر الكومنترن السادس. لقد توصلنا، دون أن نلتقي شخصياً، إلى اتفاق مع رواد الأممية الرابعة الأمريكيين، أولاً وقبل كل شيء، حول نقد برنامج الأممية الشيوعية. و بدأ في العام 1928 العمل الجماعي الذي أدى، بعد عشر سنوات، إلى صياغة البرنامج المتبنى مؤخراً في كونفرانسنا الدولي. بوسعنا القول إننا أبدينا، في أثناء هذا العقد، مثابرة وصبرا وصدقا.
كان البلاشفة اللينينيون، الرواد الأمميون، رفاقنا من جميع أنحاء العالم، يبحثون عن طريق الثورة، بما هم ماركسيون حقيقيون، ليس في مشاعرهم ورغباتهم، بل في تحليل مسار الأحداث الموضوعي. وكنا مهتدين، في المقام الأول، بالحرص على عدم خداع الآخرين ولا أنفسنا. لقد بحثنا بجدية وأمانة، ووجدنا بعض الأمور المهمة. أكدت الوقائع تحليلاتنا وتوقعاتنا على حد سواء. ولا أحد يستطيع إنكارها. والآن، من الضروري أن نبقى أوفياء لأنفسنا وبرنامجنا. ليس الأمر هينا. المهام جسيمة والأعداء لا حصر لهم …
أصدقائي الأعزاء، نحن لسنا حزبًا كالأحزاب الأخرى. لا يقتصر طموحنا على كسب مزيد من الأعضاء، ومزيد من الصحف، ومال أكثر، و نواب أكثر. كل هذا ضروري، بيد أنه ليس أكثر من وسيلة. هدفنا تحرر الشغيلة والمستغَلين المادي والروحي التام بواسطة الثورة الاشتراكية. إذا لم نقم بها، فلن يُحضرها أحد، ولن يقودها أحد.
المنظمات الأممية القديمة – الثانية والثالثة وأممية أمستردام، ويمكن أن نضيف إليها مكتب لندن – متعفنة تمامًا. لن تترك الأحداث الكبرى التي تشهدها البشرية حجرًا على حجر من هذه المنظمات التي لا تزال قائمة. وحدها الأممية الرابعة تنظر إلى المستقبل بثقة. إنها حزب الثورة الاشتراكية العالمي! لم يكن ثمة أبدا هدف بهذا القدر من الأهمية. تقع على كاهل كل منا مسؤولية تاريخية هائلة. يتطلب منا الحزب التزامًا تامًا وكاملًا. فليواصل الجهلة التافهون البحث عن ذواتهم الفردية في الفراغ؛ أما بالنسبة للثوري، يعني فالتكريس الكامل للحزب يعني العثور على الذات. نعم، حزبنا يستحوذ علينا بالكامل، لكن يمنحنا بالمقابل أعظم سعادة، سعادة الوعي بالمشاركة في بناء مستقبل أفضل، وحمل جزء من مصير البشرية على أكتافنا، وعدم العيش عبثاً. إن الوفاء لقضية الشغيلة يتطلب منا أقصى درجات الوفاء لحزبنا العالمي.
طبعا، يمكن للحزب أيضا أن يخطئ. ولكننا سنصحح الأخطاء بجهدنا المشترك. وقد تتسلل عناصر غير صالحة إلى صفوفه. وبجهودنا المشتركة سنزيحها. ومن المرجح ألا يحصل الآلاف من الأشخاص الذين سينضمون غدًا إلى صفوفه على التربية اللازمة. وبجهودنا المشتركة سنرفع مستواهم الثوري. لكن يجب لا ننسى أبدًا أن حزبنا هو اليوم أكبر رافعة في التاريخ. وبمعزل عن هذه الرافعة، لا أحد منا يساوي شيئًا. ومع هذا الرافعة في أيدينا، نحن كل شيء. نحن لسنا حزبًا مثل الأحزاب الأخرى. ليس من قبيل الصدفة أن الرجعية الإمبريالية تطاردنا بضراوة وأن عصابة موسكو البونابارتية تحتمي بقتلة مأجورين.
إن أمميتنا الفتية لديها بالفعل العديد من الضحايا. في الاتحاد السوفيتي، يبلغ عددهم الآلاف. ويُعدّون في إسبانيا بالعشرات. وفي البلدان الأخرى، بالوحدات. إننا نتذكرهم جميعا في هذه اللحظة، بامتنان وحب. أرواحهم تواصل النضال معنا. يعتقد الجلادون، مدفوعين بغبائهم وسخريتهم، أنه من الممكن تخويفنا. إنهم مخطئون! الضربات تجعلنا أقوى. وليست سياسة ستالين الوحشية غير سياسة يائسة. يمكنهم قتل بعض جنود جيشنا، لكنهم لا يستطيعون تخويفهم.
أيها الأصدقاء، دعونا نكرر مرة أخرى في هذا اليوم الاحتفالي: لا يمكنهم تخويفنا. استغرقت عصابة الكرملين عشر سنوات لتخنق الحزب البلشفي وتحوّل أول دولة عمالية إلى كاريكاتير مشؤوم. استغرقت الأممية الثالثة عشر سنوات لتتخلى عن برنامجها الخاص، وتصبح جثة متعفنة. عشر سنوات! عشر سنوات فقط!
اسمحوا لي أن أختتم بنبوءة: سيصبح برنامج الأممية الرابعة، في السنوات العشر القادمة، دليلًا لملايين الناس، وهؤلاء الملايين من الثوار سيعرفون كيف يحركون السماء والأرض.
عاش حزب الشغيلة الاشتراكي في الولايات المتحدة!
عاشت الأممية الرابعة!
المكسيك، 1938
ترجمة جريدة المناضل-ة
نص الرسالة بصوت تروتسكي في الرابط التالي :
*************************************************************
تأسيس الأممية الرابعة في 3 سبتمبر 1938 في بيريني
ذكريات ميشيل بابلو
فيما يلي مقابلة مع ميشيل بابلو عن مشاركته في مؤتمر تأسيس الأممية الرابعة
- كيف وجدت نفسك، أنت المناضل الشاب الذي كنت عليه في عام 1938، في مؤتمر تأسيس الأممية الرابعة؟ ماذا كانت المعارضة التروتسكية في ذلك الوقت وكيف كانت تعمل؟
-لاكنت قد وصلت لتوي إلى فرنسا، بعد مغادرتي اليونان وإقامة قصيرة في سويسرا. كان العام 1938 عامًا مروّعًا، مع سقوط الجبهة الشعبية في فرنسا، وبدايات هزيمة الثورة الإسبانية، هزيمة كانت تبدو بالفعل حتمية بسبب عزلها من قبل «الديمقراطيات» وخنقها على يد ستالين، واقتراب الحرب العالمية، والقمع الوحشي للتروتسكيين في فرنسا وأماكن أخرى، وخاصة القمع الذي كان مستشريًّا في الاتحاد السوفيتي.
لم أكن آنذاك أتقن اللغة الفرنسية جيدًا بعد، وكنت أتكلم الإنجليزية والإيطالية بشكل متقطع. كما أنني كنت قادمًا من سياق وطني مختلف كثيرًا عن السياق الفرنسي. فقد كانت الحركة العمالية اليونانية، التي انتميت إليها منذ العام 1928، تعمل دائما بشكل شبه سري، ومنذ العام 1936 (بداية دكتاتورية ميتاكساس) أصبحت سرية تمامًا. وكان الصراع الطبقي في اليونان، التي كانت دولة متخلفة إلى حد كبير آنذاك، صراعًا قاسيًا وغالبًا ما كان دمويًا ووحشيًا. كنتُ أنتمي إلى جملة من المنظمات التي كانت تستلهم أفكار ليون تروتسكي والمعارضة اليسارية، والتي كانت تطبق قواعد تنظيمية صارمة للغاية وتتمسك بمفهوم رفيع جدًا عن النضال. لم أكن أبدًا عضوًا في الحزب الشيوعي. ووجدتُ الوضع في فرنسا مغايرا تمامًا: حياة سياسية مكثفة للغاية، وحياة تنظيمية متساهلة جدًّا. عند وصولنا إلى فرنسا، اتصلنا أنا وإيلي في البداية ببيير نافيل، ثم بمجموعة من الرفاق الفرنسيين والأجانب. وكان هؤلاء، وهم مهاجرون إلى فرنسا مثلنا، مثل مواطننا جورج فيتسوريس (بوسون)، والألماني رودولف كليمنت، السكرتير الإداري للمركز الدولي الذي كان يُعد لمؤتمر تأسيس الأممية الرابعة، أقرب رفاقنا.
كانت الأجواء التي خيمت على المؤتمر ثقيلة للغاية. فقد كان ظل الرجعية والحرب يخيّم بوضوح على فرنسا. كان اللاجئون السياسيون يتدفقون إلى باريس من جميع أنحاء أوروبا، هاربين من تقدم النازية والرجعية الذي لا يقاوم، و اللتين كانتا تغزوان إسبانيا. وكان الرعب الستاليني المناهض للتروتسكيين في ذروته. كنا نحزن على العديد من الضحايا البارزين: إروين وولف في إسبانيا، وإينياس ريس في سويسرا، ليون سيدوف، ابن تروتسكي، في باريس في فبراير 1938، وكذلك صديقنا رودولف كليمنت، الذي كنا نراه يوميًا تقريبا قبل أن يختفي فجأة مع جزء كبير من الوثائق المخصصة للتحضير لمؤتمر التأسيس. تم انتشال جثته بعد ذلك بوقت قصير من نهر السين، مقطوعة الرأس. وقد تعرف عليه بيير نافيل من خلال الرقة المميزة لأصابعه الطويلة.
كان أحد الموضوعات الرئيسة في محادثاتنا مع كليمنت كيفية معالجة التراخي التنظيمي في الحزب العمالي الأممي (POI)، وكيفية تصحيح وضع المركز الدولي الذي كان يشارك فيه عدد من العناصر الأجنبية التي تتبنى لقب «تروتسكي» دون أي تحقق من ماضيهم وهويتهم الأيديولوجية الحقيقية. وهكذا تبين أن إتيان (مارك زبوروفسكي)، الذي كان يتردد على اجتماعاتنا وشارك بنشاط في مداولات مؤتمر التأسيس، تبين أنه العميل الرئيسي لستالين في صفوفنا.
أتذكر هذا المؤتمر جيدًا. ما زلت أرى أمام عيني المستودع اللطيف الذي حوّله آل روزمير إلى فيلا في بيريني، وسط حديقة رائعة مليئة بالزهور والخضرة. كنا قليلين، واحد وعشرون على ما أعتقد، حول الطاولة الكبيرة والطويلة التي جمعت مؤسسي الأممية الرابعة، ممثلين اثني عشر بلداً. كنت أتوقع مناقشات طويلة ومتعمقة حول البرنامج الانتقالي، والنظام الأساسي، والقرارات الأخرى، لكنني أدركت سريعًا أنه كان علينا العمل بسرعة فائقة وإنهاء الجلسة العامة الوحيدة في غضون اثنتي عشرة ساعة تقريبًا. كنا نخشى قبل كل شيء ضربة جديدة من ستالين، لكن لم يكن أحد يشك بشكل واضح في إتيان، الذي بدا كرفيق جاد للغاية، له رأي متميز، ويرغب بوضوح في أن يكون جزءًا من اللجنة التنفيذية التي عينها المؤتمر.
كنت الاقي مشقة في متابعة مداولات المؤتمر، إذ لم أكن على دراية مسبقة بجميع النصوص. اقتصرت مداخلاتي على بضعة أسئلة تعكس وجهة نظر المنظمة اليونانية التي كنت أنتمي إليها: ضرورة مناقشة البرنامج الانتقالي بجدية أكبر، وإيلاء أهمية أكبر للمسألة الزراعية والفلاحين…
كان مؤتمر التأسيس بالنسبة لي فرصة تعرف على جميع الشخصيات البارزة في الساحة التروتسكية الدولية آنذاك، مثل نافيل، وكانون، وشاختمان، وجيمس، وبلاسكو، ليسويل، وماريو بيدروسا، والرفاق الفرنسيين الذين تعاونت معهم لاحقًا بشكل أوثق، مثل هيك، وكريبو، ودافيد روسّيه، وجان روس. كان لكل واحد منهم شخصيته المميزة من نواحٍ عديدة. لكن الاعتماد على الانطباعات لا يكفي على الإطلاق لفهم حقيقة كل شخص بشكل أعمق، وجوهره الحقيقي، وسماته البارزة، التي أثبتت صحتها في ممارسة حياته.
- ما هي القوى الرئيسة التي كانت تشكل الأممية الرابعة عند تأسيسها؟ هل كان المؤتمر ممثلاً للقوى الأكثر أهمية؟
- كانت القوى الرئيسة التي انضمت بوعي في ذلك الوقت إلى الأممية الرابعة هي تلك الموجودة في الولايات المتحدة وبلجيكا وفرنسا وبريطانيا العظمى، إلى جانب قوى أخرى كانت قد هُزمت بالفعل على يد الرجعية النازية أو الديكتاتوريات، كما في تشيكوسلوفاكيا وبولندا وإيطاليا واليونان وشيلي… . أما حالة الاتحاد السوفيتي فظلت حالة خاصة وغير معروفة جيدًا. وبشأن حالة التروتسكية الصينية، التي كانت مهمة جدًّا آنذاك، لم نكن نعرف عنها شيئًا تقريبًا. وظلت أوضاع أخرى غامضة جدًّا بالنسبة لنا. ورغم عدد الممثلين المحدود جدًّا ، عكس المؤتمر التأسيسي الجوهر الأساسي للقوى المنظمة حينها.
- كان تروتسكي يعتبر أن العام 1933 شكّل نقطة اللاعودة في انحطاط الأممية الشيوعية الستاليني، ومنذئذ لم يعد بالإمكان إصلاح الحركة الشيوعية من الداخل. من هذا المنظور، ألم يكن تأسيس الأممية الرابعة في عام 1938 متأخرًا؟ كيف كان ينظر إليه المندوبون وكيف تنظر إليه أنت اليوم؟
- في الأحوال العادية، كان ينبغي تأسيس الأممية الرابعة منذ العام 1933، لكن كان ثمة تقاعس من جانب المنظمات الوسطية في مكتب لندن، وعوائق أخرى أدت إلى تأخير الحدث. كانت الغالبية العظمى من الحاضرين في مؤتمر سبتمبر 1938 مقتنعة بضرورة تأسيس الأممية الرابعة، باستثناء أقلية فرنسية بقيادة إيفان كريبو، وبعض البولنديين والنمساويين. حتى هؤلاء الرفاق كانوا يعترفون بضرورة إعلان تشكيل أممية جديدة، لكن في وقت لاحق وفي ظروف أكثر ملاءمة. كنتُ في ذلك الوقت من أشد المؤيدين للإعلان الفوري، وهي مسألة نوقشت أيضًا في اليونان ضد بعض معارضي هذه الفكرة. كنتُ أتفق تمامًا مع حجج ليون تروتسكي، التي تمثلت في ما يلي: الرأسمالية مصابة بجرح مميت وتسير حتمًا نحو حرب ستؤدي إما إلى وحشية شاملة أو إلى الاشتراكية. لا يمكن إنقاذ البشرية إلا بقيادة جديدة للطبقة العاملة، بعد أن فشلت القيادات القديمة للأمميتين الثانية والثالثة، وكنت أتفق تماماً مع روح البلاغة التي يتسم بها بيان المؤتمر الذي أعلن:
» إنه فقط بالحفاظ على التقاليد العظيمة للماركسية الثورية، والقطيعة مع التعاون الطبقي، و الاشتراكية الوطنية، وكهنة الخضوع في الحركة العمالية، والسير على درب نضال طبقي هجومي حازم، وشن الهجوم على حصن الرأسمالية، بالأسلحة التي لا تقهر التي صاغها معلمونا العظماء، ماركس وإنجلز، لينين وتروتسكي، يمكن للمستغلين في العالم أن يبتعدوا عن الركود والهزيمة، وأن يمضوا قدماً كفيلق المستقبل الاشتراكي الصلب. هذا هو طريق الأممية الرابعة«!
اليوم، ومنذ وقت طويل جدًّا، أرى أن الأممية الرابعة تأسست لأسباب وجيهة جدًّا في ذلك الوقت، لكن مكر التاريخ سرعان ما أدى إلى نتائج معاكسة. ففي الواقع، اندلعت الحرب في ظروف غير متوقعة، وظلت الأممية الرابعة منظمة هامشية، لم يعد هناك ما يبرر صفتها التي كانت تطابق منظورات أخرى لم تتحقق على الإطلاق.
وهذا دليل واضح على أنه كان ينبغي منذ زمن طويل استخلاص العبر من ذلك وتكييف هذا الاسم وطموحاته مع الواقع التاريخي الجديد، أي إعادة تصور نفسها كجمعية دولية للثوريين (التي تظل دائمًا ضرورية للغاية)، لكنها مستعدة للاندماج وإعادة تشكيل نفسها مع قوى أخرى من الحركة السياسية والاجتماعية التحررية العالمية في عصرنا.
- كان لينين قد حلل الحرب العالمية الأولى باعتبارها حربًا إمبريالية بين القوى العظمى في جوهرها، تفتح آفاقًا ثورية. فما هو التحليل الذي قدمه التروتسكيون للحرب الجديدة التي كانت تقترب، والتي بدأت بالأحرى في إسبانيا باعتبارها «حربًا أهلية دولية»؟
كان التروتسكيون آنذاك، منذ العام 1933، الأعمق إدراكاً لاقتراب للحرب العالمية الثانية الحتمي، التي كانت ستكون في رأيهم حرباً إمبريالية بين القوى الإمبريالية مثل الحرب الأولى. كانوا يعتقدون أن الاتحاد السوفيتي قد يتحمل في مرحلة ما كلفة جبهة موحدة من الإمبرياليين. لم يتوقعوا، ولم يكن بإمكانهم ذلك، أن الاتحاد السوفيتي سيقاتل في النهاية إلى جانب «الديمقراطيات » ضد الفاشية. كما لم يتوقعوا أن تنشأ في هذا النوع من الحروب ظروف موضوعية جديدة وقوى إنتاج جديدة من شأنها أن تحرر الرأسمالية المنتصرة من ركودها، وتقودها نحو مرحلة جديدة طويلة من التطور.
كانت خدعة التاريخ كاملة، حيث قللت من أهمية التنبؤات والآفاق الخاصة بالماركسية، مذكّرة الماركسيين مرة أخرى بأن نظريتهم هي نظرية علمية تجريبية، تتغذى من الممارسة وتُختبر من خلالها، وبالتالي تتطلب تحديثًا مستمرًا وفقًا لمسار الواقع المُفسَّر بشكل موضوعي.
- ما هو الإسهام الأساسي للبرنامج الانتقالي؟ وما هي العناصر التي لا تزال تعتبرها صالحة اليوم؟ من المعروف أيضًا أن النقاش بين المندوبين حول البرنامج الانتقالي لم يكن متعمقًا بالقدر الذي كانوا يتمنونه. كان تروتسكي والمندوبون مدركين أن البرنامج المعتمد لا يزال بحاجة إلى استكمال في عدة نقاط. إلى أي مدى كان لهذا الأمر أهمية في ما بعد؟ هل يمكن، على سبيل المثال، أن نفسر بهذا النحو انفصال عدد من المؤسسين فور اندلاع الحرب ؟
إن للبرنامج الانتقالي، الوثيقة الرئيسية لمؤتمر التأسيس، والذي نوقش للأسف بسرعة مفرطة وبشكل غير كافٍ في الجلسة العامة الوحيدة، قيمة مزدوجة. من الناحية المنهجية، فهو لا يزال أفضل مثال على كيفية إقامة جسر بين الظروف الموضوعية في كل مرحلة والشعارات الذاتية، من أجل تعبئة الجماهير على الطريق الثوري. وتختلف هذه المنهجية بجلاء مع البرامج الإصلاحية الساكنة في الحد الادنى، كما تختلف عن برامج الأناركيين واليسارويين القصوية.
من زاوية نظر راهنيته، لا بد من قول إن هذا البرنامج كان يتوافق بشكل خاص مع ظروف ركود الرأسمالية التي بدت، عشية الحرب العالمية الثانية، وكأنها قد تلقت ضربة قاضية. واليوم، من الضروري للغاية صياغة برنامج انتقالي جديد في عالم متنوع ومتغير بشكل عميق للغاية، مع الاعتماد على منهجية برنامج العام 1938، والاستفادة من أجزاء معينة منه ومن بعض الشعارات التي لا تزال صالحة.
أما فيما يتعلق بإلقاء اللوم على برنامج العام 1938 لتفسير انشقاق عدد من مؤسسي الأممية الرابعة فور اندلاع الحرب، فسأقول إن السبب الرئيس في ذلك كان قسوة الظروف التي سرعان ما وجدت حركة الأممية الرابعة نفسها غارقة فيها — وهي حركة كانت ضعيفة جدًا من الناحية التنظيمية —، بالإضافة إلى التحول الذي طرأ على الأحداث، والذي كان غير متوقع على الإطلاق.
لقد أدى الانتصار الأولي للنازية في جميع أنحاء أوروبا إلى خلق ظروف نضالية صعبة للغاية، كما تسبب في إحباط وارتباك وتشاؤم لدى عدد كبير من الكوادر والقادة.
- كان تأسيس الأممية الثالثة قد استفاد، على الصعيد الدولي، من سيرورة التجذر القوية جدًّا التي انبثقت مباشرةً عن ثورة أكتوبر. ألم يمكن، بالنظر إلى الوراء، من وظائف مفهوم الدولة العمالية، بحفاظه على رابط «عضوي» مع الثورة الروسية، تعويض هكذا عامل دينامي ، لا سيما بعد فشل الثورة في إسبانيا وفرنسا؟
إن ما أدى في آن واحد إلى إبعاد الجماهير التي عانت من الحرب عن المسار الذي أشارت إليه الأممية الرابعة، وإلى عدم تكرار سيناريو الحرب التاريخي، هو بلا شك وجود الاتحاد السوفيتي، «الدولة العمالية»، «وطن ثورة أكتوبر»، ومشاركته في الحرب ومقاومته الظافرة للنازية. وقد تولت الأحزاب الشيوعية، مدفوعةً بهذه الظروف، زمام «المقاومة الوطنية» في بلدانها. وبذلك استعادت قوتها، بحيث تمكنت، مع هزيمة النازية وانتصار الاتحاد السوفيتي، من الخروج من الحرب أقوى بكثير مما كانت.
- بالتوازي مع تأسيس الأممية الرابعة، تم الإعلان عن تأسيس أممية للشباب، مع برنامج مفصل إلى حد ما. ما هي المفاهيم التي كانت وراء هذا الإعلان ولماذا أممية «منفصلة»؟
قرر مؤتمر التأسيس لgعام 1938 تنظيم الشباب الثوري، ليس باعتباره «حزبًا سياسيًا للشباب»، ولا باعتباره «أكاديمية لمسنين شباب»، بل بما هي «منظمة مستقلة للشباب في المصانع والثكنات والحقول»، والتي شملت أيضًا الشباب المثقفين. كانت هذه المنظمة «تتعاون بشكل واعٍ وطوعي مع أحزاب الأممية الرابعة، دون التزام تنظيمي صارم ». وكانت الأنشطة الترفيهية جزءًا لا يتجزأ من أنشطة منظمات الشباب، التي كانت تعمل من أجل خلق «عالم جديد وإنسان جديد». ولا بد من الإشارة إلى أن منظمات الأممية الرابعة، التي تطورت — باستثناءات نادرة جدًّا — نحو تكوين اجتماعي يفتقر إلى قاعدة عمالية حقيقية وأغلبية من العناصر البالغة، كانت عمليًّا أحزابًا سياسية للشباب، غالبية أعضائها من خلفيات فكرية بالأحرى، دون جذور اجتماعية محددة. وهذا يفسر إلى حد كبير عدم الاستقرار المتأصل في هذه المنظمات، وتطورها السياسي، وعزلتها.
- يُروى أن تروتسكي كان يقدم نفسه أحيانًا على أنه «فنان ثوري». ما المعنى الذي يجب أن نضفيه على هذا؟ ماذا كان تصور تروتسكي عن الفرد الثوري؟ وكيف تم دمجت الأممية الرابعة هذا التصور ؟
تروتسكي، «فنان ثوري»؟ هذه الفكرة تصدمني لأنها لا تطابق الصورة التي أحتفظ بها عن ليون تروتسكي. فقد كان في رأيي شخصاً «فائق الموهبة»، ذا ثقافة عامة واسعة للغاية، وحساساً جدا تجاه جمال الطبيعة والفن العظيم، لا سيما في الأدب والرسم. لكن كل ذلك كان على خلفية كونه ثوريًّا نموذجيًّا، جادًّا للغاية في سلوكه بما هو مناضل، وصانع يومي للثورة. لم يكن يتسامح مع أي نزعة هاوية في هذا المضمار، بدءًا من نفسه وأقرب مساعديه، مثل ابنه ليون سيدوف، وكان شديد الصرامة فيما يتعلق بالنشاط العملي أيضًا. ولم يمنعه ذلك بأي حال من أن يكون مثالًا للكياسة والاهتمام تجاه رفاقه، وأن يبدي تفهمًا عميقًا لأي مكامن ضعف مؤقتة. كان يسعى بلا كلل للحفاظ على وحدة الحركة وإشراك جميع الطاقات والمواهب فيها.
كان تروتسكي يؤمن إيمانًا راسخًا بإمكانية تحسين الإنسان الاجتماعي، وكان يتصور إنسان الغد أكثر ذكاءً، وأكثر رقيًّا حتى في أدق حركاته وإيماءاته، وأكثر حساسية تجاه جماليات العالم المتنوعة، وأكثر رحمة واهتمامًا بأقرانه. لم يصدمني شخصيًّا سوى ولعه بالقنص وصيد الأسماك، ولم أفهم أبدًا كيف يمكن لفنانين كبار ومفكرين كبار أن يحضروا مصارعة الثيران، غير مبالين بالعذاب الوحشي الذي يتعرض له الحيوان قبل «موته المجيد». لكن بطبيعة الحال، ما زلنا جميعًا، حتى أبرز الشخصيات بيننا، رجالًا من عصر ما قبل التاريخ البشري…
- هل هناك حكاية ذات مغزى لفتت انتباهك في مؤتمر التأسيس؟
لا أتذكر أي حكاية. كان يسود مؤتمر التأسيس، كما قلت، جو ثقيل، وكان كل واحد منا يسيطر عليه بشكل أساسي شعور بتحمل مسؤولية ساحقة، في لحظة ذروة الرجعية واقتراب الحرب، وهو يدرك في أعماقه ضالة القوة العددية لحركتنا الناشئة، وقدراتها الذاتية المحدودة. لكن لم يكن بد من الاقدام على الخطوة الحاسمة ومواجهة القدر.
حتى جيمس كانون، وجه الخطيب الأيرلندي-الأمريكي الجميل، ذو الطبع المرح والمنفتح، بدا لي في الجلسة العامة الطويلة الوحيدة التي عُقدت في 3 سبتمبر 1938، أنه قد نسي تمامًا عادة الويسكي القوي لديه. لكنني قد أكون مخطئًا في هذه النقطة…
تم تسجيل هذه المقابلة في 15 أغسطس 1988.
ترجمة جريدة المناضل-ة
اقرأ أيضا

