الرفيق سلامه كيله ينضمّ لباقي الثّوريين الذين سبق أن غادروا، وهم يتطلّعون لتغيير هذا العالم

Print Friendly, PDF & Email

 

 

بعد ظُهر الثّلاثاء الماضي، المُوافق الثّاني من الشهر العاشر 2018، غادرنا المناضل والمُفكر الماركسي الثوري، سلامه كيله، بعد معاناة طويلة لداء السرطان، الذي تكررت إصابته به، مرتين، بعد خروجه الأول من معتقلات نظام الأسد الأب، الدكتاتوري البشع، في العام 2000، ومعالجته منه في أحد المشافي الباريسية المختصة، بتوسط من منظمات حقوق الإنسان. ذلك أن المرض المشار إليه استفحل في رئتيه، بسبب هول ظروف الاعتقال، على اختلافها، هذا الاعتقال الذي مرَدُّه الأهم إلى رفض النظام المذكور المطلق لحرية  الرأي والتعبير، في الأرض السورية، وممارسته أشرس اشكال التنكيل والتعذيب والاضطهاد، ضد من يتجرأون على توجيه النقد إليه.

ثُم عاد فتكرر، للمرة الثالثة، بعد اعتقاله الثاني، في ربيع العام 2012، بسنوات قليلة، وبالتحديد قبل حوالى العامين، ولكن وسط رفض المشفى الفرنسي استقباله، هذه المرة، وإعطاءه العلاج الضروري، وامتناع السلطات المختصة، في باريس، عن منحه التأشيرة لدخول الأراضي الفرنسية، لهذا الغرض. وهو ما قد يكون يعكس أحد أشكال التواطؤ الضمني، من جانب الحكومات الغربية، وحكومة ماكرون إحداها، مع نظام الأسد الإبن، ولا سيما بمواجهة المعارضة الجذرية – التي كان الرفيق سلامه أحد رموزها الأساسية – لهذا النظام، بما هو نظام رأسمالي طائفي، وعائلي، مافيوي، قائم على الاستبداد الإجرامي الوحشي، ومستمر بفضله، كما بفضل دعم الرأسمالية العالمية العسكري والمادي، له، بشتى الأشكال والوسائل.

والرّفيق سلامه لم يتعرّض فقط للاضطهاد المباشر من جانب النظام السوري – الذي اعتقله، مراراً، ومارس ضده أبشع أنواع التعذيب، وتسبب بإصابته بمرضٍ قاتل، ومن ثم عمد إلى طرده من الأراضي السورية، حيث كان مُستقراً على امتداد أكثر من عقدين من الزمن، وحيث كان يُوجد منزله ومكان إقامته الأساسي – وللاضطهاد غير المباشر من جانب الحكومة الفرنسية ومؤسساتها الطبية، بل سبق أن تعرض كذلك لاضطهاد المحتل الإسرائيلي، الذي طرده، بعد الاحتلال الثاني لما تبقّى من فلسطين، بنتيجة حرب جوان/ يونيو 1967، وذلك من مدينته، بير زيت، في الضفة الغربية لنهر الاردن، بسبب مواجهته للاحتلال، مثله مثل غيره من أبناء الشعب الفلسطيني، ودفع به إلى خارج فلسطين المحتلة، بعيداً عن أرضه واهله، حيث عرف كل أشكال التشرد في ما بات يعرف ببلدان الشتات.

غير أنّ رفيقنا الراحل، سلامه كيله، لم يكُن ينظر إلى وجوده في أيّ من البلدان التي تنقل بينها على أنه في أرض غريبة، حيث كانت قد تكونت لديه، حتى قبل طرده من الأرض المحتلة، افكاره ليس فقط حول الوحدة التاريخية للبلدان العربية والمغاربية، بل أيضاً حول الوحدة الثورية لهذه المنطقة، بما هي ضرورية جداً لإحداث نقلة تنموية كبرى لكامل أطرافها، وبالتالي بناء اشتراكية ديمقراطية، على امتدادها، وتحريرها من شتى أشكال العلاقات الاستعمارية المانعة لتقدمها، فضلاً عن تخليصها من الفقر والعوز، والتخلف، والظلم الاجتماعي، بما يشكل، في آنٍ، رافعة للثورة العالمية. ومن هذا المنطلق، شارك في أكثر من مكان من المنطقة المنوه بها في النضال، بشتى أشكاله، الفكري، والسياسي، كما التنظيمي، والعملي، بما يخدم هذه الرؤية ويساهم في تقريب زمن تحولها إلى حقائق ملموسة على أرض الواقع.

فعلى الصّعيد الفكري، ألّف عشرات الكتب، التي تضع التنمية، والتغيير الثوري، الاقتصادي كما الاجتماعي، في أعلى اهتماماته، ومن بين أهمها: “نقد الماركسية الرائجة”؛ “إشكالية الحركة القومية العربية؛ “الإمبريالية ونهب العالم”، “فوضى الأفكار: الماركسية واختيارات التطور”؛ “الاشتراكية أو البربرية”؛ “أطروحات من اجل ماركسية مناضلة”؛ “عصر الإمبراطورية الجديدة”؛ “التطور المحتجز، الماركسية واختيارات التطور الاقتصادى الاجتماعى؛” العولمة الراهنة: آليات إعادة إنتاج النمط الرأسمالى”؛” الأبعاد المستقبلية: المشروع الصهيونى والمسألة الفلسطينية”؛ “من هيغل إلى ماركس: موضوعات حول الجدل”.

كما نشر، في صُحف ومجلات عربية عديدة، عبر المنطقة، عشرات الأبحاث والمقالات، التي تتناول مشكلات بلداننا المتخلفة، والساعية إلى النمو، لكن المصابة بالكثير من المعوقات البنيوية. كما تسارعت مشاركته في الصحافة المكتوبة، والإلكترونية، مذ بدأت الانتفاضات العربية في العام 2010، وحتى الأيام الأخيرة التي سبقت وفاته، كأحد أشكال مشاركته فيها. هذا مع العلم أنه لعب دوراً هاماً في مسعى تجميع اليسار الجذري في سوريا، وتنظيمه، قبل اعتقاله، في بدايات العام 2012، ومن ثم طرده إلى خارج سوريا.

وفي جميع كتاباته، ومقابلاته، في السنوات الاخيرة، كان عظيم الثقة في أن السيرورة الثورية المتذبذبة، والمعوّقة، بسبب تآمر كل قوى الثورة المضادة، المحلية، والإقليمية، والعالمية، ضدها، وعدم النّضج الكافي لأداتها التاريخية، لا بد من أن تتواصل، وتتجدد، وتنمو، على الطريق لإنتاج الكتلة التاريخية، التي ستضطلع بمهمة ضمان أسباب النصر لها، في الطور القادم من صعودها؛ وهو طور محتّم، في رأيه، طالما بقيت شعوب المنطقة تعاني الاستبداد، والفقر والبؤس، وتشعُر بالظلم الكبير اللاحق بها، على يد الطبقات المسيطرة، المرتبطة بالرأسمالية العالمية، والمرتهنة للهيمنة الإمبريالية على المقدرات الهائلة التي تزخر بها بلداننا.

هَذا وعلى رغم المشاعر الأممية الطاغية لدى الرفيق الرّاحل، سلامه كيله، فلقد كان يضعُ في موقع أثير من اهتماماته قضية تحرر الشّعب الفلسطيني، ويتُوق أن تُوارى رُفاته في أرض فلسطين، الأمر الذي وقفت الحكومة الصهيونية ضده بشراسة وحزم، ما جعل أهله وأصدقاءه، في الأردن – مكان إقامته الأخير، بعد أن كان قضى السنوات التي تلت مغادرته سوريا، مباشرة، في القاهرة، وعلى بعد مئات الأمتار فقط من ميدان التحرير– يقررون دفن جثمانه في العاصمة الأردنية.

لقد غَادرنا الرفيق سلامه، وهو يتطلع إلى القبلة الوحيدة التي يضعها الثوريون نُصب أعينهم، ألا وهي تأمين شروط انتصار الثورة العربية، والمغاربية، بما هي إسهامٌ أساسي في فتح الطريق أمام انتصار الثورة العالمية. ونحن نعِدُ الرفيق بأن نكون أوفياء للأفكار والتطلعات التّي حرّكت حياته كلها، وفي طليعتها ضمان انتصار كل تلك القيم التي حفّزت ثورات الشعوب والطبقات المظلومة، على امتداد التاريخ، ولا سيما قضايا الحُرية، والمُساواة، والعَدالة والتّضامن الإنساني.

تيار المناضل-ة المغرب، 04-10-2018