العمال الزراعيون: حوادث النقل القاتلة ليست قدرا

Print Friendly, PDF & Email

 

 

بقلم، حسن أحمد

يضطر عمال وعاملات المغرب للتنقل اليومي إلى أماكن العمل (المناطق الصناعية-الضيعات الفلاحية-المؤسسات الإدارية…) البعيدة غالبا عن أحياءهم الشعبية، مما يكلفهم وقتا إضافيا يهدر مجانا ويجبرون على تحمل جحيم لا يطاق في لحظة إنهاك شديد وأعصاب متوترة وتنافس لحشر الجسم في زحام كثيف.

  وثيرة حوادث السير القاتلة في تزايد.

لا توجد إحصائيات تفصيلية عن حوادث السير التي يكون ضحيتها العمال، إذ تبقي البرجوازية ودولتها الأمر سرا تفاديا لمطالب عمالية بتوفير شروط نقل ملائمة. أما منظماتنا النقابية فغير مكترثة، ولم يسبق حسب علمنا أن طرحة أي هيئة نقابية مسالة وسائل وظروف تنقل عمال المغرب بشكل مفصل وادرجته في مطالبها المركزية. إلا أن تتابع الحوادث المميتة مؤخرا أبان عن هول جريمة إزهاق أرواح عمال المغرب يوميا.

حادث اصطدام حافلة لنقل العمال بقطار شحن البضائع بمدخل «العوامة» بالقرب من الحي الصناعي «مغوغة» بمدينة بطنجة الذي أسفر عن قتل 06 عمال/ات وجرح 14 عامل جروحا خطيرة وعاهات مستديمة لآخرين خلال شهر فبراير 2018، وحادث مميت بمنطقة «اشتوكة بسوس» جراء اصطدام عربة لنقل العمال وحافلة للنقل الحضري أسفر بدوره عن وفاة 11 عامل وعاملة، وجرح آخرين، ناهيك عن حوادث قاتلة يومية لعربات نقل العمال في كل المناطق لا يسلط عليها الضوء…

العمال الزراعيون بين الاستغلال البشع والموت في الطرقات.

تتركز طبقة عاملة زراعية ضخمة العدد بسهل سوس (أولاد اتايمة/اشتوكة) تشتغل في الضيعات الفلاحية ومحطات التلفيف في شركات كبيرة ومتوسطة وأخرى صغيرة. ظروف العمال الزراعيون تختلف ما بين أقلية تتوفر على شروط دنيا من المكاسب كان لتوسع التنظيم النقابي دور هام في تحقيقها، وقسم أوسع من العمال محروم من أبسط الحقوق المكرسة في القانون نفسه، ويمثل العمال الزراعيون الدين يجلبون للضيعات من «الموقف» (سوق عرض قوة العمل للبيع) الجزء الأكثر تعرضا للاستغلال والمهدد بكل المخاطر من حوادث السير وحوادث الشغل والمقصي من أي حماية قانونية أو اجتماعية، وهم جيش هائل من أفراد مدررين يغيرون أماكن العمل وطبيعته وينتقلون من مشغل لأخر وتعدد طريقة تقييم العمل المنجز (بالقطعة/بالساعة /باليوم..)،هدا القسم من الطبقة العاملة منتشر في المغرب برمته ويغذيه باستمرار اتساع حجم البطالة الجماهيرية واضطرار العمال للقبول بكسرة خبز في أسوء الشروط والمخاطرة بأرواحهم أن لزم الأمر.

يوميا يتنقل العمال إلى أماكن العمل باستعمال المئات من مختلف وسائل النقل، القليل منها تتوفر فيه الشروط الدنيا لنقل البشر. البرجوازيون لا يهمهم إلا ثمار قوة العمل واستغلالها إلى أقصى حد بأقل كلفة، ويعتبرون وسائل وظروف النقل أمر يخص العامل، بل إن امتهان كرامة العمال اليومية في وسائل النقل لا تصدم عقليتهم المحتقرة للعمال بما هم جموع منحطة من الهمج والرعاع، بعضهم ليريح ضميره «المرهف» يتصدق على أسر القتلى ببعض الدراهم تعاطفا وفشا لغضب زملائه وتقييد الحادث في سجل القدر المحتوم.

 مطلع كل صباح باكر تتحرك العربات والجرارات و»البيكوبات» ودراجات نقل البضائع وقليل من الحافلات لنقل أعداد كثيرة تفوق طاقتها من العمال إلى أماكن العمل، ليست معدة أصلا لنقل البشر بل لشحن البضائع والبهائم والمواشي والمبيدات الفلاحية، والحالة الميكانيكية لأغلبها مهترئة، ولا تتوفر على مقاعد تحفظ الكرامة، ولا واقيات تحمي العمال من البرد والشمس، بل تتعدى ذلك إلى عدم توفرها على تأمين للركاب يغطي عدد ما تحمله الناقلة في مقامرة يومية تنتهي إلى كوارث على الطرقات ونتائج اجتماعية متشعبة سرعان ما يطويها النسيان.

يسابق السائقون الزمن لنقل أكبر عدد من العمال يوميا بالسياقة بأقصى سرعة ممكنة واختصار الطرق والمخاطرة بحياة العمال في طرق وضعية اغلبها، باستثناء الرئيسية، خراب وتعج بالحفر والحافات الحادة بلا حواجز آمنة وبلا إشارات للمرور.

إن حوادث السير التي تخلف موتى ومعطوبين وعاجزين مدى الحياة وأرامل وأيتام هم ضحايا طبقة المالكين الدين لا يهمهم ألم وعذاب منتجي الثروة، وهم ضحايا لسياسة الدولة التي تنفذ سياسة اقتصادية قائمة على تهميش مناطق عيش العمال والتي لا تتوفر على ابسط الحاجيات من بنية تحتية طرقية ولا مرافق اجتماعية وترفيهية بالرغم مما تدره من أموال على خزينة الدولة.

الرد العمالي المطلوب لأجل وقف مجازر الطرق.

النضال النقابي ليس حصرا اهتماما بأوضاع العامل داخل منشأته فقط، بل هو دفاع عن شروط عمل وعيش العمال. لقد أصبح ملحا أن تدرج الحركة النقابية في صلب اهتمامها ظروف نقل العمال إلى العمل بالنظر إلى التحولات الراهنة بسبب تضخم المدن التي تصمم بما يخدم الرأسماليين والضرب بعرض الحائض حياة شعب العمال، فأحياء سكن العمال بعيدة عن أماكن عملهم وهم الأكثر تنقلا وبشكل دائم مما يجعلهم الاكثر عرضة لمخاطر الطرق التي تسرق حياتهم باستمرار.

يجب إدراج نقل العمال في المذكرات المطلبية وان تخاض نضالات لفرضها سواء في المقاولات وعلى الصعيد الوطني، ولدلك لا بد من تدقيق المطلب العمالي في هدا المضمار بتحديد الشروط الواجب توفرها في وسائل نقل العمال (المراقبة الميكانيكية /التامين/الحمولة/ السائق/السرعة/…) والنضال لأجل أن تقع المسؤولية المالية والقانونية على المشغل في تامين توفر تلك الشروط في وسائل نقل عمال مقاولته.

كما أن النضال لتوفير طرقات ومسالك ملائمة يجب آن تكون من مطالب الحركة النقابية وأن تعبأ القاعدة العمالية وان تحفزها على بلورة المطالب واقتراح أشكال النضال.

تتحجج الدولة بأعداد العاملين في سياقة وسائل النقل الذي يتهددهم الإفلاس في حال فرض شروط ملائمة لنقل العمال. يجب ألا تخضع الحركة النقابية للابتزاز وأن ترفض مقايضة حياة العمال وسلامتهم لتأمين أوضاع عمل هشة للسائقين عمالا ومالكين صغار وعلى الدولة أن تجد حلولا لهم. وعليها رفض تباكي صغار المقاولين المتحججين بقلة العمال وبفقر المقاولة بطرح اشتراك المقاولات الصغيرة المتقاربة في وسائل نقل كلما أمكن او أن تدبر أمرها لتسوية الأمر. يجب أن يصبح نقل العمال إلى العمل من مهام المقاولة المشغلة وليس جحيما يرمى على كاهل الطبقة العاملة يكلفها ماديا ونفسيا ويزهق أرواحها باستمرار.

إن حوادث السير القاتلة للعمال نتيجة طبيعية لشروط الاستغلال البشع التي تعرفها حياة الطبقة العاملة في أماكن عيشها ولظروف ووسائل تنقلها من/إلى العمل، وأخيرا ظروف الشغل في أماكن عملهم، كلها جبهات حرب طبقية تشنها البرجوازية لتراكم الثروة في بحر من البؤس والعذاب يعيشه عمال المغرب وعاملاته.