القضاء: جهاز ظلم طبقي | المناضل-ة

القضاء: جهاز ظلم طبقي

Print Friendly, PDF & Email

بقلم، النمري

أثارت أحكام قضاء الاستبداد في حق معتقلي الريف ردود فعل رافضة، من تنديد الهيئات الحزبية والنقابية والحقوقية إلى وقفات ومسيرات احتجاجية تنديدية…

كشفت الأحكام زيف أوهام ما أطلق عليه «مسار إصلاح القضاء»، وهو ما دفع المعنيين المباشرين بترويج هذا الوهم إلى الدفاع عن «استقلالية المؤسسة القضائية».
لم يستطع النظام تحقيق إجماع سياسي حول أحكام قضائه، ولا يتجلى هذا في رد الفعل الشعبي أو مواقف الأحزاب المعارضة وحسب. بل أيضا في اتخاذ أحزاب النظام ذاته مسافة من هذه الأحكام.
يصر هؤلاء على عدم التدخل في القضاء بمبرر استقلاليته، وعدم التأثير على أحكامه من خارجه. وأكد البلاغ أحزاب الأغلبية الحكومية هذا الأمر بقول: «بالنسبة للأحكام القضائية الصادرة في حق معتقلي مدينة الحسيمة ونواحيها، تؤكد… احترام استقلال القضاء وعلى ضمان شروط المحاكمة العادلة التي يقرها الدستور».
فما حقيقة استقلالية القضاء في بلد يحكمه استبداد الفرد؟
أكد وزير العدل محمد اوجار في حوار مع هسبريس على «استقلالية السلطة القضائية»، وصرح أنه يمنع عن نفسه «أي تعليق عن أحكام السلطة القضائية أو أي شكل يمكنه أن يفهم أنه تدخل في القضاء». لكنه خالف هذا المنع حين قال: «أود التأكيد… أن ضمانات المحاكمة العادلة توفرت، وأن الدفاع مارس دوره كاملا، وأن الأحكام القضائية لا تستند إلى العاطفة، كما أن القاضي يستند إلى النصوص القانونية حسب قناعاته»، ولهذا «التعليق» غاية سياسية واضحة وهي تفادي فقدان القضاء للمصداقية لدى الشعب: «وأنا أدعو جميع الفعاليات إلى الثقة في المؤسسة القضائية».
يستمر اوجار في تكذيب تأكيداته حول استقلال القضاء، حين أشار في نفس الحوار إلى أن المغرب لا زال «في المرحلة التأسيسية لاستقلالية السلطة القضائية». ويعني هذا بمنطق أنصار الإصلاح التدريجي «استمرار ممارسات ما قبل الإصلاح وجيوب المقاومة»، وبالتالي لا معنى للتأكيدات المطلقة على أن «الأحكام القضائية لا تستند إلى العاطفة، كما أن القاضي يستند إلى النصوص القانونية حسب قناعاته».
إن استقلالية القضاء خرافة يقوم ذوو مصالح سياسية واقتصادية يسخرون هذا القضاء لخدمتها بترسيخها في أذهان الكادحين. وخوفا من انكشاف هذه الخرافة، سارع خدام الاستبداد إلى التأكيد اللفظي على هذه الاستقلالية.
هاجم «مصدر قضائي» مجهول منتقدي الأحكام في حق معتقلي الريف على صفحة هسبريس، قائلا إن «الأحكام القضائية… لا تستند إلى العاطفة أو الاعتبارات السياسية والحزبية أو المزايدات المجانية على العدالة، وإنما تؤطره تدابير قانونية دقيقة، وآليات تشريعية محددة، علاوة على الاقتناع الصميم للقاضي الزجري».
إن عزل القضاء و»التدابير القانونية الدقيقة» عن سياقها السياسي والاجتماعي هو منطلق كل المدافعين عن وهم استقلال القضاء. طبعا القاضي يشتغل في قاعة مغلقة صاما أذنيه عما يجري حقيقة على أرض الواقع. ينكب بكل «روحية قانونية دقيقة» على معالجة الملفات كما تقدم له من طرف الضابطة القضائية، ولا يهمه إلا مطابقتها للنصوص القانونية التي يجب أن يصدر الأحكام بناء عليها.
لكن، من أصدر هذه «القوانين الدقيقة» و»الآليات التشريعية المحددة»؟ إنه نظام حكم الفرد الساعي دائما لتأبيد حكمه وتأمين المصالح الاقتصادية للطبقة التي يشكل قسما رئيسا منها. منذ 1962 والأساس الدستوري الذي يشكل روح القوانين، تجري صياغته من طرف القصر، ولا مجال للحديث عن استقلالية مؤسسة، ولو كانت قضاء»، عن إرادة ومصالح واضع الدستور.
حماية القضاء من «الإملاءات والتأثيرات الخارجية» لم يحم هذا «المصدر القضائي» من تبني وجهة نظر الدولة والنيابة العامة، حين أكد «أن السجن النافذ في حدود 20 سنة بالنسبة لمن حرض على القتل العمد وإضرام النار وغيرها من الجرائم الخطيرة…سيكون مُخففا وليس قاسيا أو ظالما كما يزعمون». عجزت النيابة العامة طيلة سنة من المحاكمة عن تقديم دليل واحد على ثبوت هذه التهم في حق المعتقلين، ورغم ذلك يكررها هذا «المصدر القضائي» دون تكليف نفسه تقديم حجة تأكيدها.
كيف يمكن حماية مؤسسة القضاء من «الإملاءات والتأثيرات الخارجية» في مجتمع منقسم إلى طبقات متصارعة؟ هل يمكن أن نصدق الخرافة التي تضمنها بلاغ الأغلبية الحكومية: «المغاربة سواسية أمام القانون، ودولة المؤسسات تسري على الجميع»؟ إن الوقائع لا التأكيدات والتصريحات تكذب هذه الخرافة ما دام خدام الدولة وكبار الرأسماليين المتورطين في نهب المال العام وأموال العمل يحظون بالعفو وتعليق المتابعات، بينما يزج بالمناضلين العماليين والشعبيين في السجون.
يجري إخلاء ساحة أبناء الموظفين الكبار والرأسماليين من تهم الاعتداء على الأفراد، بما فيها الاعتداء على شرطة المرور، بينما يرفض طلب حرية المعتقلين المتهمين زورا بالاعتداء على أفراد الشرطة دون وجه حق… نعم، إنها المساواة بين «المغاربة» البرجوازيين، تماما كما كان يطلق مواطن أثيني على السيد الحر ويستثنى من حقوق المواطنة العبيد.
عدم الخضوع «للإملاءات والتأثيرات الخارجية»؟ لا نتحدث هنا عن عالم بيولوجيا أو الفيزياء النووية داخل مختبره. نحن إزاء قاض يوج في قلب مؤسسة دولة تحكمها قوانين، والنص القانوني ليس علاقة رياضية بل تعبيرا عن علاقات اجتماعية قائمة القهر والاضطهاد.
كانت غاية «المصدر القضائي» هو لفت أنظار الكادحين عن طرق النضال لإطلاق سراح المعتقلين، وتوجيهها نحو نفس مؤسسات القضاء التي سجنتهم، صرح نفس «المصدر القضائي»: «لكل شخص يعتبر نفسه متضررا من حكم المحكمة أن يطعن فيه أمام المحكمة الأعلى درجة، وأن يسلك المساطر القانونية المقررة تشريعا، وهي ضمانات أفردها المشرع المغربي تكريسا للمحاكمة العادلة».
وشدد «المصدر القضائي» على أن السلطة القضائية مستقلة، لكن مستقلة عن الجماهير الكادحة، حين وصف مواقف التنظيمات المناضلة ونضالات الجماهير بـ» المزايدات السياسوية والتصريحات العدمية»، وأكد أنها «لن تؤثر في قناعة القاضي الجنائي، ولن تمس باستقلال السلطة القضائية».
إن «التكييف القانوني للجرائم المرتكبة» الذي تحدث عنه «المصدر القضائي»، هو وظيفة سياسية لجهاز القضاء. أي يجري تكييف الوقائع لتلائم القوانين، وإن كان ذلك يثير «تصريحات خارج عن اللباقة ومتحررة من كل احترام مفروض لاستقلال السلطة القضائية». يتحول القانون إلى «سرير بروكوست» يقطع أوصال الكادحين في الوقت الذي يلائم دائما مصالح الرأسماليين وخدامهم السياسيين.
التضييق على «نادي قضاة المغرب»
ورد في دستور 2011 منح القضاء الحقوق ذات العلاقة بحرية التعبير وتأسيس الجمعيات والانتماء اليها، وفي سياق حراك 20 فبراير أسس القضاة جمعية باسم «نادي قضاة المغرب».
رغم أن القضاة أسسوا جمعيتهم على أرضية الولاء للملكية («عقد جمع عام التأسيس يوم ذكرى ثورة الملك والشعب»)، إلا أن الدولة توجست من إمكانيات تطور الأمر استحضارا لتجارب واجه فيها القضاة أنظمة الحكم (مصر).
تعرض نادي القضاة للتضييق «بعدم توفير مقر له وكذا الدعم المادي، وبإقصائه من اللجنة العليا للحوار الوطني مع انه الجمعية المهنية الاكثر تمثيلية للقضاة». [عمر بنعيش، عضو المجلس الوطني لنادي قضاة المغرب بالداخلة، هسبريس يوم 21 – 08 – 2012].
النظام يريد قضاة مطيعين قضاة يحكمون من منطلق «عاطفة سياسية»، لا قضاة مشاكسين، حتى ولو أعلنوا ولاءهم السياسي على الملأ.
وهم السلط المفصولة
يقوم مفهوم فصل السلط على وهم كرسته النظريات السياسية البرجوازية منذ عصر الأنوار، أي استقلالية السلط الثلاث عن بعضها: التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ما يتفاداه منظرو البرجوازية وسياسيوها هو الأرضية الطبقية المشتركة التي تقوم عليها هذه السلط ومجمل جهاز الدولة. هذه الأرضية التي تنسق عمل هذه السلط وتجعلها متناغمة مع خدمة المصالح التاريخية للبرجوازية. إن فصل السلط محض وهم تنخدع به الطبقات المحكومة، ما دامت كلها في خدمة الطبقة المسيطرة.
هناك لحظات يتصادم فيها القضاة مع الدولة البرجوازية، خاصة في الدول ذات التقاليد «الديمقراطية العريقة، وتؤدي إلى إسقاط عناصر عملاقة من جهاز الدولة البرجوازية كرؤساء دول، لكن هذا تابع للسياق السياسي الوطني والدولي ومدى تعبئة الجماهير لفرض حكم القضاء على الدولة والطبقة البرجوازية.
وهناك لحظات أخرى، يكون لهذا الوهم قوة دفع للجماهير، ويكون فصل السلط مطلبا ديمقراطيا يتيح فرصا للتعبئة من أجل إسقاط الاستبداد. آنذاك يستوجب الأمر التواجد مع الجماهير من أجل مطالبها مع توضيح حدود كل أشكال «الديمقراطية البرجوازية».
نعم إن السلطة القضائية في المغرب مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، لكن هذه السلط الثلاث كلها ليس مستقلة عن نظام الحكم. إن الملك هو الذي يتحكم دستوريا وفعليا في هذه السلط مجتمعة. فالملك هو الذي يعين أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حتى ما أطلق عليه إصلاح القضاء كانت تحت إشراف الملك الذي قام بتعيين أعضاء الهيئة العليا للحوار الوطني 12 ماي 2012.
أثير موضوع الاستقلال المالي والإداري لمؤسسة القضاء أثناء «الحوار الوطني»، وقد طالب بذلك القضاة عبر جمعياتهم المهنية «حتى تتحمل المؤسسة القضائية مسؤولياتها في المنتوج القضائي برمته إدارة وحكما، وحتى لا يشكل هذا الجانب مدخلا من مداخل التأثير على قرارات القضاء»، لكن وزارة العدل «تشبثت بدور السلطة في عملية الإدارة… كما… لم يمنح الاستقلال المالي والإداري للمجلس الأعلى للسلطة القضائية… وفي الأخير انتصر القانونان التنظيميان… برؤية وزارة العدل بعدم منح الاستقلال المالي والإداري للمحاكم». [مسار الاصلاح القضائي بالمغرب بعد دستور 2011، عبد اللطيف الشنتوف، 24 يونيو 2018].
ولم يجر إقرار ضمانات للحد من الإجراءات العقابية كوسيلة للضغط على القضاة: «كما تم ضرب المبدأ الدستوري الذي ينص على منع نقل القاضي دون طلب منه من المحكمة التي هو معين بها إلى محكمة أخرى، إلا في الحالات التي يحددها القانون بشكل مسبق، وهذه ضمانة للقاضي حتى لا يستعمل النقل الإداري للانتقام من القاضي بسبب مواقفه أو أحكامه» [نفسه].
عاطفة سياسية؟
هاجم أنصار الأحكام وناشرو خرافة استقلالية القضاء رافضي الأحكام بكونهم يتحركون بموجب «عاطفة سياسية» غير مبنية على دراسة دقيقة للملف.
هل يمكن للقاضي المتجرد أن يمنع أحد طرفي قضية ما، من تقييم الحكم بناء على عاطفة مسبقة قائمة على اقتناعه بعدالة قضيته؟ ألا يتعاطف القاضي مع ضحية اغتصاب ويستحضر تلك العاطفة وهو ينطق بالحكم على المغتصب؟
إننا إزاء نزاع اجتماعي ضخم يعبر من مصالح اقتصادية وسياسية متضاربة، وليس هناك لحظة تستعمل فيها العاطفة بشكل جماعي أكثر من لحظات النضال. لا يمكن كبح العواطف في هذه اللحظة، بل إن المهمة تكون لإذكائها وإعطاءها أساسا سياسيا.
مؤسسة القضاء جزء من أجهزة الدولة التي تخدم طبقة بعينها، وهي الطبقة البرجوازية. إن المؤسسة والقوانين المنظمة لها ومكانتها ضمن جهاز الدولة هي التي «تتعاطف سياسيا» مع مصالح الطبقة الحاكمة وتنتصر لها أثناء الصراع. وسرعان ما يجري لفظ القضاة النزهاء، ويمنعون أو يتعففون من الاقتراب من ملفات القضايا التي تخص أمور النضال الاجتماعي والسياسي.
لا يتعلق الأمر هنا بقاض فرد، بل بروح مؤسسة. رغم أن المدافعين عن الأحكام يحاولون جعل القضية قضية مسؤولية وضمير فرديين. قال «المصدر القضائي» لهسبريس أن القاضي: «أولا مسؤول أمام خالقه تعالى، ومسؤول أيضا أمام القانون الذي يُذيل الأحكام بأوامره، وهو مسؤول كذلك أمام جلالة الملك الذي ينطق بالمقررات القضائية باسمه، كما أنه يبقى مسؤولا في الأول والأخير أمام ضميره، الذي يتحكم في تشكيل قناعته الوجدانية التي يتأسس عليها حكمه النهائي». طبعا، إنه مسؤول أمام كل هؤلاء، ولكن ليس مسؤولا أمام طرف واحد وهو: الشعب.
نعم، إن مواقفنا من أحكام قضاء الاستبداد مبنية على عاطفة سياسية، لكنها «عاطفة طبقية» تسعى لاستنهاض همم النضال العمالي والشعبي. عاطفة مبنية على تحليل علمي لعلاقات الإنتاج والمؤسسات السياسية التي تخدمها بما فيها القضاء. لذلك لن تنتطلي علينا حيلة «استقلالية القضاء».

من مواد عدد جريدة المناضل-ة 71 يوليوز-غشت 2018