اليوسفي: مذكرات الانبطاح الليبرالي

Print Friendly, PDF & Email

قامت الصحافة الليبرالية بدعاية مسبقة، ضخمت “مذكرات” عبد الرحمان اليوسفي، والذي ينعت عادة بالساكت الذي لو تكلم لتغير الكثير. لكن بعد صدورها تحت عنوان “أحاديث فيما جرى، شذرات من سيرتي كما رويتها لبودرقة”، بلعت هذه الصحافة لسانها بسبب تفاهة ما قصد اليوسفي تذكره وما تعمد السكوت عنه.

يعتبر اليوسفي أحد أعضاء الحركة الوطنية، وكان فاعلا أساسيا في المقاومة المسلحة، ومن مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وأحد محركي جناحه المسلح، ثم مهندس التحول إلى “النضال الديمقراطي” إلى جانب بوعبيد، وفي الأخير من استسلم للملكية نهاية التسعينات ممسكا مشعل مواصلة السياسات النيوليبرالية التي واصلت الهجوم الموصى به من الدوائر الإمبريالية العالمية.

هذا المسار الحافل من التكيف مع الاستبداد، هو الذي يجعل دراسة مذكرات الرجل ضرورة ثورية، لكي يتفادى الجيل الجديد المقتحم معمعان النضال، وليس ما يروج عنه على أنه معارض صلب لا تلين عزيمته.

تعمد اليوسفي إصدار كتابه على لسان أمبارك بودرقة، وهذا الأخير كان منخرطا في الجناح المسلح للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، رجع من المنفى بداية سنوات 2000. وانخرط في مسلسل تصفية ملف “سنوات الرصاص”، وأصدر إلى جانب شوقي بنيوب كتاب “كذلك كان”، حول تجربة “هيأة إنصاف والمصالحة”، أي دورهما المخزي في تنقية صورة النظام من جرائم القمع والتعذيب والاختطاف.

إنه تحالف حطام اليسار الوطني الشعبوي لضمان استمرارية نفس النظام السياسي ومواصلة سياساته الطبقية. تواصل هذا التنسيق بتكييف التاريخ السياسي لهذه الشخصيات مع دور خدمة الاستبداد والسياسات النيوليبرالية.

يظهر التاريخ في شذرات اليوسفي، كأنه سلسلة متصلة من الأحداث لا رابط منطقي يجمعها، فكلها جرت بشكل سلس، كأنها تنبثق من ذهن الذي عاشها وليس من واقع الصراع الطبقي والسياسي الذي عاشه المغرب بعد الاستقلال.

ينتهي هذا المنظور باعتبار ذلك الصراع، محض سوء تفاهم بين الحركة الوطنية ورموزها من جهة، وبين النظام من جهة أخرى. يقول اليوسفي: “لو تمكن كل من الأمير وعلال الفاسي والمهدي بن بركة من بناء جسور التواصل فيما بينهم، والتفكير المشترك في تصور بناء مغرب ما بعد الاستقلال، لتمكن المغاربة من تفادي عديد من المنعرجات التي أخرت مسيرتنا، ولعشنا مغربا آخر غير الذي نعيشه”.

هكذا يكون اغتيال بن بركة ومؤامرة يوليوز 1963 ضد الاتحاد الوطني، وضحايا انتفاضة 23 مارس وحاة الاستثناء واغتيال زهرة المقاومة المسلحة (النمري وبنونة ودهكون…)، وقمع الانتفاضات الشعبية، محض سوء تفاهم بين الطرفين المتصارعين.

وبما أن الحل هو التواصل والتفكير المشترك، يظهر اليوسفي أن استسلامه المخزي سنة 1998، تلبية لنداء الملك، هو النتيجة المنطقية لفهمه التاريخي المبني على سوء التفاهم أو حسنه، وليس على الصراع الطبقي الذي يترجم إلى صراع سياسي ينتهي أحيانا إلى استعمال السلاح.

إنه محض تزوير للتاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمغرب ما بعد الاستقلال، وهو تزوير ذكي، حيث لا يعمد إلى اختلاق الوقائع، ولكن إلى تأويلها لتبرير تكتيكات الحاضر. لكن اليوسفي تعدى هذا النوع من التزوير التاريخي، حيث تعمد الاستفاضة في الكلام عن جانب من حياته السياسية، بينما فضل السكوت تماما عن بعضها، رغم تحمله جزءا كبيرا من مسؤوليتها.

تحدث اليوسفي باستفاضة عن مرحلة توليه أمانة الحزب بعد وفاة بوعبيد، وضخم معارك الحد من تزوير الانتخابات وأغرق الكتاب بمداخلات وتصريحات ورسائل فترته الحكومية، في حين تعمد السكوت تماما عن دوره في الجناح المسلح للاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وهذا ما أوضحه بكثير كتاب مذكرات أخرى صريح تماما ومنسجم مع شعار بن بركة “السياسة الحقيقية هي سياسة الحقيقة”، هذا الشعار الذي تجنبه اليوسفي تماما في شذراته.

يحكي أمحمد التوزاني” في كتاب “ثورة لم تكتمل”، عن دور اليوسفي في المعارضة المسلحة وحضوره اجتماعاتها في ليبيا والجزائر. ويتحدث بتفصيل عن دور اليوسفي في تصفية هذا الجناح بداية بتبرير تخلي الاتحاد الوطني عن الجناح المسلح بالخارج لتخفيف القمع عن الحزب في الداخل [اجتماع 2 غشت 1973 بالجزائر العاصمة]، انتهاء بتأسيس الاتحاد الاشتراكي وإبعاد أعضاء الجناح المسلح عن العملية سنة 1975.

أورد التوزاني اقتراح اليوسفي في اجتماع الجزائر 2 غشت 1973 تحميل مسؤولية عمليات 3 مارس 1973 لتنظيم وهمي اقترح له اسم “”الجبهة الوطنية لتحرير المغرب”، قصد إبعاد التهمة عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وفي نفس الوقت ترك ما أطلق عليه اليوسفي “شعرة معاوية” مع النظام.

أليس هذا انسياقا مع ما كتبه رجل النظام الأول محمد رضا كديرة سنة 1964، كما أورده اليوسفي في شذراته: “لا أحد يتهم حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بتورطه مباشرة في المؤامرة، ولكن الخطأ الذي وقع فيه، أنه منح اللجوء داخل الحزب لمجموعة صغيرة من المشاغبين المحترفين”.

أين هو اليوسفي سعيد من أوخويا، أحد الثوريين الذين انخدعوا بشعارات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وانخرطوا في جناحه المسلح. تمرد سعيد عن توجيهات الحزب والمحامين بالتصريح أمام المحكمة بان السلاك كان لتدريب المناضلين للمساهمة في تحرير فلسطين، صرح أوخويا في وجه محكمة الاستبداد: “ماذا تعتقدون؟ هل هي عصا راع يرعى قطيع نعاج؟ لا. إنها بندقية- رشاشة من أجل تحرير بلادي من الاستبداد. ولو بقيت هناك رصاصة واحدة في بندقيتي لما بقيت هنا اليوم”.

كل ما ذكره اليوسفي عن هذه الأحداث أنها عصفت بمحاولات “جناح الرباط” تحت قيادة بوعبيد لتجديد الخط السياسي والأيديولوجي للحزب، وهو ما سيجري بعد سنتين من ذلك.

يجعل هذا من اليوسفي عكس ما حاول أن يقدمه به بودرقة في مقدمة الكتاب. وبتحوير عبارات بودرقة يعتبر اليوسفي “أحد الشهود الكبار” الذي بلع لسانه حول “مرحلة طويلة بصمت التاريخ المغربي الراهن”.

يفسر هذا التزوير التاريخي بما آل إليه اليوسفي، وهو ما يتناقض مع صورته “كمعارض صلب”، لذلك فضل اليوسفي أن يعود إلى التاريخ ويمحي منه كل ما يشير إلى ذلك. فتوليه مسؤولية الوزارة الأولى وضع على كاهل الحزب المعارض وزعيمه التاريخي مهمة مواصلة السياسات التي كان يدعي معارضتها، في حين كان يسعى ويطالب إشراكه في تنفيذها، وهو ما حصل عليه نهاية تسعينيات القرن المنصرم.

جلب له هذا الدور ثناء القوى الإمبريالية الكبرى (الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا…)، ولكن كذلك- وهذا هو الأهم بالنسبة لليوسفي- ثناء الملكية بدوره في تأمين الانتقال السلس للحكم واستمرارية نفس السياسات. وهو ما أشار إليه بودرقة في مقدمته بافتخار (!): “وسيخاطب الملك الراحل الحسن الثاني أعضاء الحكومة، بمناسبة انعقاد المجلس الوزاري بمراكش، وبعد مرور سنة من تعيينكم ومباشرتكم لعملكم، يمكن لي أن أنام مطمئن البال”.

يعبر هذا عن عقلية سياسي بورجوازي وجد نفسه رغما عنه في صف المعارضة لأن النظام هو الذي لفظه، لذلك يلخص مساره السياسي تاريخ الهرولة لإنقاذ الملكية كلما وجدت نفسها محشورة في الزاوية، وقامت هي باستدعائه للقيام بهذا الدور. عبر عن هذا الحسن الثاني ذاته، بقوله لليوسفي قبيل وفاته: “نحن مثل روافد نهر افترقا ثم التقيا من جديد، لنصب في نفس المجرى الأصل”.

هكذا حقق التاريخ نبوءة أحد الأبطال الأماجد لتلك الفترة التي تنكر لها اليوسفي وحزبه، دهكون عمر الذي صرح قبيل إعدامه للدكتور عمر الخطابي: “أنت الذي سوف تخرج. كن شاهدا علينا. أما نحن، فإننا سوف نموت. ولكن مسيرينا سوف يخرجون من هنا لينهوا أيامهم في الوزارات. قل للرفاق أن العدو بيننا”.

أبرز امحمد التوزاني هذا الجانب في مذكراته “ثورة لم تكتمل”، حيث يروي أن اليوسفي أثناء زيارته لليبيا سنة 1972، ألقى عرضا حول المخزن قال فيه: “إن المخزن عندما تنتهي صلاحية من يتعاملون معه، وقد يكون منهم “مناضلون”، يرميهم في الإسطبل… وإذا لاحظ المخزن تحسنا في سلوك المغضوب عليهم، يخفف الوطأة عنهم، وكلما ازداد خضوعهم، وكان المخزن في حاجة إليهم، يقربهم إليه، فيفرض عليهم تقبيل العتبة الشريفة، ويركعون لسيدهم حسب التقاليد”.

يكمل التوزاني مذكراته بالحديث عن لقائه باليوسفي سنة 1997 بعد عودته إلى المغرب، ويورد الحوار التالي بين الرجلين: “هل عدت من فرنسا؟ أجبت نعم، قال: ما الجديد؟ قلت: لا جديد… الليبرالية المتوحشة هناك وهنا، لم يجب اليوسفي في مكتبه، فبادرته بلهجة مغربية: الأستاذ، “ياك ما غادي نبوسو الأعتاب الشريفة”. بقي الأستاذ صامتا.. بقيت لحظة انتظر ردة فعله… لا شيء… فانصرفت…”.

بقي اليوسفي صامتا لمدة 21 سنة، وحين تكلم نطق سكوتا وتزويرا وتمجيدا للاستبداد ولدوره المشين في مساعدته على مواصلة سياسات مؤسسات الرأسمال العالمي، مفندا التشبيه الذي استعاره بودرقة من تشرشل لوصف اليوسفي: “السياسي الحقيقي يفكر أكثر من مرة قبل أن يصمت”.

تتلخص الوصية السياسية للرجل في ضرورة التمسك بالخط الاتحادي البوعبيدي الذي لا يختلف تماما مع تصور الحسن الثاني الذي لخصه اليوسفي في: “كانت فلسفة جلالته في هذا المجال تقوم على خلق سوابق وتقاليد جديدة، تتراكم، لتصبح بالتدريج عنصرا في بنية الدولة ككل”. أي التعاون مع الملكية للوصول بشكل تدريجي إلى “الديمقراطية”.

يظهر هذا الكتاب ومجمل التاريخ السياسي للحركة الاتحادية المسار الذي يجب على المناضلين الديمقراطيين والجذريين تجنبه إن أرادوا الانتصار فعلا على الاستبداد السياسي والتبعية للإمبريالية، يجب ألا يكرروا مسار اليوسفي، ولكن أيضا مسار المناضلين الصادقين أمثال التوزاني وأوخويا ودهكون، الذين أخطأوا الوجهة حينما انتموا إلى حزب برجوازي يعارض الاستبداد ليس من أجل القضاء عليه ولكن من أجل تقاسم السلطة معه.

بقلم، أزنزار