اليوم العالمي للمدرس/ة: لا لمدرسة الرأسمالية؛ خاتمة كتاب نيكو إيرت وسيسيل دوريه
مصير المدرس/ة بالمغرب: ظروف عمل مُضنية مُرهقة مُمْرضة، ودخل يحطمه الغلاء وشروط حياة اجمالية صعبة في ظل تخريب الخدمات العامة، وتضييق الحريات، وتشديد القمع في حالة النهوض لرفض هذا الواقع. يتوصل هذا المدرس/ة مع ذلك برسالة “تقدير وامتنان “من الوزارة…” عرفانا بعطائه المتواصل وتفانيه في أداء رسالته النبيلة، ودوره المحوري في بناء أجيال متعلمة ومبدعة، والإسهام في الارتقاء بالمدرسة المغربية”، على حد قولها. تنميق الكلام بعد إساءة المعاملة.
لا لن نجعل هذه المناسبة العالمية يوما للبكاء والتألم لواقع المُدَرس/ة والمَدْرسة، بل لتأكيد رفع راية حراك التعليم 2023/2024 عالية، راية النضال من أجل حقوق المدرس/ة والمتمدرس/ة
“إن تدمير المدرسة العمومية وطموحاتها الديمقراطية، وتفريغ محتوى التعليم الإلزامي من مضمونه، وظروف العمل التي تزداد صعوبةً يوماً بعد يوم، وتدهور وضع المعلمين، كل ذلك يؤدي حتماً إلى إثارة ردود فعل ومقاومة ونضالات. وتتطور معارضة التسليع بنفس الحتمية الصلبة التي تتسم بها عملية التسليع نفسها. وهنا أيضًا، تغرق الرأسمالية المتقدمة في التناقضات وتنتج حتمًا من سيقومون بدور حفاري قبرها”.
هذه فقرة من خاتمة كتاب بعنوان “في مدرسة الرأسمالية” من تأليف المربيين سيسيل غوريه ونيكو إيرت.
كتاب يحذر من التهديدات الخطيرة التي يشكلها التحرير النيوليبرالي للمدرسة، سواء على الديمقراطية أو على التفاوتات الاجتماعية. دعوة إلى إقامة نظام تعليمي عمومي قوي، يعيد تركيز هدفه على التعلم بدلاً من فرض المواقع المستقبلية للمتمدرسين/ت ضمن النموذج الرأسمالي.
احتفاء باليوم العالمي للمدرس/ة تتيح جريدة المناضل-ة لقرائها وقارئاتها خاتمة هذا الكتاب بالغ الفائدة.
المناضل-ة
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
تاسعاً: لنختتم…
التعلم، والدراسة، والفهم: هذه مهمة الشغيلة الأولى. فالمعرفة وحدها هي التي تجعل المرء لا يقهر. ومن يفهم قوانين التاريخ يستطيع كسرها.
روزا لوكسمبورغ، «دي روت فاهن»، 14 ديسمبر 1918
التسليع مقابل التحرر
ليست التطورات الجارية في مجال التعليم سطحية بأي حال من الأحوال. فنحن في صميم تحول حاسم، وعصر جديد في تاريخ نظم التعليم. منذ أن كُلفت المدرسة بتعليم أطفال الشعب، في مطلع القرن التاسع عشر، استطاعت أن تكيف أشكالها ومحتوياتها مع التطورات السياسية أو الصناعية التي حفزتها التطورات التكنولوجية. فبينما كانت مهام جهاز التعليم ذات طابع أيديولوجي في البداية، أصبحت، على مر العقود، اقتصادية بشكل صريح أكثر فأكثر.
كانت الفترة الممتدة من عام 1945 إلى عام 1985 هي فترة «تعميم» التعليم. كانت الشركات، في تلك السنوات التي شهدت نموًا اقتصاديًا قويًا ومستدامًا، تعاني من نقص مستمر في اليد العاملة المؤهلة. وكان آنذاك خطاب أرباب العمل بشأن التعليم يركز على الجانب الكمي: كان يتعين على المزيد من الشباب متابعة دراستهم الثانوية والعالية؛ وكان هناك مطالبة بتحقيق توافق كمي أفضل بين المسارات التعليمية وفرص العمل. وفي ظل ظروف مالية مواتية، كان من المفترض أن تتولى الدولة ضمان تعميم التعليم هذا.
ولم تؤدِ فترة الأزمات التي غاصت فيها الرأسمالية ابتداءً من منتصف سنوات 1970 إلى تغيير في السياسة على الفور. وكان لا بد من انتظار تزايد الوعي بالطابع العميق والعالمي للتغيرات الجارية، وظهور العواقب الدائمة على صعيد الميزانيات العامة، وأسواق العمل، والصناعة، والتجارة، واندماجها مع التقنيات الناشئة، حتى تتبلور، تدريجيًا، سياسة تعليمية جديدة.
تتميز البيئة الاقتصادية الجديدة بتفاقم الصراعات التنافسية وعولمتها، وبالتالي باللجوء الجامح إلى الابتكارات التكنولوجية والإنتاج وفق مبدأ التدفق المستمر. وتؤدي هذه العوامل بدورها إلى عدم استقرار كبير في النسيج الصناعي والتقني. وبالتالي، تتعرض المعارف للتقادم المبكر. في المقابل، في بيئة تنافسية ومتغيرة، تصبح كفاءات العمال وروح التنافس لديهم متطلبات حاسمة في نظر أرباب العمل. كما يتطلب عدم الاستقرار الاقتصادي أن يكون هؤلاء العمال مستعدين لتغيير وظائفهم بانتظام، بل وحتى معارفهم وكفاءاتهم إبان فترة عملهم، وأن يكونوا قادرين على تجديد مسيرتهم المهنية، وأن يكونوا مستعدين لتكييف وتيرة عملهم مع «متطلبات» الإنتاج المتغيرة. أما المستهلكون، فيجب عليهم تبني المنتجات الجديدة التي تصبها الصناعات في السوق.
ومنذئذ، لم يعد شاغل أرباب العمل الرئيسي ذا طابع كمي: فالمسألة لا تتعلق بتوفير المزيد من التعليم، بل بتقديمه «بشكل أفضل». لم يعد الأمر يتعلق، في المقام الأول، بالحصول على المزيد من اليد العاملة الماهرة، بل بالحصول على يد عاملة أكثر كفاءة، وقبل كل شيء أكثر قدرة على التكيف. ولتحقيق هذه «المدرسة»، التي تُعد سلاحًا أساسيًّا في المنافسة الاقتصادية العالمية، قرر أرباب العمل، سواء من الصناعيين أو الماليين، أن يتولوا هذه المهمة بأنفسهم: من خلال صياغة «توصياتهم»، والمشاركة في وضع المناهج الدراسية، وإقامة «شراكات» مع المدارس، بل وحتى الاضطلاع مباشرة بتنظيم تعليمهم الخاص، إلى جانب التعليم العام. وتزداد هذه الإغراءات قوةً بقدر ما يوجد سوقٌ يجب غزوها وأرباحٌ يجب جنيها.
اليوم، يُفرض على المدرسة أن تخضَع، وأن تُخضع من تُعدهم — لمتطلبات ثلاثية: التقشف المالي، واستقطاب الوظائف، والقدرة على التكيف. شرع الاتحاد الأوروبي، الذي يطمح إلى أن يصبح «الاقتصاد المعرفي الأكثر تنافسية ودينامية في العالم»، في إخضاع المدرسة. وبما أنها مطالبة بتكوين رأس مال بشري «جاهز للاستخدام» لسوق عمل غير مستقر وغير متوقع، فإن عليها تكييف هياكلها لتتوافق بشكل أفضل مع مطالب أرباب العمل. إن تحرير الأسواق، واللامركزية، وزيادة المرونة، والتوافق هي الاستراتيجيات التي تتبعها الهيئات الدولية بهدف جعل المدرسة «فعالة».
ما يجري منذ سنوات 1990 هو «تسليع» حقيقي للمدرسة، ما ينبغي مع ذلك تمييز ثلاثة جوانب له. أولاً، يتم ملاءمة محتويات التعليم وهياكله وأساليبه مع انتظارات أرباب العمل «من أجل إتاحة يد عاملة مكيفة مع حاجات الاقتصاد ¹». ثانياً، تُستخدم أنظمة التعليم على نطاق واسع من أجل تحفيز أسواق معينة، ولا سيما أسواق التكنولوجيات الجديدة. ثالثاً، يُنظر إلى المدرسة على أنها قطاع استثماري جديد مربح جدا.
إن لمطابقة التعليم للانتظارات الجديدة للقوى الصناعية والمالية نتيجتان مأساويتان.
أولاً، تهدد هذه السياسات الليبرالية المدرسة العمومية. إن إضفاء الطابع الفردي على العلاقة بالتعليم، ونشر أيديولوجية ريادة الأعمال، والشراكات بين المدارس والشركات، وتعميم التعليم بالتناوب، والخصخصة التجارية، كلها عوامل تفتح الباب أكثر فأكثر أمام استيلاء القطاع الخاص على التعليم و«المساحة الكبرى» للتعليم التي تحظى بتقدير الاتحاد الأوروبي. ثانياً، إن الانكفاء على المهارات المفيدة للمنافسة الاقتصادية وحدها، وتفاقم التفاوتات الاجتماعية في الوصول إلى المعرفة، يحرمان أطفال الطبقات الشعبية من آمال التحرر التي كان التعليم العام حاملاً لها. كانت المدرسة، بانفتاحها على أطفال الشعب، قد مكنتهم من الوصول — بشكل جزئي جدًّا، متواضع جدًّا — إلى تلك المعارف التي كانت حكرا حتئذ على أبناء البرجوازية وبناتها. ولكن الآن، بعد أن اكتمل التعميم، ها نحن نُطالب التعليم بأن يعيد تعليم الشعب إلى حدود لم يكن ينبغي، على ما يبدو، أن يتجاوزها أبدًا: تعلم كيفية الإنتاج والاستهلاك واحترام المؤسسات القائمة. لا أكثر ولا أقل.
من أجل أي مدرسة نناضل؟
لن ننكر أن إحدى مهام التعليم هي تزويد المجتمع بالمهارات المهنية التي ستكون مفيدة للسعادة والتقدم الجماعيين. وفي هذا الصدد، من المحتمل أن يتفق المدافعون عن برنامج إضفاء الطابع الديمقراطي على التعليم مع بعض الأهداف والوسائل التي يحددها أرباب العمل.
وربما يمكننا حتى إيجاد أرضية مشتركة مع المتحدثين باسمها — منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الاتحاد الأوروبي، البنك الدولي، إلخ — بشأن ضرورة تزويد الطلاب بالمعارف والمهارات والقيم الأخلاقية والمواقف التي ستسمح لهم بالنمو والعيش والبقاء على قيد الحياة والتدبر بأنفسهم والتحرر بطريقة مسؤولة اجتماعيًا وبيئيًا.
ومع ذلك، نعتقد أنه يتعين علينا محاربة هذه الأيديولوجية التعليمية التي تتسلل حتى إلى عقول بعض التقدميين. لماذا؟ ما هي الحجج التي يجب أن نطرحها في مواجهة كل أولئك الذين يرون أنه من الطبيعي أن تقوم المدرسة، قبل كل شيء، بتكوين عمال يتكيفون مع حاجات الشركات، وأن تكون الشركات هي التي تتحكم في التدريب المهني؟
قبل كل شيء، يجب أن نعرف ما الذي نناضل من أجله.
لطالما كانت المدرسة، في كل زمان ومكان، أداة لإعادة إنتاج ظروف وجود المجتمع الذي تنتمي إليه. أولًا، بالتثقيف الأيديولوجي والفكري للطبقات السائدة. ثانيًا، بالتنشئة الاجتماعية والشحن الفكري للطبقات الدنيا. ثالثًا، بالانتقاء، وترتيب الهرم الوظيفي، والتدريب المتخصص للعمال المؤهلين. وبإعادة الانتاج بين الأجيال والتبرير الأخلاقي للتفاوتات الاجتماعية. وبنشر المعارف والمهارات الأساسية المطلوبة من جميع العمال والمستهلكين.
إن مسألة تحديد إلى أي مدى تُعتبر خيارات السياسة التعليمية مرغوبة أو قابلة للنقد لا تندرج، بالتالي، ضمن نطاق علم التربية أو علم النفس، ولا حتى ضمن نطاق الاقتصاد أو علم الاجتماع. إنها تندرج ضمن خيار أيديولوجي: هل يجب أن نستسلم للرأسمالية أم نحاربها؟
في الحالة الأولى، يكون التطور الحالي للتعليم مشروع تمامًا. فهو ينتج مواطنين ومستهلكين وعمالًا متكيفين قدر الإمكان مع التغيرات التي يفرضها الاستخدام السائد للتكنولوجيات الجديدة.
في المقابل، إذا اعتبرنا أن المجتمع الحالي — الذي يولد البؤس الاجتماعي والثقافي، والحروب، والاضطهاد، وصنوف التبذير، وتدمير البيئة —، أي هذا المجتمع الرأسمالي، لا يجب «إعادة إنتاجه» بل على العكس يجب محاربته وتغييره جذريًا؛ وإذا اعتقدنا أن التقدم الهائل في تكنولوجيات المعلومات والاتصالات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية يمكن، بل ويجب، استخدامه لتنمية اقتصاد عقلاني وخاضع للرقابة، يركز على الحاجات الأساسية للبشرية وعلى الحفاظ على كوكبها؛ فعندئذٍ يتعين علينا التفكير في تعليم مغاير.
نحن نناضل من أجل تعليم يزود كل فرد، وبمقام أول المهمشين والمستغَلين والمضطهَدين والعاطلين عن العمل ومعدومي السكن، ومعدومي الوطن، ومعدومي الأوراق الثبوتية، والمحرومين من الحقوق، بالمعارف والمهارات التي ستتيح لهم المشاركة الفعالة في تحويل المجتمع.
يجب أن تضمن المدرسة الديمقراطية والمُحررة تعليماً يشمل مجالاً واسعاً من المعارف والمهارات، سواء كانت تقنية أو علمية أو اجتماعية أو أدبية أو فنية. ويجب أن تتيح للجميع إمكانية الوصول إلى ثروة المعارف الكلاسيكية، ومعارف الحوكمة، وفي الفلسفة، والتاريخ، وكذلك إلى تعليم تقني متعدد التخصصات يتيح فهم جميع عمليات إنتاج الثروة في مجتمعاتنا: ما هي المؤسسة الزراعية، وصناعة الصلب، وكيف تعمل مؤسسة مثل شركة السكك الحديدية أو مستشفى، وما إلى ذلك. وأخيرًا، لتحقيق ذلك، يجب أن تقدم تعليمًا يجمع بشكل وثيق بين الممارسة والمعارف النظرية المتينة.
لأنه، كما تلخص لورانس دي كوك، «لا مدرسة عمومية تحررية ما لم تكن أولًا مكانًا لإنتاج ونقل المعارف المستمدة من المعرفة التي تنتجها مختلف التخصصات العلمية²». 2
لذلك نرفض حبس التلاميذ، تحت ضغط السعي وراء التنافسية، في تخصص ضيق. سنصنع منهم عمالا قادرين على التكيف، ليس بتنمية فهمهم للتغيير، بل بتحطيم مقدرتهم على مقاومة التغيير؛ ليس بالتحرر الثقافي، بل بالحرمان من الثقافة. نرفض اختزال التعليم في ما هو ضروري بشكل صارم لحاجات الاقتصاد! نرفض إرسال أطفال الطبقات الشعبية إلى المصانع والشركات دون أن نسمح لهم باكتشاف العالم بمجمله! ونرفض أن نأتمن أرباب العمل على تعليم أطفالنا، فهم لا يسعون إلا إلى هدف واحد: الربح!
كما يجب أن تسعى المدرسة الديمقراطية والمُحرِّرة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية في الوصول إلى المعرفة والشهادة، وبالتالي إلى التنوع الاجتماعي في هياكلها. وهذا له مستتبعات على صعيد تنظيمها: إنهاء السوق المدرسي، ورفض التوجيه المبكر. والأهم من ذلك، أن هذه المدرسة تحتاج إلى الموارد اللازمة: بناء المعنى مع جميع الأطفال، وبناء علاقة إيجابية مع الأماكن والمعارف وانضباط العمل المدرسي؛ وهي شروط يجب توفيرها منذ الصغر وفي ظروف ملائمة؛ أي حوالي خمسة عشر تلميذاً في كل فصل للصغار، وفقاً لدراسة «ستار» الأمريكية. وأخيرًا، لا ينبغي تقليص الوقت المدرسي بل زيادته، لأن أطفال الطبقات الشعبية، من جانبهم، ليس لديهم مكان آخر لاكتساب هذا النوع من المعرفة، التي لا غنى لمجتمع ديمقراطي عنها.
ستضمن المدرسة أيضًا، في ظل هذه الشروط وحدها، إمكانية إقامة ديمقراطية حقيقية، التي تتطلب في الواقع مواطنين/ت متعلمين/ت، قادرين/ت على استيعاب النقاشات المجتمعية بسرعة بكل تعقيداتها، وفهم جذورها التاريخية، والعوامل التكنولوجية المحددة لها، والتحديات البيئية، والآثار الاقتصادية والاجتماعية.
على العكس من ذلك، فإن المدرسة التي تصورها جماعات الضغط التابعة لأرباب العمل، والتي وصفناها باستفاضة في هذه الصفحات، تثير قشعريرة فينا. لا يمكننا الاكتفاء بتدريب الشباب على مهارات غامضة، سواء كانت تلك «المهارات الصلبة» الأساسية أو «المهارات الناعمة» التي ينتظرها عالم الأعمال بفارغ الصبر. فالمدرسة التي تركز على الكفاءة ليست مدرسة للنجاح. فمدرسة النجاح ليست تلك التي لا ينجح فيها سوى من كان لديهم، منذ البداية، كل فرص النجاح. إن مجرد تراكم المهارات لا يشكل تعليماً. واكتساب الصفات التي تجعل المرء قابلاً للتوظيف لا يقارن بـ«رأس مال» متكامل من المعرفة. فالمدرسة الخاضعة لقيود السوق هي مؤسسة للترويض الاجتماعي، وليست بوتقة للمواطنة الديمقراطية. المدرسة الإنتاجية هي، أكثر من أي وقت مضى، مؤسسة لإعادة انتاج الواقع القائم.
مؤامرة واسعة النطاق؟
في مواجهة التواطؤ الواضح بين صانعي القرار السياسيين وكبار رجال الأعمال على الصعيد العالمي، لا بد من توضيح الأمور. قد يشعر القراء بوجود مؤامرة واسعة النطاق، حتى على المستوى الأوروبي المتواضع. هل «اشترت» حفنة من الصناعيين معظم وزراء التعليم؟ هل تطور المفوضية الأوروبية سراً خططاً دبرتها عصابة من مجهولي الهوية المختبئين في أقبية «المائدة المستديرة للصناعيين»؟ هل تلقت الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية رشاوي بمليارات لتلبية مطالبهم؟
لو كان الأمر كذلك، لما كانت الأوضاع خطيرة إلى هذا الحد في النهاية. يكفي فضح المتآمرين، وكشف مكائدهم للعيان. بعد ذلك، وتحت ضغط الرأي العام الغاضب وبفضل مزايا مؤسساتنا الديمقراطية، لا شك أن المدارس العامة ستُنقذ بسرعة.
للأسف، الوضع أسوأ بكثير! لا توجد مؤامرة: كل شيء يحدث علانية. يتم إعداد المسودات الأولى للتحليلات والاستراتيجيات من قبل جماعات الضغط التابعة لأرباب العمل، مثل ERT، أو من قبل مكاتب الاستشارات التابعة لهم، مثل ماكينزي. بعد ذلك، تتولى المنظمات عبر الوطنية الكبرى، مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والبنك الدولي، هذه المسألة وتصدر تقارير رسمية متعددة توصي تحديدًا بما طالب به أرباب العمل. ثم تمنحها أصوات أكاديمية متواطئة صفة الحقيقة العلمية. ثم تظهر تلك التحليلات والتوصيات نفسها، التي صاغتها المفوضية الأوروبية، في الوثائق التحضيرية لمجالس الوزراء، قبل أن تُرفع بدورها، دون تغييرات جوهرية، إلى مستوى قرار من المجلس الأوروبي. وبما أن التعليم مجال تحتفظ فيه الدول الأعضاء بسيادتها، فسيتم تطبيق آلية التنسيق المفتوح (MOC) لتنفيذ ما يُسمى بـ«التوصيات» في كل بلد.
ومع ذلك، وبغض النظر عن كل هذه الجهات الفاعلة وجميع هذه الإجراءات، فإن المدرسة، في نهاية المطاف، لا تفعل سوى التكيف مع تحرير سوق العمل الذي ينجم، بدوره، عن العمل المشترك لأزمة اقتصادية غير مسبوقة وتقنيات تجعل من الممكن حدوث تطورات حاسمة مثل الإنتاج في الوقت المناسب (just-in-time) والعولمة.
تلزم عودة مفيدة إلى ماركس لفهم ما الذي يحرك التطور الحالي في الأسس المادية للمجتمع. ومرة أخرى، يتعارض التطور المتسارع لقوى الإنتاج — من تقنيات ومعارف وأساليب عمل — مع علاقات الإنتاج القائمة. ويمر التطور نحو توازن جديد بظهور نظريات وخطابات تهدف إلى مرافقة هذا التحول وتبريره. وهذا هو الدور الذي تلعبه اليوم الأيديولوجية النيوليبرالية، أو ما يُسمى بـ«الفكر الوحيد». وهي بلا شك قوة فعالة، ومحفز قوي للتغيير. لكن يجب ألا يجعلنا هذا ننسى أن هذا التغيير، في نهاية المطاف، تمامًا مثل الأيديولوجية التي تحمله، يجدان جذورهما في الظروف الاقتصادية الخاصة بعصرنا. لم تكن مجتمعنا قد سعت قط إلى ضمان وصول متساوٍ للمعرفة لجميع الشباب؛ ولم تفكر أبدًا في رفع مستوى التعليم لجميع السكان بشكل مستمر وواعٍ.
تتطلب علاقات الإنتاج فصلاً واضحاً بين المنفذين وصانعي القرار، وبين العمال والمالكين. ولا بد أن تعكس المدرسة هذه الثنائية الأساسية، وإلا فإنها ستدخل في تناقض عنيف مع الأسس هذا المجتمع ذاتها.
بيد أنه من الصحيح أن تكييف التعليم مع حاجات رأس المال كان يتيح، في بعض العصور، مجالاً أكبر لقدر من الديمقراطية، التي ظلت دائماً جزئية ومتزعزعة. وهذا هو ثمرة التناقضات الداخلية الحتمية للرأسمالية. ولإدماج الطفل في المجتمع في نهاية القرن التاسع عشر، كان لا بد أيضًا من إلحاقه بالمدرسة وتعليمه. ولجذب «أفضل» أطفال الشعب نحو برامج التدريب المهني المتخصصة خلال النصف الأول من القرن العشرين، كان ثمة اضطرار إلى منحهم شهادة ومؤهلًا معترفًا بهما، يمنحانهم الحق في راتب أفضل قليلاً. ولحث المزيد من الشباب على متابعة دراسات عامة أطول مدة، ولتلبية حاجات النمو المحددة إبان «الثلاثين عاماً المجيدة»، كان لا بد من تعميم التعليم الثانوي باستثمار موارد عامة كبيرة فيه.
كما حدث أيضًا، في سياقات معينة، أن تمكنت الحركة العمالية والحركة النقابية والقوى التقدمية من استغلال هذه التناقضات لفرض إصلاحات هيكلية على النظام التعليمي، وتمويل أكثر سخاءً، وتعديلات على المناهج الدراسية تجاوزت مصالح الطبقات السائدة، بل وحتى عارضتها جزئيًا. ومن أمثلة ذلك خطة لانجيفين-والون في فرنسا، في سياق ما بعد الحرب مع وجود الحزب الشيوعي الفرنسي (PCF) في موقع قوة؛ والمشاريع الأولية لإصلاح التعليم الثانوي في بلجيكا، في عهد وزارة ليو كولارد عام 1958.
وقد استنتج البعض، خطأً، أنه يمكن أن يوجد، في ظل نظام الرأسمالية، حق في التعليم، وحق في المعرفة، وحق في الحصول على الشهادة والمؤهلات، في حين لم يكن هناك سوى الأثر الثانوي، المفيد ولكن العرضي، للحاجة إلى التنشئة الاجتماعية، وتكوين اليد العاملة، وتلقينها، وتدريبها لتكون قوى عاملة تنافسية ومتنوعة. والآن، بعد أن أصبحت الظروف الاقتصادية تسمح – بل وتفرض – على أصحاب الثروة تصحيح هذه الآثار الثانوية، فمن الخطأ الشديد أن نتفاجأ أو نشعر بالإهانة. لأن أرباب العمل لا يفعلون سوى ما فعلوه دائمًا: تكييف المدرسة مع حاجات رأس المال.
وكما يلاحظ صموئيل جوشوا، أستاذ علوم التربية في جامعة بروفانس، فإننا نعيش في عصر ملاءمة الخيارات التعليمية مع عملية «العولمة» التجارية. […] هناك من يخوضون هذه المعركة بحماس لتعزيز القيم التي تنطوي عليها، وهناك من يخوضونها بطريقة مخزية، معتبرين هذه القيم حقائق واقعية لا مفر منها، لا بد من التعايش معها.3
جدلية النضال
هل كل هذا أمر حتمي؟ إن العوامل الاقتصادية المؤثرة هنا تبدو بالتأكيد كدَكَّاك، لكن مسار التاريخ ليس خطياً. إن تدمير المدرسة العمومية وطموحاتها الديمقراطية، وتفريغ محتوى التعليم الإلزامي من مضمونه، وظروف العمل التي تزداد صعوبةً يوماً بعد يوم، وتدهور وضع المعلمين، كل ذلك يؤدي حتماً إلى إثارة ردود فعل ومقاومة ونضالات. وتتطور معارضة التسليع بنفس الحتمية الصلبة التي تتسم بها عملية التسليع نفسها. وهنا أيضًا، تغرق الرأسمالية المتقدمة في التناقضات وتنتج حتمًا من سيقومون بدور حفاري قبرها.
وبالتالي، فإن مستقبل التعليم لم يُكتب بعد. سيكون ثمرة هاتين القوتين المتعارضتين، ونتيجة صراعهما.
لذلك، يجب ألا نستسلم للمدرسة النيوليبرالية ولا أن نخدع أنفسنا بإمكانية منعها. مهما كانت النتيجة على المدى القصير، فإن النضال ضد المدرسة المفككة، والمتقاطبة، والمُفقرة، و«المُسلعة» هو مرحلة ضرورية في الكفاح الشامل من أجل إقامة مجتمع أكثر عدالة وإنسانية، وهو بدوره الشرط الأساسي لتعليم مُحرر حقًا، ولمعرفة مُتشاركة حقًا. إن النضال من أجل نظام تعليمي ديمقراطي، سواء من خلال تحقيق انتصارات جزئية أو كبح الإصلاحات التي تسعى إليها السلطة، يثير التناقضات داخل النظام ويسهم بذلك بشكل حاسم في تسريع انهياره.
أشكال وأماكن المقاومة متعددة. يجب النضال ضد الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الدولية التي تدفع بتطور المدرسة نحو التوجهات السوقية، وضد الحكومات التي تهيئ الظروف المواتية لذلك، وضد بعض السلطات التنظيمية، مثل هيئات التفتيش والإدارات، التي غالبًا ما تكون متواطئة أو منفذة متحمسة. يجب أن نكافح الزملاء الذين يقفون مكتوفي الأيدي، وأولياء الأمور الذين يرددون خطاب أرباب العمل ظناً منهم بأنهم يؤمنون مستقبل أطفالهم، والتلاميذ الذين يكونون أحياناً سعداء للغاية بتخفيض المعايير. وأخيراً، يجب أن نكافح أنفسنا، لأن لا أحد في مأمن من الإحباط، أو الانكفاء على الذات، أو الآثار المهدئة للضغط الأيديولوجي السائد.
كل فرد ينضم إلى المقاومة بطريقته الخاصة. فالمناضل-ة النقابي-ة منذ أمد بعيد سيدافع عن المدرسة ضد هجمات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والمفوضية الأوروبية، لأنه يتمتع بوعي راسخ بأهمية الخدمة العامة.
أما أستاذ الجامعة فسيشعر بالقلق إزاء التهديدات التي تحيق بحريته الأكاديمية. وسيخشى الباحث أن يصبح بقاء أبحاثه رهناً بجدواها الاقتصادية. وسيشعر مدرس التدريب العملي في التعليم المهني بأن خبرته ومهمته قد سُلبتا منه، حيث تم تحويلهما لصالح مدربين قادمين من عالم الشركات.
سيشعر معلمو المواد العامة بالغضب من انخفاض مستوى طلابهم. وسيحاول معلمو المدارس الابتدائية معارضة استخدام الدروس «التي ترعاها» العلامات التجارية.
أحد التحديات الرئيسية هو بالضبط توحيد هذه النضالات.
يتعين جعل الأكاديميين، وأساتذة المدارس الثانوية، ومعلمي المدارس الابتدائية، وكذلك أولياء الأمور، والتلاميذ، والطلاب، يدركون أن غضبهم يجب أن يتحد في مقاومة مشتركة. غير أن الشرط الأول لهذا الاتحاد هو الوعي بالعملية الجارية، وفهم آلياتها والقوى التي تدفعها.
نأمل أن تكون هذه الصفحات القليلة قد ساهمت في ذلك.
المصدر: À l’école du capitalisme par Cécile Gorré et Nico Hirtt, Éditions Agone
ترجمة؛ جريدة المناضل-ة
اقرأ أيضا

