اندماج فيدرالية اليسار: ماذا سيضيف لقضية تحرر الكادحين؟

Print Friendly, PDF & Email

 

 

بقلم، وائل المراكشي

تكسرت وحدة الحركة الوطنية البرجوازية على صخرة تمسك الملكية بمطلق صلاحيتها منذ وقت مبكر بانشقاق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عن حزب الاستقلال، ومداك جرت محاولات كثيرة للتنسيق والوحدة: الكتلة الوطنية بين حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية 1972، الكتلة الديمقراطية 1992، فيدرالية اليسار الديمقراطي بعد حراك 2011، والآن مشروع اندماج أحزاب الفيدرالية في حزب واحد.

أكد المؤتمر الأخير للحزب الاشتراكي الموحد ضرورة اندماج أحزاب الفيدرالية الثلاثة (الاشتراكي الموحد، المؤتمر الاتحادي، الطليعة الديمقراطي الاشتراكي) في حزب واحد.

استجاب المؤتمر الوطني والطليعة بكل تلقائية لتوصية مؤتمر الحزب الاشتراكي الموحد، فلا فرق جوهري بين الأحزاب الثلاثة ما دامت تمثل تنويعات لنفس المنظور الاتحادي القائم على العمل داخل مؤسسات الاستبداد من أجل دمقرطتها. فما مبرر عدم الاندماج ما دام المنظور واحدا.

هل سيضيف الاندماج الحزبي جديدا نوعيا من منظور تحرر الكادحين من سلطة الاستبداد (الديمقراطية) ومن الاستغلال الرأسمالي (الاشتراكية).

حلم بإعادة السيناريو الاتحادي

تؤكد وثيقة «الأفق الجديد» التي فازت بأغلبية مؤتمر الاشتراكي الموحد الأخير أن الاندماج استجابة لـ»حاجة موضوعية من أجل استكمال مهام النضال الديمقراطي».

يوهم هذا الكادحين على أن النضال الديمقراطي حقق مهاما وجب استكمالها، لأنه توقف في نقطة معينة. يعني هذا أن النضال الديمقراطي بالنسبة لأحزاب الفيدرالية توقف لحظة قبول أغلبية أحزاب الكتلة الديمقراطية بدستور 1996 والمشاركة في «حكومة التناوب».

لقد خلفت مشاركة الاتحاد الاشتراكي في حكومة الواجهة سنة 1998 فراغا يزداد بقدر توغل الاتحاد الاشتراكي في خدمة الاستبداد ومواصلة الهجوم النيوليبرالي، وهو ما لم تخفيه «الأفق الجديد»: «يتعلق الأمر بخلق كيان حزبي قادر على سد خصاص مريع قائم». إنها رغبة في حيازة الإرث الاتحادي، الذي خانه الاتحاد الاشتراكي بقبوله المشاركة في «حكومة التناوب التوافقي».

تتمنى الأحزاب الثلاثة، إعادة التجربة الاتحادية بحذافيرها كما صاغها بوعبيد منذ 1975، أي تجميع أكبر قدر ممكن من معارضي الملكية التنفيذية من وجهة نظر مصلحة أقسام البرجوازية المتضررة من احتكار الملكية للسلطة السياسية وفرص الاغتناء الاقتصادي: «يجب ألا يظل، في المغرب، كيان أو تيار أو بؤرة فعل، ذو خلفية ديمقراطية ويسارية تقدمية حقيقية، بعيدا عن اهتمامنا وسعينا للتجميع». [أرضية «الأفق الجديد»].

تكرار منظور العمل داخل المؤسسات قصد توسيع هامش الديمقراطية الذي يمنحه الاستبداد بتقتير، ومراكمة التحسينات في أفق بلوغ ما يطلق عليه الاشتراكي الموحد «الديمقراطية الحقة» مجسدة في ملكية برلمانية، توضح وثيقة الأفق الجديد هذا بقول: «هناك طلب حاد، في المغرب، على خلق حزب جديد، حزب يساري ديمقراطي، حزب المؤسسات».

من يطلب هذا النوع من الأحزاب، أكيد أنه ليس العمال والكادحون، فهؤلاء في حاجة إلى حزب من طبيعة أخرى، حزب العمال الاشتراكي الثوري المبني على نقابات مكافحة. أما ما يطلق عليه هؤلاء «العرض الحزبي الجديد» فهو مطلب مثقفي وسياسيي البرجوازية، معارضي الملكية التنفيذية الساعين إلى إقرار تقاسم السلطة معها وإنماء رأسمالية نقية من شوائب الريع.

منظور انتخابي

يريد هؤلاء حزبا عريضا يعمل في إطار ما تسمح به قوانين الاستبداد، حزب مستند على نقابات تسيطر عليها قوى سياسية برجوازية، نقابات «مواطنة واقتراحية»، نقابات السلم الاجتماعي.

مادامت الأحزاب الثلاثة متفقة على إنشاء حزب مؤسسات، فإن واجهة العمل السياسي الرئيسية هي الانتخابات، وهو ما تؤكده بجعلها الانتخابات المقبلة سقفا زمنيا للاندماج: «إننا نتصور أن العرض السياسي الجديد سيكون جاهزا سنة قبل موعد الانتخابات المقبلة، لذلك يتوجب علينا بذل كل المجهودات الضرورية الكفيلة بإنجاح هذه الخطوة في هذا الأجل». [أرضية «الأفق الجديد»].

وهكذا سيكون «استكمال مهام النضال الديمقراطي» عبر الوصول إلى موقع التسيير الحكومي، لكن شرط «توفر وسائل أغلبية منسجمة». [أرضية «الأفق الجديد»]. إنه الحلم البرجوازي الموءود بسبب تمسك الملكية بمطلق سلطاتها، بداية بحزب الاستقلال مرورا بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية انتهاء بالاتحاد الاشتراكي قبل استسلامه للملكية.

ما موقع نضال الكادحين من مشروع الحزب الجديد؟

إنه نفس المنظور الاتحادي القديم؛ تنبيه الحاكمين من مغبة النضال الشعبي، مع استغلال هذا الأخير لابتزاز تنازلات من الاستبداد. ظهر هذا جليا في حراك الريف ومؤخرا في حراك جرادة.

تقديم النصح للدولة بأن التعامل القمعي سيؤدي إلى تأجيج الأوضاع وانتقال الاحتجاجات لمناطق أخرى، وهذا ما يتفاداه هذا «اليسار». [نبيلة منيب].

لا جديد إذن تحت شمس التكتيك البوعبيدي: مناوشة النظام عبر التحكم في النضال الشعبي، والاستئثار بقيادة منظمات العمال وخرطها في سياسة النظام الداخلية (الامتناع عن مواجهة سياسة النظام وعزل النقابة عن النضال الشعبي) والخارجية (التمسك بمغربية الصحراء، مع تأكيد أن دمقرطة النظام ستخدم طرحه في المنتظم الدولي).

ما موقف الثوريين؟

يؤدي غياب حزب عمالي اشتراكي ثوري إلى توجه الطلائع التي تفرزها النضالات نحو الأحزاب التي تدعي المعارضة، كما أن الطور الابتدائي لنضال الجماهير وأوهام إمكان إصلاح الوضع تحت نفس النظام توجهها للالتحاق بهذه الأحزاب. يعتبر ذلك خطوة جبارة نحو الأمام مقارنة بالسلبية السياسية والخمول النضالي.

إن استئساد الاستبداد وإصراره على سياسات التفقير التي تلقي بملايين الكادحين في مهاوي البؤس والجهل، تفرز اقتناعا بضرورة النضال ضده، وبديهي أن الثوريين يستحسنون أي توحيد سياسي لأي قوة معارضة، فالخطوة الصغيرة نحو توحيد القوى أفضل من التشتت.

لكن هذا الاستحسان لا يعني سكوتنا عن حقيقة هذه القوى السياسية ولا مسايرة منظوراتها. فدور الثوريين هو قول الحقيقة كما هي للمناضلين وللجماهير الكادحة، ومساعدتها على فهم طبيعة الأحزاب والمصالح الطبقية التي تدافع عنها.

سيكون الثوريون دوما في مقدمة النضال من أجل الديمقراطية إلى جانب هذه القوى لو كانت فعلا تسعى لنضال حقيقي من أجل ديمقراطية حقيقية.