تشوده قائد “جيش الرجل الفقير”

Print Friendly, PDF & Email

تشوده اسم لمع في سماء الثورة الصينية.. لكن القليل منا سمع به كما سمعنا بماو أو استشهد بمقتطف من خطاباته كما استهلكت خطابات زعماء آخرين في الحركة الشيوعية العالمية.

يرجع الفضل إلى الصحفية والمناضلة الأمريكية إغنس سيمدلي التي صاحبت الجيش الأحمر وحاورت الجنرال تشوده لتؤلف من تلك الحوارات كتابا تحت عنونا “الطريق العظيم، حياة تشوده وعصره” الصادر عن مؤسسة الأبحاث العربية”، صدرت طبعته العربية الأولى سنة 1982“.

إن تاريخ الثورة الصينية هو تاريخ حياة هذا المناضل من أجل انتصار الثورة. اختلطت لحظات انتصارها وهزائمها مع كل لحظات حياته. بدأ حياته الثورية بحثا عن جواب لتخلف الصين الذي جعلها رهينة الأطماع الأجنبية، وكان متأكدا أن الحكم الإمبراطوري عقبة كأداء أمام تحرر الصين.

تناهت إلى أسماعه حكايات ثورة “التايبينغ أو جيش السلام العظيم” في القرن التاسع عشر ضد حكم الإمبراطور وضد الإقطاعية في الصين، لكنها انهزمت. وكذلك انتفاضة الملاكمين التي اندلعت سنة 1900 وتم إخمادها وفرضت تعويضات باهضة لصالح القوى الاستعمارية التي ساعدت الإمبراطورية على قمع هذا التمرد.

نظرا لخصوصية التاريخ السياسي للصين القديمة التي تميزت بالانتفاضات المسلحة، تجذر أسلوب الكفاح المسلح من أجل تخليص الصين من الإقطاعية والتبعية للخارج.

التحق تشوده بالأكاديمية العسكرية وبعد تخرجه سنة 1911 التحق بصفوف الكيومنتانغ، حزب البرجوازية آنذاك بزعامة صون يات صن، وشارك في ثورة 1911 التي قادها هذا الحزب من أجل إسقاط الحكم الإمبراطوري. إلا أن تعويل صن يات صن على دعم الدول الغربية وغرقه في التحالف مع جزء من أمراء الحرب أدى إلى هزيمة الثورة، وتولي يوان شيه كاي للحكم وإعلانه إمبراطورا بدعم من الدول الإمبريالية.

بعد هزيمة ثورة 1911 بقيت مهام الثورة عالقة وتجزأت البلاد وتعممت ظاهرة أمراء الحرب، تركة يوان شيه كاي في الصين التي غذتها الأموال الأجنبية.

وجد تشوده نفسه طرفا في تلك النزاعات المسلحة بين أمراء الحرب، قائدا جيش أحد أولئك الأمراء بتوصية من الكيومنتانغ، فهاجر إلى ألمانيا سنة 1922 هربا من ذلك المأزق وللإطلاع على تجربة الغرب ودراسة كيفية إفادة الصين لتجاوز عقبات التقدم؛ فقد كان يتصور أوربا منارة العلم والتقدم والحقوق الإنسانية.

اكتشاف حدود الرأسمالية

كان تشوده نموذج شباب البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة الذين رأوا في البلدان الغربية والرأسمالية ترياق الخلاص من التخلف والإقطاعية والاستبداد. وكان في بدايات نضاله بعيدا كل البعد عن الاشتراكية والماركسية والشيوعية. فقد كانت شعارات صن يات صن والكيومنتانغ هي التي تأسر الشبيبة آنذاك؛ “لم يكن بمقدور نادينا الثقافي في لوجو أن يتصور أن البروليتاريا تستطيع قيادة الثورة. لم يكن بين أيدينا أي أدبيات ماركسية سوى المقالات التي تنشر في المجلات، كنا نتصور فقط البروليتاريا على أنها الخدم والعتالين وعمال الملح الذين لم يكن بمقدورهم أن يكتبوا أو يقرأوا. كنا متربكين، لأن الكتاب الشيوعيين الذين كانوا يبشرون بالماركسية كانوا هم أنفسهم أساتذة جامعات مرموقين، وطلابا ومثقفين ولم يكونوا عمالا. كانت أكثر الأفكار التي أثرت في نادينا الثقافي هي الأفكار المتعلقة بالمساواة العرقية والقومية وحق الشعوب الخاضعة للاستعمار بالاستقلال، والتطورات الصناعية والثقافية في البلاد”.

ذهب تشوده إلى ألمانيا ليدرس الحضارة الأوروبية، التي تضم المؤسسات الصناعية والثقافية التي أعطت أوروبا القدرة على احتلال بلاده والبلدان الأخرى، فاكتشف العكس؛ “بعد أن أصبحت أعرف برلين مثلما أعرف راحة يدي وبعد أن بدأت أزور المدن والمؤسسات الصناعية الأخرى بدأت أفقد اعتقادي السابق بأن الرأسمالية قد تنقذ الصين”.

وقف بالعين المجردة على التناقضات التي تنخر العالم الرأسمالي الأوروبي؛ “في كل مكان ذهبت إليه كنت أرى عالما قاتما من الألم… وقد أدركت بعد أن نزلنا في فرنسا بأن أوروبا لم تكن فردوسا للعلوم الحديثة كما كنت أتصور. كان العمال الفرنسيون أفضل تغذية وملبسا من العمال الصينيين، ولكنهم كانوا رغم ذلك أشباحا، وكانت الحكومة الفرنسية سوقا تجارية حيث يساوم الموظفون ويبيعون ويشترون”.

في ألمانيا انخرط مع الشبيبة الشيوعية وأصبح عضوا في الحزب الشيوعي الصيني وشارك في جميع نضالاته ضد الأطماع الأمبريالية وعملها لتقاسم الصين.. حيث تعرض لمضايقات الشرطة الألمانية والاعتقال، ليعود سنة 1926 إلى الصين عشية الثورة الصينية الثانية.

في وحل التبعية والذيلية للكيومنتانغ

منذ توقيع اتفاقيات الصداقة الصينية- السوفياتية سنة 1923 وبعد وفاة لينين انعطفت الأممية الشيوعية تحت قيادة ستالين عن مقررات المؤتمرات الأربع الأولى، وفرضت على الحزب الشيوعي الصيني اتباع سياسة ذيلية تجاه الكيومنتانغ وحل تنظيماته العسكرية والانخراط الفردي داخل الكيومنتانغ. وهو ما اعترف به تشوده في تقييمه لتلك السياسة؛ “لقد اقترفنا أخطاء كثيرة في الثورة الصينية وكانت إحداها تعاملنا مع تشانغ كاي شك في كانتون عام 1926”. لكن تشوده كان بعيدا عن تناول السبب الحقيقي المتمثل في إملاءات الكومنترن، ويفسر ذلك التعامل بكون “حزبنا آنذاك كان فتيا وضعيفا تنقصه الممارسة والخبرة وكنا حزبا من عدة أحزاب ومجموعات أخرى في الجبهة الوطنية المتحدة…”.

وفي الأممية الشيوعية ولتبرئة الخط الرسمي الذي كان يرعاه ستالين وبوخارين، جرى اتهام المنفذين المباشرين لسياستهم في الصين بالانتهازية، التي فلتت فرصة كبيرة للحفاظ على البرجوازية الوطنية إلى جانب الثورة، وهو ما أكده ماو تسي تونغ: “يمكن القول بأن الحرب الثورية في الأعوام 1924- 1927، جرت في ظروف كانت البروليتاريا العالمية والبروليتاريا الصينية وأحزابها، تمارس فيها تأثيرا سياسيا في البرجوازية الوطنية الصينية وحزبها وتقيم تعاونا سياسيا معهما. ولكن في فترة حرجة من الثورة والحرب، لا سيما بسبب خيانة البرجوازية الكبيرة ولأن الانتهازيين في الصفوف الثورية تخلوا عن قيادة الثورة من تلقاء أنفسهم، انتهت هذه الحرب الثورية بالهزيمة”. [ماو تسي تونغ، كتبات عسكرية، دار بان سينا، بيروت، الطبعة الأولى 1967، ص 112].

   برز ضخامة المسألة الزراعية في هذه الثورة بقيام “الجمعيات الفلاحية في كل مكان ووضعت يدها على القرى وقام بعضها بمصادرة الأراضي وتقسيمها بين الفلاحين. وبالرغم من أن حكومة الكيومنتانغ كانت تعارض هذه الإجراءات، لكن الفلاحين لم يعيروا معارضتها اهتماما. وكان تشيانغ كاي تشك، القائد العام للحملة الشمالية يحارب الشيوعيين والراديكاليين في الجمعيات الفلاحية والاتحادات العمالية، كما كان يطالب بقمع الدائرة السياسية في الجيش”.. و”قد ضم الجنرال تشوده صوته إلى الأصوات التي تنادي بتسليح الجماهير في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الصين بغض النظر عما ينصح به أو لا ينصح به المستشارون الروس. وقد ركز رأيه حول مشكلة الأرض وحركة الفلاحين اللتين كان يعتبرهما قاعدتين أساسيتين للنضال الثوري. لكن الأممية الشيوعية رفضت ذلك المطلب الهام بتسليح العمال والفلاحين لئلا يصبح سببا في شق الجبهة المتحدة مع الكيومنتانغ”. وكان مبرر الأممية الشيوعية آنذاك الخوف من أن يكرس الانشقاق عودة الإقطاعية والإمبريالية.

كان لهذه السياسة المفروضة من طرف الكومنترن عواقب مأساوية على الثورة الصينية الثانية وعلى الحزب الشيوعي الصيني والحركة العمالية الصينية، ففي فبراير 1926 قاد تاشنغ كاي تشك انقلابا، واختفى قادة الجناح اليساري في الكيومنتانغ وقادة الحزب الشيوعي والمستشارون السوفيات. وبعد ذلك أغرق في الدم انتفاضة شنغهاي وكانتون سنة 1927.

الثورة الزراعية

بعد هزيمة الثورة الصينية الثانية، وفي سنة 1929 أسس تشوده سوفييتا في إحدى المناطق المحررة والتقي بماو تسي تونغ، وجرى التراجع إلى الجبال لإعادة تنظيم الجيش الأحمر الذي عين تشوده قائده العام بينما شغل ماو وظيفة مفوضه السياسي.

بدأت حرب استنزاف طويلة الأمد حيث حاصر الكيومنتانغ مدعوما بالدول الإمبريالية المناطق المحررة من طرف الجيش الأحمر… إن ما يعتبره البعض سمة خاصة بالماوية ليس إلا تطبيقا فريدا لازدواجية السلطة التي تظهر إبان أي ثورة، تطبيقا فريدا على المجتمع الصيني المجزأ سياسيا وغير الخاضع للاستعمار المباشر والسائد فيه اقتصاد فلاحي متأخر وهي السمات التي حللها تشوده في حواره مع مؤلفة الكتاب.

وهي سمات نضال لا يمكن تعميمها دون فهم خصوصيات الصين التاريخية والاجتماعية كما فصلها ماو ذاته، الذي قال أن “حصول هذه الظاهرة استلزم أسبابا فريدة”، كان أهما: “لا يمكنها أن تحصل إلا في بلاد متأخرة اقتصاديا، شبه مستعمرة، كالصين الخاضعة لسيطرة الاستعمار غير المباشرة”. [ماو، كتابات عسكرية…، ص 11].

أما تكتيكات الكفاح المسلح فليست ابتكارا خاصا بالشيوعيين الصينيين، “ولم يتخذ الحمر عندما خاضوا المعركة ضد قوة عددية أكبر حجما منهم تكتيكا اخترعوه ليلائم أرض المعركة وإنما استفادوا أيضا من تكتيك الجيوش الصينية والمنغولية من العصور الغابرة، ومن جيوش التايبينغ في القرن التاسع عشر ومن التجارب التي اكتسبوها بأنفسهم خلال الثورة العظيمة ما بين 1925- 1927 وقد أدهشت هذه التكتيكات قادة الكيومنتانغ الذين درسوا في الأكاديميات العسكرية اليابانية”.

إن ما أضافه الشيوعيون الصينيون هو المضمون الطبقي والاجتماعي لهذه الحرب التحريرية؛ “إن حرب الغوار تحتاج ليس فقط للمعرفة الشاملة بتضاريس أرض المعركة وإنما إلى تأييد عامة الشعب أيضا”. ولنيل ذلك التأييد ينبغي الدفاع عن مصالحهم، وهو ما قام به الشيوعيون في المناطق المحررة حيث نزعوا أراضي كبار الملاك وأمراء الحرب ونظموا الاقتصاد بشكل جماعي، أي أنهم قاموا بعكس ما فرضته عليهم الكومنترن المستلنة إبان ثورة 1925- 1927.

بعد فشل الخط الذي فرضته اللجنة المركزية لحزب الشيوعي سنة 1930 القاضي باحتلال المدن بواسطة الجيش الأحمر، انسحب تشوده مرة أخرى نحو الجبال لتبدأ حملات التطويق والإبادة التي شنها شانغ كاي تشك. وفي سنة 1934 بدأت ملحمة المسيرة الكبرى للجيش الأحمر التي استمرت زهاء سنتين، التي دشنت نهايتها بداية الحرب التحريرية ضد الغازي الياباني

مرة أخرى في وحل الجبهة الوطنية المعادية لليابان

رغم التقييم الصحيح لدور البرجوازية الوطنية الذي خلص إليه تشوده وهذا نصه؛ “لقد شكلت البرجوازية الصينية خلال السنوات العشر التالية على الرغم من أنها كانت مقموعة من الإمبريالية، تحالفا رجعيا مع الإمبريالية الأجنبية ومع الإقطاعية الصينية. واستغلت البرجوازية الصينية وجود تشيانغ كاي شك كرئيس صوري لتخون الثورة وبالتالي لتصبح عدوة الشعب”. رغم ذلك قام الحزب الشيوعي الصيني مرة أخرى بالدخول في جبهة وطنية إلى جانب تشانغ كاي تشك لتوحيد جهود “الشعب الصيني” في نضاله ضد الغزو الياباني.. جبهة مع تشانغ نفسه الذي خاض أكثر من حملة إبادة وتطويق ضد الحمر في الجبال.

جرت في “فبراير 1937 مباحثات بين الحزب الشيوعي والكيومنتانغ.. وجه الوفد الذي كان يضم ماو وتشوده برقية مطولة إلى اللجنة المركزية للكيومنتانغ المنعقدة في نان كينغ ناشدها فيها تشكيل الجبهة المتحدة الوطنية وأعلنوا استعدادهم لتقديم التنازلات على شرط أن يوافق الكيومنتانغ على الإصلاحات الديمقراطية في كل البلاد”.

بلغت التنازلات التي كان الحزب الشيوعي الصيني مستعدا لتقديمها مقابل الجبهة الوطنية مع الكيومنتانغ مستوى إعادة نفس السيناريو المأساوي الذي أدى إلى هزيمة ثورة 1927؛ “ومن أجل النضال ضد اليابانيين فقد عرضوا في برقيتهم التوقف عن مصادرة إقطاعات ملاكي الأراضي وتحويل المنطقة السوفياتية في الشمال الغربي إلى منطقة إدارية خاصة يديرها الشيوعيون تحت قيادة الحكومة المركزية. وأعلنوا رغبتهم في تنفيذ مبادئ وسياسة صن يات صن في هذه المنطقة تنفيذا شاملا”.

لكن رفض تشانغ كاي تشك وحزب الكيومنتانغ أي تنازل فيما يخص نزع سلاح الحمر، أفشل تلك المحاولات لإنشاء تلك الجبهة، فقد كان تشانغ يفضل الغزو الياباني على ما سماه هو “بلشفة آسيا”. وكان الكيومنتانغ يعلن أن “اليابانيين مجرد مرض جلدي في حين أن الشيوعيين مرض في القلب”. وقد تحالف الكيومتناغ أكثر من مرة إبان الحرب العالمية الثانية مع قوات اليابان الغازية من أجل نزع سلاح الجيش الأحمر.

حتى في الفترات التي شهدت تطبيقا للجبهة الوطنية، اندفع الجيش الأحمر وحده لقتال اليابانيين بينما بقي جيش الكيومنتانغ يحاصر المناطق الحمراء ويحافظ على قوات من أجل استعمالها مستقبلا في حالة انسحاب اليايانيين ضد الجيش الأحمر وهو ما وقع لاحقا.

بعد هزيمة اليابان في الحرب وانسحابها من الصين استمرت الحرب بين الكيومنتانغ والحزب الشيوعي الصيني، رغم جسامة التنازلات التي قدمها هذا الأخير من أجل تكوين حكومة ائتلافية. لكن حدة الأزمة السياسية التي تعرفها كل “ازدواجية سلطة” منعت قيام مثل هذه الحكومة ومثل ذلك التحالف بين حزب البرجوازية “الكيومتانغ” وحزب الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين “الحزب الشيوعي الصيني”، مؤكدة هكذا ما حذر منه ترروتسكي في يونيو 1917 حين سعي المناشفة والاشتاركيين الثوريين الحفاظ على حكومة الائتلاف مع البرجوازية. قال تروتسكي مخاطبا مؤتمر سوفييتات عموم روسيا إن من العبث محاولة تحويل الحكومة إلى مجلس مصالحة بين الطبقات “إن مجلس مصالحة لا يمكن أن يمارس السلطة في حقبة ثورية”. [النبي المسلح، دويتشر، ص 284].

انتهت الثورة الصينية التي انطلقت منذ 1911 وعرفت هزائم قاسية بسبب عدم وجود الحزب الشيوعي في البداية وبسبب سياسته الذيليلة تجاه الكيومتانغ في الثورة الثانية. لتنتصر في النهاية باستيلاء الحزب الشيوعي الصيني على السلطة سنة 1949.

تأكد ما قاله لينين عن أن المجتمع الرأسمالي لا وجود فيه لنظام وسيط إما ديكتاتورية البرجوازية أو ديكتاتورية البروليتاريا، وهو ما تنبأ به تروتسكي قبل انتصار الثورة بكثير.

وكذبت الممارسة الثورية العملية في الصين ذاك الإسار النظري الذي حاولت الستالية حجز ثورات البلدان المتخلفة داخلها، وهو إسار تبناه ماو ذاته: “نحن موافقون تماما على قرارات الأممية الشيوعية بشأن الصين. فليست الصين الآن إلا في مرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية. ويشتمل برنامج الثورة الديمقراطية في الصين على خلع الاستعمار وعلى التحرر الوطني الكامل، في السياسة الخارجية، وعلى إزالة البرجوازية الكومبرادورية في المدن وإنجاز الثورة الزراعية وإلغاء العلاقات الإقطاعية في الريف وخلع حكومة الأسياد الحربيين في السياسة الداخلية. يمكن إرساء أساس حقيقي للانتقال إلى الاشتراكية بواسطة هذه الثورة الديمقراطية فحسب”. [ماو، كتابات عسكرية… ص 52]. لكن أكتوبر الصينية تجاوز هذا السقف الديمقراطي ليؤسس دولة عملية- مبقرطة منذ البداية- باشرت إجراءات نزع ملكية الرأسماليين الأجانب والمحليين، وهي إجراءات اشتراكية.

تشوده المناضل

لا ذكر لتشوده قائد الجيش الأحمر رغم دوره الرئيسي في بناء هذا الجيش وقيادته ميدانيا وسياسيا، فقد مر كشهاب في سماء الثورة الصينية، وبهتت صورته أمام عبادة الشخصية التي كرستها الماوية فيما بعد. رغم أن تشوده وماو يشكلان الرافدان الأساسيان للثورة الزراعية الذين اختلطا، وكان ذلك من أهم الأحداث التي كان لها أثرها في تاريخ الصين.

تشابكت حياة هذين الرجلين كأنهما جسم واحد. ولسنوات كثيرة كانت صحافة الكيومنتانغ والصحافة الأجنبية تشير إلى “زعيمي قطاع الطرق الحمر تشو- ماو” وعلى صعيد الجيش الأحمر كانت تنعته بـ “جيش تشو- ماو”. إلا أننا نعرف ماو جيدا ولكننا لا نعرف تشوده.

يرفض تشوده كل نزعة لتقديس البطل الفرد الذي يتمتع بصفات خارقة تجعله شيئا مستقلا عن الجماهير بل يؤكد أن”البطولة هي فكرة قديمة. وقد صعد الأبطال في الماضي بأشخاصهم فوق الجماهير، وكانوا غالبا يحتقرون الجماهير التي صعدوا على أكتافها.. وقد حاولوا أحيانا- استعبادها. إن الجيش الأحمر يجسد فكرة جديدة في البطولة، إننا نخلق أبطالا جماهيريين في الثورة، ليس لهم مصلحة ذاتية ويرفضون الوقوع  في دبق الإغراءات وهم على استعداد أن يموتوا من أجل الثورة أو أن يحيوا ويقاتلوا حتى يتحرر شعبنا وبلادنا”. إنه تنبؤ بمصير الثورة الصينية حيث “سيصعد” ماو بـ”شخصه فوق الجماهير ليحتقرها بعد أن صعد على أكتافها”.

يعود إيمان تشوده بدور الجماهير الحاسم لسماته السياسية فهو كما وصفته زوجته كانغ كه تشين ؛ “ربما كانت إحدى سماته الكبرى هي ولاؤه العنيد واستقامته الشخصية وعدم اكتراثه بأي طموحات سياسية شخصية به- وهي الميزة التي أهلته لإخضاع نفسه للسلطة الحزبية المدنية القائدة للجيش”. إنه نفس مضمون شهادة احد أصدقاء صبا تروتسكي في حق هذا الأخير: “كان سلوك تروتسكي محكوم بذاتيته، لكن ذاتيته تحكمها الثورة”. [دوتشر].

في بدايات حياته تخلى تشوده عن منصب حكومي كان سيجعله من صفوة المجتمع متحديا هكذا إرادة عائلته من أجل الصراع ضد تخلف المجتمع الصيني ورجعيته، وتخلى بعد ذلك عن مهنة التدريس من أجل الالتحاق بالأكاديمية العسكرية التي سيتخرج منها رائدا عسكريا وتخلى بعد ذلك عن وظيفته العسكرية ليلتحق بالحزب الشيوعي الصيني ونذر حياته من أجل قضية الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين.

تشوده العسكري

ناضل تشوده- رغم كونه عسكريا- ضد سيادة الروح العسكرتارية داخل صفوف الجيش الأحمر وعمل من أجل دمقرطته وكان وراء التقاسم الوظيفي بين المفوض السياسي والقائد العسكري. وكان يرى خلف كل خطة عسكرية مضمونا طبقيا وإجراء اجتماعيا لصالح الكادحين الذين يخوضون الثورة والكفاح المسلح.

وقد دأب تشوده على عقد الاجتماعات العامة حيث يتم تحليل المعارك أو الحملات السابقة ويشترك فيها كل قائد وكل مقاتل. وكانت الرتب تختفي وكان للرجال الحق الكامل بحرية الكلام. “وكان الجنرال تشو يضع أهمية قصوى على هذه الاجتماعات. وقد قال معلقا: “إن هذه الاجتماعات تطور الرجال في جميع المرافق، كما كانت تحافظ على أن يظل الجيش ديمقراطيا”.

ليست الإضافة النوعية هي التكتيكات العسكرية التي أتقنها تشوده جيدا، فهذه التكتيكات كانت سائدة على كل حال في كل التاريخ العسكري للصين وللشعوب الأسيوية؛ فالكمائن والخداع والانسحابات الزائفة وضرب العدو في نقط ضعفه وتفادي نقط قوته والخلط بين حرب الأنصار والحرب النظامية كلها كانت معروفة لدى الصينيين والمغول لمئات السنين. لكن فرادة هذه الحرب التي خاضها الجيش الأحمر الصيني بقيادة تشوده هي عمقها الإنساني ومضمونها الطبقي.

“مرة أخرى يتبع تشوده خطة يضعها الفلاحون”.. هكذا علقت إغنيس سميدلي على تعلم تشوده من الفلاحين وانسايقه وراء آرائهم فيما يخص خوض المعارك وهذا مثال معبر عن بعض تلك الحالات:

“في الطريق التقى مجموعة من الفلاحين كانت داخل تشن هسيان.. أبلغوا تشوده بأن “ستا من السرايا الإحدى عشر التابعة لقوات أمير الحرب تانغ والموجودة في تشن هسيان لم يكونوا من المرتزقة وإنما هم من تلاميذ المدارس الابتدائية والمتوسطة الذين تم تجنيدهم وألحقوا بفرقة التدريب ويعاملون بصورة جيدة، وبعضهم فخور بأنه سيصبح ظابطا. وقد غادرت هذه الكتائب الست تشن هسيان وزحفت على أي تشان لمقاتلتكم.. إنها معركتهم الأولى.. فهم يعتقدون بأنكم مجرد قطاع طرق. فإذا ما تسرب الخوف إليهم فإنهم سيقاتلون. ولكن لماذا لا تتحدثون إليهم أولا؟ فإذا ما أصروا على القتال فأجهزوا عليهم؟”.. وقد نجحت الخطة في الأخير وانضم رجال تلك السرايا إلى جيش تشوده الذي قام بشرح طبيعة وبرنامج الجيش الثوري للعمال والفلاحين لرجال هذه السرايا.

تنتصر الثورة أيضا بقوة التحريض، حيث تحل الكلمة الحية محل القنابل. وهو ما عرفته الثورة الروسية سواء قبل انتصار أو أثناء الحرب أهلية. يحكي إسحق دويتشر في “النبي المسلح” إحدى اللحظات المجيدة ودور الخطابات اللاهبة: “كان هناك موقع مهم واحد مشكوك فيه: قلعة بطرس وبولس… التي قيل إن حاميتها قد تدعم كيرنسكي… كان ذلك هو الاشتباك الوحيد المتوقع. إلا أن تروتسكي قرر محاولة تحقيق النصر عن طريق الكلمات. وبعد ظهر 23 أكتوبر، مضى في إحدى الشاحنات، يصحبه قائد غير بلشفي لحرس السوفييت، متوجها إلى ما جرى اعتباره المعسكر المعادي. هناك خاطب حامية القلعة ونجح في إقناعها بأن تردد خلفه قسم الإخلاص للسوفييت”.

كان تشوده يؤكد ويصر على ضرورة التثقيف السياسي للجنود فهو لم يكن يرى فيهم مجرد لحم للمدافع وأكد أنه “وفي الوقت الذي كان فيه على رجالنا إطاعة الأوامر خلال المعارك فإننا لم نكن نرغب لهم أن يقبلوا الأوامر ويطيعوها دون فهم. فنحن جيش ثوري شعبي يبني المستقبل”، وانتقد بحدة المثقفين الثوريين الذين “لم يستطيعوا تغيير نظرتهم إلى الجندي الذي ظل في نظرهم مجرد همجي يجب معاملته كما تعامل الحيوانات”..

كان تشوده يقدر حياة كل جندي عكس جنرالات البرجوازية الذين لا يرون في الجندي إلا لحما للمدفع؛ “إن الكيومنتانغ يستطيعون أن يتحملوا خسارة الألوف من رجالهم، ولكن رجالنا ليسوا بيادق في لعبة المتسلطين العسكريين. لقد كنا نثقف كل مقاتل في الجيش الأحمر ليتمكن، في حال هزيمتنا في المعركة، أن يحشد جيشا جديدا يستمر بالثورة. إن كل واحد من رجالنا كان قوة ثورية ثمينة”.

دافع تروتسكي عن موقف مماثل أمام  المؤتمر الأول لسوفييتات عموم روسيا يونيو 1917، حين أرادت القيادة المنشفية/ الاشتراكية الثورية الاستمرار في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء: “من حسن حظ تاريخ روسيا أن جيشنا الثوري نبذ الموقف القديم للجيش الروسي، موقف الجرادة… حيث كان مئات الألوف من الرجال يقبلون بالموت من دون مقاومة… حتى دون معرفة معنى تضحيتهم… اللعنة على تلك الفترة من تاريخنا التي تركناها خلفنا! منذ الآن، لن نعول على البطولة البدائية، اللاواعية، التي تصدر عن الجمهور، بل على البطولة التي تمر عبر كل وعي فردي”.

   وعلى غرار تشوده كان تروتسكي يهتم بالتثقيف السياسي للجنود، ففي إحدى المحاضرات الموجهة إلى الشبيبة الشيوعية التي ستتوجه إلى جبهات الحرب الأهلية، أخبرهم أنه قبل “المضي لإنجاز مهماتهم الخطيرة، كان عليهم معرفة الموقع الذي يشغلونه في شؤون العالم. وقد استعرض الوضع العالمي بوضوح وببساطة ومن دون أية مراعاة… كان عليهم أن يفهموا كذلك أدوارهم انطلاقا من سياق تاريخ العالم، في المنظور الطويل للصعود البطيء، البطيء بشكل مؤلم، لكن الملهم للإنسان من “مملكة الحيوان القاتمة” إلى ذرى الحضارة، الأكثر غرابة، التي كانت الاشتراكية تقودهم إليها”، وهتلف تروتسكي فيهم: “طوبى لمن يشعر في روحه وفي قلبه بمرور التيار الكهربائي لعصرنا العظيم”. [“النبي المسلح، دويتشر].

   وأثناء الحرب ضد الغازي الياباني عرف تشوده كيف يجنب الجيش الأحمر الصيني الوقوع في حبائل الشوفينية أصدر تشوده أمرا إلى جميع قوات الجيش الأحمر التي تحارب اليابانيين: “إن الجنود اليابانيين هم أبناء وإخوة الجماهير الشغيلة اليابانية، لقد أجبروا على القتال بعد أن تعرضوا لخداع أو إكراه أمراء الحرب اليابانيين وحكم الأقلية الرأسمالية”.

   وفي الوقت الذي عمل فيه تشودة على تجنيب الجيش الأحمر الصيني وحل الشوفينية، كان صنوه السوفياتي يغرق في خطاب الحرب الوطنية. ففي خطاب وجهه ستالين يوم 3 يوليوز 1941 يقول: “إن روسيا ان، شأنها شأن عام 1812، تخوض “حربا وطنية وقومية”. [“ستالين، سيرة سياسية”، إسحق دويتشر، ًص 482].

وفي استعادة للماضي القيصري “المجيد” لحفز الجنود على مقاتلة النازيين في شهر أكتوبر 1941، حين حاصر جيش هتلر موسكو، خاطب ستالين قوات الجنود النظاميين ووحدات المتطوعين من الحرس الشعبي مستحضرا النزعة القومية الروسية “ثم انهى خطابه باستحضار غريب ومفاجئ لقديسي روسيا القيصرية ومحاربيها: “فلتلهمكم في هذه الحرب صور الرجولة التي كان يتحلى بها أسلافنا العظماء”… كانت تلك هي المرة الأولى التي بعث فيها أشباح الماضي التي بدا وكأن الثورة غمرتها بسخطها وقت عليها إلى الأبد”. [“ستالين”، دويتشر، ص 488].

ولم يكن تشوده طيلة عشرين عاما من قيادة الجيش الأحمر الصيني يغفل عن كل صغيرة وكبيرة من حياة الجيش الأحمر وجنوده وسكان المناطق المحررة، ويتدخل في كل تفاصيل حياتهم من تربية سياسية إلى الاقتصاد المنزلي والمشاركة في الأعمال الزراعية والانصات إلى مآسي الجنود وضحايا القمع الأبيض.

أنهت سميدلي كتابها بالكلمات الرائعة التالية: “هكذا تقدم تشوده بصلابة وشموخ على الطريق العظيم لتحرير الإنسان، ولقيادة شعبه هذه المرة إلى النصر الذي أطاح… بزمرة تشانغ كاي شك وارتعدت له فرائص الرجعيين في العالم”.

   إن في حياة تشوده وغيره من الملايين الذي قضوا على طريق تحرير شعب الصين نموذج للشباب الثائر ضد الاستبداد والاستغلال، فكما قال تشوده في بدايات حياته الثورية؛ “لقد تأججت نيران الأمل في قلوب الملايين من شعبنا، إنهم بحاجة إلى القيادة التي نستطيع بواسطتها أن نوطد هذا الأمل”.

فلنبن تلك القيادة.

بقلم، أزنزار

—————-

إغنيس سميدلي: نشأت في قرية منجمية شمال ولاية ميسوري تابعة لعائلة روكفلر حيث ولدت عام 1893، وهناك تلقنت كرهها للرأسمالية.. ظلت طيلة حياتها مدافعة صلبة عن حركة النساء ومنخرطة في حركات التحرر القومية، حيث أدى بها تعاطفها مع حركة الهنود بنيويورك إل ىالحجز الانفرادي بالمقابر (أسوأ سجون مدينة نيويورك).. صاحب الجيش الأحمر الصيني لسنوات وهناك استطاعت محاورة القائد تشوده.