تصدير الثروات السمكية: سياسة مضرة بمصالح البحارة والصيادين والمستهلكين

Print Friendly, PDF & Email

 

 

بقلم الرفيق حمزة

حان أوان جرد حصيلة إجمالية أولية لسياسة تشجيع صادرات ثرواتنا السمكية نحو الأسواق الخارجية المطبقة منذ ما قبل الثمانينات. وفي ظل استمرار أزمة الصيد البحري المتسمة بتراجع المخزونات السمكية لمعظم المصايد وتضرر دخل الصيادين والبحارة قامت الدولة بتنفيذ «استراتيجية أليوتيس» منذ سنة 2010 الهادفة إلى تعميق هذه السياسة برفع حجم صادرات السمك بوتيرة أسرع وإضافة برنامج آخر يقضي بنزع حقوق الصيد من البحارة والصيادين وتحويلها لفائدة البرجوازيين المالكين لأسطول الصيد الصناعي بأعالي البحار وأرباب معامل تحويل السمك.

وتظهر المعطيات الرسمية إلى حدود سنة 2015 بوضوح تام هذا التحويل العميق لحقوق الصيد، لكن، وبغاية طمس معالم جريمة نزع هذه الحقوق من الصيادين والبحارة قامت الدولة بعملية تزييف مكشوفة لمعطيات سنة 2016، حيث أدمجت كميات الأسماك المصطادة من قبل صنف من أسطول أعالي البحار (صنف البواخر العاملة بنظام التبريد المائي) يملكه رأسماليون كبار وأرباب معامل في الإحصائيات الخاصة بمراكب الصيد الساحلي والتقليدي.

وتفاديا للسقوط في فخ هذا التزوير الفعلي للحقائق سنعتمد على إحصائيات سنة 2015 لمقارنها بمعطيات سنة 2004 كي نتمكن من جرد حصيلة إجمالية لتطور الإنتاج الإجمالي من الثروات السمكية طيلة هذه الفترة (12 سنة)، لنبرهن كيف حولت حقوق الصيد لفائدة أرباب مراكب الصيد لصناعي العاملة بأعالي البحار؟ وكيف وزعت الثروات البحرية بشكل غير عادل لفائدة البرجوازية المستثمرة في قطاع الصيد البحري بغاية التصدير؟

تزايد الإنتاج الإجمالي من الثروات السمكية مقابل انخفاض استهلاكها

انتقل الحجم الإجمالي الوطني للثروات السمكية المصطادة من 954 ألف طن سنة 2004 إلى مليون و355 ألف طن سنة 2015، أي بزيادة أكثر من 400 ألف طن خلال فترة وجيزة لا تتعدى 12 سنة. وهذا يعني تزايد الكميات المصطادة خلال الفترة المذكورة بنسبة تفوق 42%، أي تزايد سنوي قدره 3,5% وهو يفوق المعدل السنوي للتزايد السكاني.

إنه حجم هائل خلال فترة وجيزة سيؤدي لتعميق أزمة الصيد البحري بمزيد من استنزاف مناطق الصيد التي سبق للدولة أن اعترفت بأن ثلاثة مناطق صيد من أصل أربعة تشهد إما تراجعا خطيرا للمخزونات أو انهيارا لبعض الأنواع السمكية نتيجة للصيد المفرط.

وإذا أضفنا لهذه الكميات حجم الثروة السمكية المفرغة في الموانئ الأجنبية من طرف بواخر دول الاتحاد الأوربي واليابان وروسيا التي تناهز 300 ألف طن سنويا والتي تعمد وزارة الصيد البحري لإخفائها من سجل المعطيات الرسمية المتاحة للعموم، فإننا سائرون بالتأكيد نحو استنزاف تدريجي سريع للمنطقة الوحيدة (المنطقة ج) التي يتركز حولها معظم مجهود الصيد الإجمالي الذي أصبح محتكرا، كما سنرى، من طرف أساطيل الصيد الصناعي.

ومقابل ارتفاع كمية الثروات السمكية المصطادة خلال 12 سنة المذكورة، هناك شبه ركود لكمية الأسماك الطرية الموجهة للاستهلاك الغذائي البشري المباشر والتي لم تتعدى في حدود سنة 2015 حوالي 360 ألف طن سنويا (الرقم مقسوم على 35 مليون)، وهو نفس الحجم تقريبا المسجل سنة 2004. وبذلك يظل متوسط كمية الأسماك المتاحة للاستهلاك الفردي لا تتعدى ما يناهز 11 كلغ للفرد في السنة، وهو مستوى بعيد جدا من متوسط نصيب الفرد من استهلاك الأسماك على الصعيد العالمي الذي يتجاوز 20 كلغ في السنة.

وبذلك يظل المغرب ضمن البلدان الفقيرة ذات مستوى استهلاك بشري أدنى من الأسماك، رغم أنه يعد ضمن البلدان الأولى المنتجة للثروات السمكية على الصعيد العالمي. وتعود الأسباب الرئيسية في ذلك إلى سياسة تشجيع صادرات السمك والمنتجات البحرية وتوجيه جزء هام من محصول الصيد لمعامل التحويل للصناعة الغذائية السمكية ولمعامل زيت ودقيق السمك الغير موجهة للاستهلاك البشري. فالصناعة الغذائية والمصدرون يحتكرون القسط الأعظم من الثروات والمنتجات البحرية المنتجة سنويا، أي ما يناهز 73% في حين أن كمية الأسماك الطرية الموجهة للاستهلاك المباشر تقل عن 27%.

هكذا إذن تتناقض سياسة تشجيع الصادرات الغذائية السمكية وتثمين المنتوجات البحرية التي كرستها «إستراتيجية أليوتيس» مع هدف إشباع الحاجيات الغذائية الأساسية. وقد كان يمكن لبروتين الأسماك أن يشكل مكونا حاسما لتحقيق التوازن الغذائي لسكان المغرب. فالسردين المنتج بغزارة يمثل لحم الفقراء الرخيص والغني بالفيتامينات والمعادن، لاسيما الكالسيوم واليود والحديد، إضافة إلى البروتينات. ومن شأن تناول السكان السمك بالكميات اللازمة أن يساهم في تعزيز الحماية من أمراض القلب والشرايين والمساعدة على إنماء المخ والجهاز العصبي لدى الأطفال ويساهم كثيرا في محاربة مرض فقر الدم.

تزايد الإنتاج الإجمالي من الثروات السمكية لصالح مراكب الصيد الصناعي

ومن الضروري إجراء مقارنة، خلال الفترة المذكورة، بين مجهود الصيد للنوعين الرئيسيين لنشاط الصيد بالمغرب، أي إنتاج بواخر الصيد الصناعي التي يملكها ذوي رأسمال كبير وإنتاج مراكب الصيد الساحلي وقوارب الصيد التقليدي التي يملكها مالكون صغار وصيادون والتي تشغل معظم البحارة المغاربة (أكثر من 95 ألف بحار، مقابل 7 آلاف بحار بأسطول الصيد بالأعالي).

انتقلت الكميات المصطادة من قبل مراكب الصيد الساحلي وقوارب الصيد التقليدي من 862 ألف طن سنة 2004 إلى 894 ألف طن سنة 2015، أي بزيادة 32 ألف طن فقط خلال 12 سنة. وهذا يعني تزايد الكميات المصطادة خلال الفترة المذكورة بنسبة 3,7% فقط. (تزايد سنوي يقل عن 0,7%).

أما بالنسبة لأسطول الصيد الصناعي بأعالي البحار، فقد انتقلت الكميات المصطادة من 75 ألف طن سنة 2004 إلى 454 ألف طن سنة 2015، أي بزيادة 379 ألف طن خلال 12 سنة. وهذا يعني تزايد الكميات المصطادة خلال الفترة المذكورة بنسبة 505%. (تزايد سنوي قدره 42%).

نلاحظ بأن الكميات المصطادة من قبل بواخر الصيد الساحلي تشهد شبه ركود (تتطور سنويا بنسبة هزيلة 0,7%)، مقابل تطور الكميات المصطادة من قبل مراكب الصيد بأعالي البحار بنسب هائلة سنويا (42%)، ويعني ذلك تضاعف الكميات المصطادة خلال الفترة المشار إليها بأكثر من 5 أضعاف.

إن أسطول الصيد بأعالي البحار هو المسؤول عن رفع مجهود الصيد الإجمالي بالنسبة الخطيرة المشار إليها أعلاه (أكثر من 400 ألف طن، أي بتزايد قدره 42% خلال 12 سنة). إن هذه الكميات المضافة من الثروات البحرية توجه كلها نحو التصدير.

نستنتج إن سياسة الصيد البحري التي تنهجها الدولة لازالت توجه معظم الثروات السمكية المنتجة سنويا نحو التصدير. وقد تعمق هذا النهج مع بداية 2005، بحيث أن معظم الثروات الإضافية انطلاقا من هذه السنة جرى تصديرها بمجملها. وبالإضافة إلى ذلك هناك تحول هام على مستوى توزيع احتكار هذه الكميات المضافة، بحيث أصبحت تعود بمجملها تقريبا لأسطول الصيد بأعالي البحار، مقابل عدم استفادة بواخر الصيد الساحلي والتقليدي.

ويمكننا القول إنها تنخفض، في حقيقة الأمر، وتتستر وزارة الصيد البحري على هذا الأمر بدمج تلك الحصة التي تفرغها بواخر الصيد التابعة لدول الاتحاد الأوربي بالموانئ المغربية في حصيلة إنتاج الصيد الساحلي والتقليدي. وهذا الدمج غير منطقي ولا يمكن تفسيره سوى بضرورة إخفاء سيطرة الرأسمال الكبير على مزيد من حصص الصيد العائدة للصيادين والبحارة مهنة.

توزيع الأسماك السطحية الصغيرة بين الصيد الساحلي والتقليدي والصيد بأعالي البحار

تمثل الأسماك السطحية الصغيرة (السردين، الأنشوفا، الماكرو، الشينشار…)، خاصة السردين، الجزء الأعظم من حجم الإنتاج الإجمالي من الثروات السمكية، إذ تفوق حصتها 70% من الكميات المصطادة. ولذلك من المفيد إجراء مقارنة بين نوعي الصيد الرئيسيين بالنسبة للكميات المصطادة من الأسماك السطحية الصغيرة.

انتقل حجم الأسماك السطحية الصغيرة العائدة لأسطول الصيد الساحلي والتقليدي من 748 ألف طن سنة 2004 إلى 758 ألف طن سنة 2015، أي بزيادة 10 أطنان فقط خلال 12 سنة. وهذا يعني أن الكميات المصطادة تزايدت بنسبة 1,3% فقط خلال الفترة المذكورة. أي أنها شهدت تزايدا سنوي قدره 0,1%.

أما بالنسبة لأسطول الصيد الصناعي لأعالي البحار، فقد انتقل حجم الأسماك السطحية من 45 ألف طن سنة 2004 إلى 373 ألف طن سنة 2015، أي بزيادة 328 أطنان خلال 12 سنة. وهذا يعني أن الكميات المصطادة تزايدت بنسبة 731% خلال الفترة المذكورة، أنها شهدت تزايدا سنويا يبلغ 60%.

تضاعف حجم الكميات المصطادة من الأسماك السطحية (السردين، الأنشوفا، الماكرو، الشينشار…) العائدة لأسطول الصيد بأعالي البحار بأكثر من 7 أضعاف خلال 12 سنة، مقابل ركود تام للكميات التي تصطادها مراكب الصيد الساحلي.

نستنتج أن معظم الكميات المضافة من الثروات السمكية المصطادة خلال فترة 12 سنة (ما بين 2004 إلى 2015) والتي احتكرتها بمجملها تقريبا مراكب أسطول الصيد بالأعالي هي أسماك سطحية. لقد شرعت حصة الأسماك السطحية العائدة لسطول الصيد بأعالي البحار تتزايد بوتيرة تصاعدية انطلاقا من سنة 2005 لتتضاعف منذ تلك الفترة بأكثر من 7 أضعاف، ويبدو أن هذه الكميات تقترب الآن من حاجز 400 ألف طن سنويا، وقد تتزايد في السنوات القادمة للتجاوز 500 ألف طن إذا استمر تطورها بنفس الوثيرة. وهذه هي غاية برنامج أليوتيس الذي سبق أن وزع مبدئيا حصص الصيد كي يحتكر أسطول الصيد بالأعالي الحصة الأعظم من الكميات الإجمالية للأسماك السطحية المصطادة سنويا.

توزيع الثروات المنتجة سنويا بين الصيد الساحلي والتقليدي والصيد بأعالي البحار

يبلغ مجموع الثروة التي ينتجها مجموع أسطول الصيد بنوعيه 10 مليار و586 مليون درهم، تتوزع بين 5 مليار و790 مليون درهم التي تعود لأسطول الصيد التقليدي والساحلي، فيما يحصل أسطول الصيد الصناعي بالأعالي على 4 مليار و795 مليون درهم. إن هذا التوزيع للثروة غير عادل، لأنه لا يتناسب مع عدد العاملين بكل صنف. فأسطول الصيد التقليدي والساحلي الذي يضم معظم العاملين بقطاع الصيد البحري المغربي بأكثر من 95 ألف شخص من أصل 102 ألف بحار لا يحصل سوى على حصة من الثروة لا تتجاوز 54,7% من إجمالي الثروة البحرية، في حين أن أسطول الصيد بأعالي البحار لا يشتغل به غير 7 آلاف شخص يحصل على 45,3% من الثروة السمكية المنتجة.

تبرز هذه اللوحة الإجمالية حول توزيع الثروات السمكية، كيف تمكنت البرجوازية المستثمرة بقطاع الصيد البحري من الاستحواذ على حصص متزايدة من الصيد، هي عائدة في الأصل للبحارة والصيادين بالأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي مستخدمة حرب اجتماعية فعلية معتمدة على جهاز الدولة بأكمله وواضعة سياسة للصيد البحري وسياسة لتشجيع تصدير الأسماك الطرية والمجمدة والمعلبة ودقيق وزيت السمك حارمة العاملين بالبحرين من مورد دخلهم وعيشهم.