تقرير أولي حول نضالات سكان مدينة بويزكارن من أجل الصحة

Print Friendly, PDF & Email

يوم الأحد 25 فبراير 2018، تم اعتقال خمسة مناضلين في بويزكارن شمال مدينة كلميم في الوقت الذي كانوا يستعدون رفقة عدد من المواطنين لتنظيم مسيرة شعبية للمطالبة بتجويد الخدمات الصحية في المدينة. نقل أربعة من المعتقلين رأسا إلى مدينة كلميم لتقديمهم أمام عدالة الأغنياء، في حين تم نقل الخامس إلى المستشفى بعد إصابته في الوجه جراء تعرضه للتعنيف على يد قائد المقاطعة الأولى ببويزكارن داخل مخفر الدرك. في التقرير التالي سياق بروز الحركة الاحتجاجية المطالبة بتحسين خدمات المستشفى المحلي في بويزكارن وتطورها الراهن. ونشير إلى أن عموم المنطقة (كلميم، وطانطان، وتيزنيت) تشهد حراكا شعبيا متفاوتا من أجل المطالبة بجودة الخدمات الصحية.
حركة الصحة للجميع تنسيق نضالي من أجل خدمات استشفائية للكادحين
حركة الصحة للجميع في بويزكارن، حركة شعبية باشرت أولى خطواتها النضالية خلال شهر أكتوبر 2017 خاصة بعد تزايد عدد الوفيات بسبب ضعف الخدمات الصحية في بويزكارن كانت أبرزها وفاة أم وجنينها، في شهر غشت 2016 في الطريق إلى مدينة كلميم بعد تعذر استقبالها بالمستشفى المحلي لبويزكارن، كان هذا أيضا مصير طفلة عمرها 15 سنة، في أبريل 2017 نتيجة لسعة عقرب، لم يشفع لطفلة وجود بناية المستشفى حتى تستمر في الحياة.
في سياق هذه المصائب المتلاحقة، تنظم حركة الصحة للجميع وقفات احتجاجية أسبوعية تمتد من الساعة الرابعة مساء إلى الساعة السابعة ب”ساحة التغيير” بمركز بويزكارن، تشهد الأشكال النضالية للحركة حضورا جماهيريا يضم كل الفئات العمرية والنوعية مع حضور لافت للنساء.
بعد عدة أشواط نضالية عقدت الحركة لقاءً مع المدير الإقليمي لوزارة الصحة في كلميم بحضور الكاتب العام لعمالة كلميم وباشا بويزكارن ومنتخبين و”فعاليات مدنية” تلقت فيه الحركة وعودا بالاستجابة لمطالبها، لكنها لم تنفذ أو تأخر تنفيذها.
الملف المطلبي
يتكون الملف المطلبي للحركة من النقاط التالية: المطالبة بتحسين وتجويد الخدمات الصحية بالمستشفى المحلي في بويزكارن الذي دشن سنة 2007 والمفترض أن يقدم الخدمات الصحية لحوالي 60 ألف نسمة موزعة على ثماني جماعات، وفتح تحقيق في المشاريع التنموية التي دشنت منذ 2007 كالمستشفى المحلي (مستشفى القرب) والمحطة الطرقية للمدينة وتأهيل مداخل المدينة الثلاثة.
الخطوات النضالية
نظمت الحركة وقفات احتجاجية أسبوعية منذ شهر أكتوبر إلى أواخر دجنبر2017، تصدح فيها بالصوت الجهور مطالبة بتحسين الشروط الاستشفائية المقدمة للكادحين بهذه المنطقة المهمشة، ومع كل محاولة لتنظيم مسيرة من المسيرات المقررة في أحياء المدينة تتصدى لها القوى الأمنية بمختلف تلاوينها بالقمع والمنع.
في 26 نونبر 2017 انطلقت مسيرة على الأقدام لثلاثة مناضلين أعضاء الحركة من بويزكارن في اتجاه الرباط لمسافة تزيد عن 700 كلم استمرت حوالي 25 يوما تعرض اثنان منهم للاستنطاق بمخفر الشرطة في القامرة لحظة عزمهم العودة إلى بويزكارن. وتأتي هذه الخطوة في إطار التصعيد النضالي بعد تجاهل المسؤولين لملف الحركة ومن أجل التعريف بالملف المطلبي وطنيا ولفت الانتباه الإعلامي لما يجري في بويزكارن من تهميش لصحة المقهورين، خلال مسيرة الأقدام هذه، عقد المناضلون الثلاثة ندوات صحفية في أكادير ومراكش والدار البيضاء والرباط بدعم من القوى التقدمية والديموقراطية، كما شهدت كل المحطات التي مروا منها استقبالا جماهيريا وتضامنا شعبيا كبيرا يؤكد أن معركة الصحة هي معركة كل كادحي هذا البلد.
محليا، حاولت الأحزاب السياسية عبر منتخبيها إطفاء جذوة غضب السكان، تارة بالوعود الشفوية دون تقديم أي بديل حقيقي وتارة أخرى بالتحذيرات من عواقب النضال والمس بالاستقرار العام للمدينة. هذا فيما بقي التضامن الميداني مع سكان بويزكارن ضعيفا وغير ذي فعالية حقيقية يجبر الدولة على تلبية المطالب المشروعة.
أشكال التعبئة المحلية وقمع الدولة
تعددت أشكال التعبئة حول ملف الصحة في مدينة بويزكارن، من استعمال وسائل التواصل الاجتماعي للتشهير بالأوضاع الكارثية للمستشفى المحلي إلى توزيع مناشير داخل الأحياء في المدينة وفتح نقاشات ودردشات حول الوضع الصحي وسبل تحسينه، كما يتم نقاش الأشكال الاحتجاجية المستقبلية مع السكان.
وسعت الحركة لتوحيد نضالات السكان في المجال الجغرافي المحيط ببويزكارن عبر عدة لقاءات تنسيقية مع ناشطين ومناضلين في كل من: تكانت وتيمولاي وتغجيجت وإفران الأطلس الصغير بالإضافة للحضور في شكل نضالي احتجاجي مع سكان تمنارت (جماعة توجد على بعد 80 كلم شرق بويزكارن) التي تخوض هي الأخرى احتجاجات مستمرة ضد تردي الأوضاع الاجتماعية والتنموية بهذا الهامش المنسي بإقليم طاطا.
قمع الدولة لا يثني السكان عن الاستمرار في النضال
غالبا ما يتم قمع المسيرات الشعبية في بويزكارن واجهاضها في المهد، باستثناء مسيرة 27 يناير 2018 التي تمكنت من الصمود أمام آلة القمع، وتجاوزتها في اتجاه المستشفى رغم محاولات الدولة وأذنابها نسفُها بكل الطرق. وكان مقررا تجسيد مسيرة احتجاجية أخرى يوم 25 فبراير 2018، لكن تدخل قوات القمع وتفريق المتظاهرين السلميين حال دون ذلك، علاوة على اعتقال خمسة مناضلين، ومطاردة آخرين.
نقل المعتقلون إلى مدينة كلميم لتقديمهم أمام النيابة العامة، ليطلق سراحهم بعد أربعة أيام من الاعتقال تحت الحراسة النظرية ليتابعوا في حالة سراح مع تعميق البحث في القضية. وتبقى الإشارة إلى أن المناضلين الأربعة اعتقلوا بسبب شكاية كيدية تقدم بها قائد المقاطعة الأولى في بويزكارن ضدهم بتهمة الاعتداء عليه وتخريب ممتلكات عمومية في الوقت الذي كان من المفروض متابعة هذا القائد لتسببه بجرح غائر في وجه أحد المعتقلين في مخفر الدرك لحظة اعتقاله.
بويزكارن في الحاجة إلى التضامن ونصرة ملفها المطلبي
لا تني دكاكة الرأسمالية تأتي على ما تبقى للكادحين من مكاسب هزيلة، الموجود من الخدمات الاجتماعية رديء ولا يلبي حاجيات الأغلبية الساحقة من الكادحين. تعليم مأزوم وبطالة جماهيرية وعمل هش وصحة في مهب عاصفة الرأسماليين… في ظروف شظف كهذه لم يبق للكادحين غير المقاومة الاجتماعية للاستمرار في العيش. لكن ما أن تبزغ بارقة أمل في الاحتجاج الشعبي وخوفا من تطوره ليبلغ إلى مستوى جماهيري ممتد، تتدخل الدولة مدججة بترسانتها القمعية لإجهاض المقاومة الشعبية.
ينتفض كادحو المغرب في كل شبر من البلد تعبيرا عن رفضهم للسياسات الجارية منذ عقود ويقاومون تسلط الدولة ورجالاتها، لكن تبقى مقاومتهم مشتتة جغرافيا وضعيفة تنظيميا… إن تضحيات شعبنا في حاجة ماسة إلى التضامن الواسع معها عبر تنظيم قوافل تضامنية والدعوة إلى مسيرات احتجاجية وطنية ترفع ذات مطالب السكان المنتفضين وتشهر بالقمع المسلط على رؤوسهم وتفضح استعداد الدولة لتهشيم رؤوسهم بدل علاجهم.
إن حاجة سكان بويزكارن إلى كل ما ذكرناه أعلاه وأكثر، مسألة حياة أو موت لمستقبل النضال الشعبي في المغرب.
المراسل
أنجز هذا التقرير بمساعدة أحد النشطاء الميدانيين في مدينة بويزكارن