جشعُ البّاطرونا الزّراعية وعُنف دولتها والتّشتت النّقابي أخطارُ تهدد تجربة التّنظيم النّقابي للعاملات والعمّال الزّراعيين

Print Friendly, PDF & Email

تشديد الاستغلال وضرب الكرامة
اغتنت أقلية من الرأسماليين الكبار مستفيدة من جميع تسهيلات الدولة لتراكم ثروات كبيرة في القطاع الفلاحي. ويعود إنتاج هذه الثروة أساسا الى العاملات والعمال الزراعيين من خلال فائض القيمة الذي يسرقه أرباب العمل وساعات عمل طويلة وتشديد الاستغلال. فهم يشتغلون داخل بيوت بلاستيكية بدرجة حرارة تفوق 50 درجة صيفا وخريفا، والرطوبة شتاء. كما يطالهم رش المبيدات على النباتات بلا وسائل وقاية، وحمل الأثقال، وجني الثمار مقوسي الظهر طيلة اليوم، والعمل على أسطح غير مستوية، ويقف على رأسهم مسؤولون ورؤساء فرق العمل بالسب والشتم والاهانة والترهيب كي ينتجوا أكبر كمية. كل هذا مع غياب أدنى شروط السلامة والصحة (مرافق صحية وصابون وبدلة العمل، والواقي من المبيدات السامة، ومطاعم، وحفظ الطعام، وطبيب الشغل، الإسعافات الأولية، ومعدات الحماية من السقوط أثناء العمل فوق البيوت البلاستيكية…). زد على ذلك غياب وسائل نقل تتوفر فيها شروط الصحة والسلامة، وتصون كرامة العاملات والعمال الزراعيين، وتحترم إنسانيتهم.
ظروف حياة العمال والعاملات في القطاع الزراعي كارثية جدا، حيث لا يسمح الحد الأدنى للأجور، الذي يقل عن القطاع الصناعي بحوالي 700 درهم شهريا، بمستوى عيش كريم ولائق. ويقطن العمال/آت أحياء عشوائية تحيط بها النفايات المنزلية والصناعية، ولا تتوفر على بنيات تحتية، ولا وجود لقنوات صرف صحي والكهرباء، فضلا عن الاكتظاظ الذي تشهده، واتشار الجريمة والمخدرات، والهدر المدرسي، والانقطاع عن الدراسة في أوقات مبكرة، إلخ.
ويتم نقل العمال والعاملات في ظروف لا إنسانية، أفضت إلى مئات القتلى والمعطوبين. ويلقى العشرات سنويا حتفهم في حوادث عربات غير صالحة بتاتا. وهذا إنما يدل عن امتهان كرامة البشر، واعتبار العمال والعاملات مجرد أدوات عمل يمكن تعويضها بأخرى.

تجربةٌ نقابية كفاحية
لم يستسلم العمال والعاملات الزراعيون لأوضاعهم المأساوية هذه، بل تنظموا نقابيا وناضلوا لتحسين ظروف اشتغالهم وحياتهم. ومثلت نضالات العاملات والعمال الزراعيين منذ بداية الألفية اسهاما كبيرا في الحركة النقابية المغربية. وراكمت تجربة كبيرة على صعيد النضال والتنظيم، وحققت مكاسب نوعية. وشكل تأسيس النقابة الوطنية للعاملات والعمال الزراعيين في إطار الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي التابعة للاتحاد المغربي للشغل قفزة نوعية وبينت إمكانات بناء نقابة كفاحية منغرسة. وتعد منطقة سوس التي تتركز فيها الفلاحة الصناعية والتجارية وتشكل حوالي 80 في المائة من صادرات البواكر، ركيزة رئيسية لهذه النقابة وذلك بفضل جهود البناء والتضحيات الكبيرة، ومعارك بطولية عدة، ومئات المطرودين والمتابعين، منذ انطلاق التجربة بالمنطقة في بداية 2000. فقد كرس فيها العاملات والعمال الزراعيون أسس العمل النقابي الكقاحي والديمقراطي. فهم يعقدون مجالس نقابية منتظمة ويتخذون القرارات والمواقف بشكل ديموقراطي. ويعقدون جموعا عامة لكل المنخرطات والمنخرطين للتواصل مع القاعدة الواسعة قصد الوقوف على المشاكل والحاجات الأساسية وللتعبئة. وتجتمع المكاتب النقابية بانتظام بالرغم من صعوبات والتعثرات، ويبدع العمال والعاملات تنظيميا وتعبويا في أشكال تنظيمهم وممارستهم. ويعتمد العمال والعاملات مبدأ التضامن والوحدة في نضالاتهم النقابية ردا على تعسفات الباطرونا والدولة. وفي المعارك، تعقد الجموع العامة سواء بالمقر أو بالضيعات لاتخاذ القرار بخصوص كل جوانب العمل والنضال.
ويمكن تلخيص أهم مطالب العاملات والعمال الزراعيين في التالي:
o رفع التمييز القانوني على مستوى الاجور وساعات العمل
o توفير وسائل نقل تليق بالبشر
o تمتيع جميع العاملات والعمال الزراعيين بحقوقهم القانونية (صندوق الضمان الاجتماعي، الاقدمية، الحد الادنى للأجور، الاعياد، العطلة السنوية…)
o توفير شروط السلامة والصحة في اماكن العمل
o توفير سكن اجتماعي وبنيات تحتية وقنوات الصرف الصحي والمدارس والمستشفيات لتغطية النقص المهول.
إنه تراكم أولي على طريق بناء نقابة بمقومات أساسية تسمح بالتقدم، وتحسين ظروف عمل وحياة آلاف العمال والعاملات الزراعيين وذويهم. ولكن هناك عديد من المخاطر محدقة بهذه التجربة نقدم الرئيسية منها.
عنفُ الدولة وتضييقها
تعسفات السلطة وتدخلها بجميع الوسائل المعروفة لاجتثاث التجربة خصوصا مع المشاريع «الاستثمارية» الزراعية الكبرى التي تشهدها المنطقة، ووجود شركات متعددة الجنسيات في الإنتاج والتصدير، وتسويق مختلف المدخلات الفلاحية، ومحطات تلفيف، ووحدات تبريد كبرى ومحطة تحلية ماء البحر، إلخ، وما ينتج عن ذلك من تركز للطبقة العاملة ستعمل السلطة قصارى جهدها كي لا تصاب بعدوى النضال الكفاحي والطبقي وتهدد الرساميل.
تقف الدولة دائما إلى جانب الباطرونا الزراعية عبر مختلف مؤسساتها، قمع ومحاكم وتشريعات، إلخ، إذ لم يسجل أن توبع أي رب عمل لا يحترم حتى قانون عمل مفصل على مقاس مصالح الرأسمال، في حين توبع العديد من العاملات والعمال الزراعيين النقابيين بتهم ملفقة، وحوكموا بالسجن وغرامات مالية. كما ان دور مفتشية الشغل غير زجري وغالبا ما يكون مواليا للباطرونا. كما تعرضت عدة معارك نقابية للقمع بعد تعذر إفشالها بالمناورات، والتماطل. هذا علاوة على رفض السلطات في معظم الأحيان تسليم وصول الإيداع للمكاتب النقابية
باطرونا زراعية جشعة معادية للعمل النقابي
إن الباطرونا الزراعية المحلية والأجنبية منظمة في نقابة قوية هي الفدرالية البيمهنية المغربية للخضر والفواكه المصدرة، والتي تضم أقطاب إنتاج رئيسية (الجمعية المغربية للمنتجين والمنتجين المصدرين للفواكه والخضر، وجمعية المنتجين المصدرين للخضروات والبواكر بالمغرب، والجمعية المغربية لمنتجي توت الأرض)، وقطب التلفيف (الجمعية المغربية لملففي الخضر والفواكه، والجمعية المغربية لملففي ومصدري توت الأرض)، وقطب المشاتل (الجمعية المغربية الفلاحية لمشاتل الخضراوات)، إلخ، ويوجد مقرها بأكادير ورئيسها وغالبية مكتبها من كبار المنتجين والمصدرين الزراعيين بمنطقة سوس وفي مناطق أخرى. اكتسبت هذه النقابة تجربة في التعامل مع المعارك النقابية طيلة هذه السنوات، وأصبحت تتقن فن احتواء النقابة وزرع التفرقة بين العمال. تطرد النقابيين، وتعزل المناضلين، وتميز بين العمال والعاملات، وتحرم النشيطين منهم/هن من حقوق مثل المنح، والتعويضات، والساعات الإضافية، وترمي بهم للأشغال الشاقة ومهام كريهة، ووضعت لائحة سوداء بأسماء النقابيين والنقابيات لتفادي تشغيلهم. احتواء الباطرونا أو من ينوب عنها بعض النقابيين عبر تمتيعهم بامتيازات واغراءات لتدجين العاملات والعمال، وتقديم خدمات جليلة للباطرونا من قبيل افشال أي محاولة رد جماعي ومنظم وكفاحي ضد تعسفاتها، وزرع الصراعات بين المناضلات والمناضلين. بل وتحميلهم المسؤولية في كل التعسفات التي يتعرضون لها بمبرر أنهم أميون وجاهلون ومتخلفون، أي دون مستوى المطالبة بالحقوق والتمتع بها. وتلجأ الى تدخلات القمع المباشر في الحالات المستعصية بالنسبة لها.
التشتت النقابي
تكمن إحدى معيقات العمل النقابي في تعدد المنظمات النقابية الذي يحول دون إنجاح المعارك وانتزاع مكاسب دائمة. فأمام جبروت الباطرونا ودولتها ليس أمام العاملات والعمال سوى وحدتهم النضالية والقضاء على التشتت الذي زرعه الأعداء الطبقيون في صفوفهم. ولبلوغ ذلك، لابد من بناء تنسيقات كفاحية وديمقراطية في القواعد العمالية وتدعيم أواصر التضامن بين جميع نضالاتها كيفما كانت المنظمة النقابية التي تدعو اليها، والتشهير بمن يريد تكريس التفرقة، وتقوية جميع أشكال التعاون بين المكاتب القاعدية جهويا ووطنيا.

بقلم: عامل زراعي