حدود تغلغل الرأسماليين المغاربة في إفريقيا

Print Friendly, PDF & Email

جرى تصوير الزيارات الملكية كفتح ثان لإفريقيا، وفي استعادة تاريخية لما قام به السلطان السعدي “أحمد المنصور الذهبي”، لعبت وسائل الإعلام بالمخيلة الشعبية واعدة إياها بقوافل الذهب والعبيد والفيلة.

تقدم هذه الزيارات على أنها اختيار إستراتيجي للمغرب الذي فضل عمقه الإفريقي، وسعي لتقوية أواصر التضامن جنوب-جنوب، في استعارة للخطابات ذات النزعة “الإنسانية” المنافقة والعنصرية التي صورت الاستعمار الأوروبي على أنه نشر للرسالة الحضارية وحمل التقدم إلى الشعوب البدائية غير القادرة على التقدم.

تمد هذه النزعة جذورها عميقا في تاريخ المغرب، حيث تعرض ذوو البشرة السوداء لاضطهاد وتمييز، إضافة إلى دور المغرب منذ عصر الإمبراطوريات في التجارة الثلاثية بين إفريقيا وأوربا وأمريكا التي أفرغت القارة من أغلب سكانها ونهبت مواردها، انتهاء باندراج المغرب في السياسة الأمنية للاتحاد الأوربي بقبوله دور دركي حارس لحدود أوربا من أمواج الهجرة “السوداء” السرية ومحاربة الإرهاب.

جرى التركيز على اهتمام المغرب الدائم بإفريقيا باستعراض تاريخ النوايا بدل تاريخ العلاقات الفعلية، أو تأويل هذه الأخيرة لتخدم هذه الصورة الدعائية، غافلة تواطؤ النظام المغربي منذ الاستقلال لصالح الإمبريالية: عزل الثورة الجزائرية بقبول استقلال شكلي مع تونس مع إدعاء مناصرتها قولا، قبول بتقسيمات حدودية أحدثها الاستعمار والدخول في حروب مكلفة للحفاظ عليها، التواطؤ مع الجيش الإسباني والفرنسي للقضاء على جيش التحرير الذي رفض وضع السلاح حتى استقلال كل دول المغرب الكبير، الحفاظ على علاقات التبعية الاستعمارية في شكلها الجديد…

لكن الواقع أقل دائما من حجم الدعاية التي تخفي المصالح الحقيقية لهذا التوسع الاقتصادي ومن تخدم هذه المصالح، وتظهر الأرقام الفرق بين الحجم الحقيقي للعلاقات الاقتصادية المغربية الإفريقية وما تصرح به وسال الإعلام.

مبادلات تجارية محدودة

لا يشكل التبادل الاقتصادي المغربي-الإفريقي سوى %6.4 من القيمة الإجمالية لمبادلات المغرب الخارجية سنة 2013 “وما زالت المبادلات التجارية بين المغرب والبلدان الإفريقية تعاني من نفس نقاط الضعف التي تطبع العلاقات التجارية بين بلدان الجنوب… ولم تتجاوز حصة المغرب في سوق إفريقيا جنوب الصحراء %0.40 سنة 2012”. (1)

بينما تشكل الواردات المغربية من القارة الإفريقية %2.5 فقط من مجموع الواردات في سنة 2014، تستورد الصين %17 من إفريقيا جنوب الصحراء سنة 2013 بعدما كانت تستورد %4.6 فقط سنة 2000.

في الوقت الذي تظل السوق المغربية مفتوحة على مصراعيها أمام بضائع الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، تجد السلع الإفريقية صعوبات مهمة لولوج السوق المغربية، رغم الاتفاقيات الخمسمائة التي تربط المغرب مع البلدان الإفريقية. (2)

سجلت هذه الواردات تراجعا ملحوظا: “تبقى الواردات من إفريقيا جنوب الصحراء محدودة… لا تمثل سوى %0.7 من الواردات الإجمالية للمغرب سنة 2013 مقابل %1.8 سنة 2003”. (3)

أما صادرات المغرب نحو إفريقيا فلا تشكل سوى “%8.8 من مجموع صادرات المغرب سنة 2013… ومبيعات المنتوجات الفلاحية في السوق الإفريقية %1.5 من إجمالي الصادرات المغربية، و%0.2 من النسيج والألبسة، و%0.8 من المواد الكيماوية”. (4)

تشتكي وزارة المالية المغربية من ضعف توجه المصدرين المغاربة نحو السوق الإفريقية رغم الإمكانات الكبرى المتاحة والاتفاقيات التجارية والجمركية الخمسمائة الموقعة، وهذا شيء عادي فالرأسمالي يهمه العائد المادي وليس شعارات التضامن، ويسعى إلى أن يكون وحده رابحا وليس شعار “رابح-رابح”، فالقدرة الشرائية للسوق الإفريقية التي يحددها بالدرجة الأولى حجم الناتج الداخلي الإجمالي ليست مغرية يفضلون الأسواق الجهوية الأخرى (خاصة الأوربية). (5)

لذلك تنصح الدراسة الصادرة عن وزارة المالية المصدرين المغاربة بالتكيف مع هذا الواقع؛ “يجب على المقاولات المغربية التي تستهدف السوق الإفريقية أن تضع إستراتيجية دخول تنبني على اعتبارات التكلفة التي يوفرها اللجوء إلى الإنتاج بالجملة بجودة ضعيفة ومتوسطة”. (6)

مبادلات تجارية غير متكافئة

تتسم هذه المبادلات المحدودة باللا تكافؤ حيث يتضرر اقتصاد الدول الإفريقية. ففيما يراكم الرأسمال المغربي الأرباح، تتحمل هذه عجوزات الميزان التجاري؛ “يحقق الميزان التجاري فائضا لصالح المغرب منذ 2008، وارتفع هذا الفائض في السنوات الأخيرة إلى 10.6 مليار درهم سنة 2014. ما يجعل الصادرات المغربية نحو إفريقيا تغطي الواردات خمس مرات”. (7)

تتميز علاقات المغرب التجارية مع إفريقيا بمحدودية المواد المتبادلة (المواد الطاقية بالنسبة للصادرات (%49) وجزء أساسي منها يأتي من الجزائر (%55)، والمواد الكيميائية والفلاحية بالنسبة للواردات بنفس النسبة المئوية)، وفي نفس الوقت تقتصر هذه المبادلات على دول بعينها: ساحل العاج، السنغال، غينيا الاستوائية، جنوب إفريقيا، غانا، الكونغو (%57 من صادرات المغرب موجه نحو أفريقيا الغربية).

تغلب على الصادرات المغربية المواد المصنعة-وإن كان أغلبها صناعة خفيفة (الصناعة الغذائية %32 سنة 2014) والتحويلية (مواد نصف مصنعة مثل أسمدة الفوسفاط، الورق والكارتون والإسمنت بـ %31)، ولكن الأهم هو مواد التجهيز الصناعي خاصة ألياف الكهرباء التي تشكل نسبة %18، بينما تهيمن على واردات المغرب من إفريقيا المواد الأولية (المواد الغذائية والتبغ %36، المحروقات %33، مواد خام نباتية وحيوانية %12). (8)

يفضح واقع المبادلات التجارية بين المغرب والدول الإفريقية نفاق شعارات التعاون جنوب-جنوب القائمة على منطق “رابح- رابح”، فهذه المبادلات يحكمها نفس منطق التخصص العالمي حيث يصدر المغرب مواد “مصنعة” تكون قيمتها أعلى من قيمة المواد الخام المستوردة من إفريقيا.

حصة استثمارات أقل

بلغت استثمارات الرأسمالين المغاربة في إفريقيا جنوب الصحراء سنة 2012 زهاء المليار دولار (7.6 مليار درهم)، بينما بلغت استثمارات الصين في إفريقيا سنتي 2005 و2006؛ 9.5 مليار دولار، أي خمسة أضعاف استثمارات رأسماليي المغرب، وبحجم استثمارات إجمالي يبلغ 44 مليار دولار. وفاق حجم المساعدات الحكومية الصينية لإفريقيا (2.4 مليار) دولار حجم الاستثمارات الرأسمال المغربي في القارة.

ومن حجم الاستثمارات التي حققها المغرب في الخارج سنوات 2003 و2009 والتي ناهزت 202 مليار درهم لا يمثل نصيب إفريقيا سوى 1.2 مليار درهم أي بنسبة %0.6.

ارتفعت حصة إفريقيا من الاستثمارات الخارجية المغربية إلى %42 سنة 2012 بعد أن كانت %17 سنة 2003. وفي المقابل، تراجعت حصة أوربا من رصيد الاستثمارات المغربية الخارجية من %62 سنة 2003 إلى %48 سنة 2012.

ولا يمثل هذا فتحا اقتصاديا بل دليلا على هشاشة الاقتصاد المغربي وحدود نموه، فالدول الصاعدة اقتصاديا تفوق استثماراتها الخارجية في الدول المتقدمة نظيرتها داخل الدول النامية.

لكن بمقارنة السنوات من 2010 حتى 2014، شهدت حصة إفريقيا من الاستثمارات المباشرة المغربية في الخارج انخفاضا من %92 سنة 2010 إلى %35.7 سنة 2014. (9)

مر تغلغل الرأسمال المغربي في إفريقيا من ثلاث مراحل:

– الأولى بواسطة المقاولات العمومية المغربية: أشغال البنية التحتية (سدود، شبكة طرق وسكك حديد، اتصالات، تطهير، كهرباء، شبكة ري.. الخ).

– في مرحلة ثانية اشترك القطاع الخاص بشكل رئيسي في قطاع الخدمات (بنوك، تكوين مهني، استغلال المعادن..)، مدعوما في مبادراته بدبلوماسية اقتصادية.

– المرحلة الحالية طبعها استعمال كثيف للمالية العمومية وشبه العمومية (المكتب الوطني للماء والكهرباء والمكتب الشريف للفوسفاط)، في استثمارات كبيرة وطويلة المد (بشراكة مع الرأسمال الإمبريالي طبعا).

لا يعني هذا أن المغرب قد تحول إلى إمبريالية طرفية على غرار البرازيل وكوريا الجنوبية، لكن يتعلق الأمر بهامش تركته الإمبرياليات الغربية لأحد أطرافها (المغرب) لمشاركتها في سياسة توسع استثماري خاصة بها في القارة.

استثمارات مضارباتية

تشكل المجموعات الرأسمالية الكبرى، خاصة شركات الهولدينغ الملكي والأقطاب الاقتصادية المرتبطة بها المستفيد الرئيسي من هذا التغلغل الاقتصادي، بينما يترك الفتات لشركات القطاع الخاص الأصغر حجما.

تتسم استثمارات الرأسمال المغربي في البلدان الإفريقية بنفس سماته العامة داخليا؛ رأسمال مضارباتي يسعى وراء الربح المضمون والسريع، أي وراء انتزاع قسم من الثروة المنتجة من طرف عمال وكادحي البلدان الإفريقية، وهو طابع كل العلاقات الاستثمارية القائمة ما بين الدول الإفريقية والدول الإمبريالية وهدفها نقل ثروة شعوب إفريقيا إلى حسابات الشركات الكبرى في دول الشمال (أوربا بالخصوص).

تتوزع النسبة الأكبر من الاستثمارات المغربية على ما يطلق عليه الإعلام المغربي “القطاعات ذات قيمة مضافة عالية” مثل الاتصالات والبنوك والصناعة الاستخراجية.

يظل “تواجد المغرب في إفريقيا واضحا في القطاع المصرفي حيث بلغت نسبة الاستثمارات المغربية في هذا القطاع %52 سنة 2013  متبوعا بقطاع الاتصالات بـ %22.9 والتأمينات بـ %9.9”. (10)

ويظهر الطابع المضارباتي لهذه الاستثمارات في نسبة الصناعة (%3) والأشغال الكبرى (%0.3) من إجمالي استثمارات المغرب المباشرة الخارجية في إفريقيا بين سنوات 2007 و2012. (11)

أغلب هذه الاستثمارات، عبارة شراء حصص في مقاولات وبنوك كانت موجودة في هذه الأسواق أصلا، وهي طريقة شبيهة تماما بالاستثمارات الخارجية المحققة في المغرب، خاصة في قطاع الاتصالات وتدبير شبكات الماء والكهرباء والطرق السيارة والنظافة.

– اتصالات المغرب: شراء  %41.2 من شركة موريتيل بموريتانيا منذ 2001، و%51 من رأسمال شركة أوناتيل بوركينافاسو في دجنبر 2006، و%51 من أسهم غابون تيليكوم في فبراير 2007، وبعد ذلك %51 من رأسمال صوتيلما بمالي في يوليوز 2009.

– التجاري وافا بنك: شراء %66.67 من رأسمال البنك السنغالي التونسي، %51 من أسهم البنك المالي الدولي بحوالي.

– البنك المغربي للتجارة الخارجية: حصة %27.38 من بنك تنمية مالي سنة 1989، و%25 من رأسمال الكونغولية للأبناك سنة 2004، ممارسة المراقبة على %59.39 من بنك إفريقيا بمالي.. منذ 2007. (12)

ماذا وراء هذا التوجه الجديد؟

هل تمثل الاستثمارات الأخيرة وما يطلق عليه “الدبلوماسية الاقتصادية” توجها جديدا في علاقات المغرب الاقتصادية، هل يمثل قطعا مع ماضي الاندراج في سياسة الإمبريالية والموقع الذي خصصته للمغرب في قسمة العمل الدولية؟

تشكل الاستثمارات الأخيرة مغامرة ضخمة بالنسبة للرأسمال المغربي، خاصة المشاريع الكبيرة التي يسعى لتنفيذها مثل خط تزويد الغاز الطبيعي الرابط بين المغرب ونيجيريا واستثمارات المكتب الشريف للفوسفاط في إثيويبا (2,4 مليار دولار) ونيجريا (2.5 مليار دولار).

إن الأرقام ضخمة فقط بمقاييس المغرب، لكنها لا تمثل شيئا في ميزان المنافسة الشرسة والمحتدة القائمة بين الوحوش الإمبريالية الضارية حول إفريقيا، ولهذا السبب بالضبط يمثل الأمر مغامرة حقيقية بالنسبة للرأسمال المغربي.

يمثل دور الوسيط بين الرأسمال العالمي وإفريقيا الذي يسعى المغرب للعبه في القارة ضمانة أساسية تزيد من جرأة وشجاعة الارتماء في هذه المغامرة الاقتصادية، فالرأسمال المغربي ودولته لا يخفي طموحه هذا: “يمكن للفرص المنبثقة عن التعاون “الثلاثي” المنبني على توجيه أموال المساعدات الدولية نحو تمويل مشاريع البنية التحتية في إفريقيا ووضعها تحت إشراف مقاولات مغربية، أن تشكل أيضا نقطة ارتكاز من أجل تكثيف علاقات المغرب الاقتصادية مع بلدان القارة”. (13)

لكن التعويل على الرأسمال العالمي ينطوي على مخاطر جدية، خاصة في ظرفية مطبوعة باشتداد الأزمة العالمية وتقلبات الوضع العالمي السياسية الناتجة عن هذه الأزمة.

تمول المالية العمومية وشبه العمومية جزءا كبيرا من هذه الاستثمارات الضخمة، ففي بلد يحكمه الاستبداد الفردي تنعدم الحدود بين مالية الحاكم الفرد وبين المالية العمومية [صلاح المعيزي مصدر مذكور]، وبتعبير أدق تستغل المالية العمومية لحفز وتنمية الرأسمال الخاص، ويشكل ذلك ضمانة حقيقية، إذ سيجري تحميل دافعي الضرائب الخسائر في حالة الفشل بينما يقتسم الرأسماليون الأرباح في حالة النجاح.

يقف وراء هذا التوجه الجديد مصالح خاصة بالرأسمال المغربي الكبير ذاته الذي لم تعد السوق الداخلية المغربية توفر له إمكانات التثمير والمراكمة الرأسمالية القادرة على استيعاب هذا الرأسمال الذي نما في العقدين الأخيرين بشكل كبير.

يضاف إلى هذا أثر أزمة الاتحاد الأوربي على التصدير المغربي، فانكماش السوق الأوربية أدى إلى تراجع قيمة الصادرات المغربية نحو أوربا، كما أن هذه الأخيرة (مضافا إليها أسواق أخرى خاصة الأمريكية منها) عادت إلى تشديد إجراءات الحماية أمام البضائع القادمة من الجنوب؛ “في سياق الأزمة الحالية المطبوعة باحتداد المنافسة حول السوق الأوربية، المقاولات المغربية، خاصة في قطاع النسيج، مدعوة لتمتين وجودها في السوق الإفريقية من أجل موازنة الخسائر الناتجة عن إلغاء اتفاق النسيج والألبسة”. (14)

يسعى المغرب لغزو السوق الإفريقية لفتح باب أوسع لصادراته وتنويع شركائه التجاريين، ويستهدف الدول التي تشكل معبرا نحو أسواق استهلاكية واسعة وقدرة شرائية مهمة؛ نيجيريا وساحل العاج (المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا)، والكاميرون (المجموعة النقدية لدول إفريقيا الوسطى).

يشكل التوجه نحو إفريقيا تكيفا للرأسمال المغربي مع سياق أزمة عالمية قلصت إمكانية ولوج الأسواق التقليدية بأوروبا، وفي نفس الوقت استجابة لحاجة الرأسمال العالمي لمنصة إطلاق إقليمية لاستثماراتها نحو إفريقيا، لذلك لا تشكل قطيعة حقيقية مع علاقة المغرب بإفريقيا المرسومة له إمبرياليا.

تريد الدول الإمبريالية من المغرب نقل خبرته في تكييف اقتصاده ليبراليا مع حاجيات الرأسمال العالمي، والمغرب بدوره مستعد لدفع اقتصاديات الدول الإفريقية في هذا الاتجاه؛ “يتطلب جلب ثقة الشركات وكذا المستثمرين المحتملين تحديثات مؤسساتية للقطاعات (التدبير المفوض والامتياز والخوصصة).. وفي هذا المجال، يمتلك المغرب تجربة غنية ومستوى خبرة مقنع إلى حد ما.. يمكنه أن يتقاسمها مع البلدان الإفريقية”. (15)

يسعى الرأسمال العالمي لجعل المغرب منصة إطلاق لقصف الأسواق الإفريقية التي لا زالت محمية أمام الدفق العالمي للسلع، وهو ما يشتكي منه البنك الدولي؛ “تظل الأنظمة التجارية في إفريقيا الأكثر تقييدا مقارنة بنظيرتها في باقي المناطق.، فالرسوم الجمركية المتغيرة، المستعملة من أجل تحديد درجة تقييد المبادلات، هي الأكثر ارتفاعا (%20 في المتوسط) في إفريقيا مقارنة بمناطق أخرى”. (16)

لذلك فالمغرب مطالب بتفكيك ما ظل حمائيا في الاقتصاد الإفريقي؛ “فالبلدان الإفريقية تغلب عليها صفة مشتركة ألا وهي هيمنة الدولة على الاقتصاد”. (17)

وبهذا الدور وباكتساب موقع اقتصادي في القارة، ومع تحول علاقة المغرب مع إفريقيا إلى علاقة مستثمر ومستغل، سيتضخم التوجه نحو التدخل السياسي والعسكري في دول القارة، لأن الأمر لم يعد يتعلق فقط بحماية مصالح الإمبريالية بل بحماية استثمارات الرأسمال المغربي.

سيتلقى النظام المغربي من الدول الإمبريالية دعما صريحا لجهوده من أجل اختراق القارة اقتصاديا ولكن كذلك سياسيا ويظهر هذا في ترحيب صندوق النقد الدولي ونادي لندن بعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي.

من أجل علاقات تضامن حقيقية

عكس خطابات الإعلام الرنانة حول علاقات التضامن الإفريقي، لا يسعى الرأسمال المغربي إلا إلى استخلاص أكبر فائدة مادية ممكنة (من إمكانات المراكمة واعتصار الأرباح).

إن بناء إفريقيا متضامنة؛ إفريقيا النضال والشعوب بدل إفريقيا الديكتاتوريات المقنعة منها والسافرة التي تخدم مصالح الرأسمال المحلي والإمبريالي، إن هذا البناء مطروح على اليسار الثوري بالقارة وبالمغرب.

على اليساري الثوري ألا يتماهى مع خطاب الوطنية المنافق الذي يصور مصلحة الرأسمال على أنها مصلحة “الوطن” و”الاقتصاد الوطني”، فهذه الاستثمارات لن يستفيد منها الكادح والعامل المغربيين تماما كما سيتضرر منها عمال وكادحي الدول الإفريقية.

لا يمكن بناء علاقات اقتصادية متكافئة ومتضامنة بين دول القارة على قاعدة اقتصاد رأسمالي، فقط تخطيط اقتصادي اشتراكي على مستوى القارة يأخذ بالاعتبار حاجات الشعوب وليس مقتضيات التراكم الرأسمالي وأوامر الرأسمال الإمبريالي، فقط ذلك هو ما سيسمح بانعتاق القارة من الفقر والبؤس.

يبدأ هذا بإعادة بناء علاقات التضامن بين حركات النضال الإفريقية التي قطعتها الأنظمة التابعة للإمبريالية، بإعادة إحياء خطاب المصير المشترك الذي رسمه قادة التحرر الوطني أواسط القرن العشرين؛ “نشترك في نفس الماضي الاستعماري… إنه الواقع الذي يجعلنا نبدأ النضال بشكل مشترك.. هذا النضال الذي يجعلنا زملاء ورفاق الحاضر والمستقبل.. لأنه ضمن هذا النضال المجيد ضد الإمبريالية والاستعمار في إفريقيا، توحدنا من أجل النقاش الجماعي، من أجل التخطيط الجماعي، من أجل الدراسة الجماعية للمشاكل التي تهم تطوير نضالنا”. (أميلكار كابرال).

أزنزار

—–

هوامش

(1)- [العلاقات المغربية الإفريقية “الطموح إلى حدود جديدة”، وزارة الاقتصاد والمالية، مديرية الدراسات والتوقعات المالية، ماي 2015].

(2)- [الاستثمارات المغربية في أفريقيا جنوب الصحراء، صلاح المعيزي، موقع الشبكة العالمية لإلغاء ديون العالم الثالث، 25 يونيو 2014].

(3)- العلاقات المغربية الإفريقية.. مرجع مذكور.

(4)- نفس المرجع.

(5)- نفس المرجع

(6)- نفس المرجع

(7)- نفس المرجع

(8)- نفس المرجع

(9)- مجلة المالية الصادرة عن وزارة المالية عدد 28- غشت 2015.

(10)- نفس المرجع.

(11)- العلاقات المغربية الإفريقية.. مرجع مذكور.

(12)- (13)- (14)- (15)- (16)- (17)- نفس المرجع