حركة التضامن لأجل دعم النضال الشعبي ومأزق العلاقة بين اليسار والإسلاميين (الريف نموذجا)

Print Friendly, PDF & Email

ظلّ مُعظم النضال الشعبي بالمغرب مقتصرا على الفعل النقابي (العمالي والطلابي)، وفي لحظات استثنائية تقتحم الجماهير الشارع وتواجه بقمع دموي، ذاك ما عرف بالانتفاضات الشعبية. إن تقاليد النضال الشعبي، كما نشهده اليوم، حديثة العهد في ظل وضع مطبوع بشدة القمع وبضعف منظمات النضال وهيمنة قوى ليبرالية ناقصة النزعة الديمقراطية.

 منذُ مستهل سنوات التسعينات، قامت حركة المعطلين خريجي الجامعات بدور رئيسي في ترسيخ تقاليد نضال جديدة، ووضع اللبنات الأولى لنضال شعبي ضد البطالة. وتخطت ما حدد النظام من خطوط حمر، مكرسة أشكال جديدة، أعظمها اتخاذ الشارع ميدان نضال ومقارعة فلول القمع، متحدية المتابعات القضائية. تلك أول تجربة فعلية حفزت النهوض الشعبي، وقلبت ما كرسته الأحزاب الإصلاحية البرجوازية وتوابعها من اقتصار على الملتمسات والمذكرات، وتنظيم المهرجانات داخل المقرات، والخطب في البرلمان، والمناوشات النقابية المضبوطة. وبهذا مهدت طريق موجة نضالات كادحي القرى دفاعا عن الحاجات الأولية، وضد التهميش، بأساليب نضال غير معهودة: اعتصامات ومسيرات نحو المراكز، أو مقاطعة الأداء، وسد الطرق… بلغت ذراها في نضالات سيدي افني وطاطا وبوعرفة.

تُمثل حركة 20 فبراير تتويجا لذاك التراكم في سياق سيرورة ثورية اجتاحت منطقتنا، وزعزعت ركائز أنظمة التبعية والاستبداد، حيث اكتسحت الشعوب الشارع بقوة معيدة الوصل بالنضالات الشعبية المناهضة للسيطرة الاستعمارية المباشرة.

النضالات الشعبية ومكانة الأحزاب الدينية:

أبانت كل النضالات الشعبية الرئيسية التي شهدها المغرب مند بداية التسعينات أن قواعد اليسار، بقطبيه الإصلاحي البرجوازي والجذري، قامت بدور مركزي في إطلاق تلك النضالات، آو مساندتها سواء كهياكل أو عبر مناضلين أفراد ومتعاطفين. أما الأحزاب الدينية، فقد تباين دورها بين العداء الصريح كما حال حزب العدالة والتنمية (تجربة ايفني وطاطا)، أو مشاركة محسوبة غايتها تسجيل الحضور، وتجنب الذهاب أبعد تفاديا لأوخم العواقب. ليس مرد ذلك نقص قوى، ولا ضعف تنظيم، بل إلى عاملين:

–  افتقار إلى ما يقتضيه النضال الاقتصادي والاجتماعي من بدائل ومنظورات. فهذه الأخيرة أمر ثانوي في البرامج الدعاوية، في حدود ترقيع الرأسمالية بالإحسان ونقد أخلاقي لمستتبعات السيطرة الطبقية لا للسيطرة ذاتها.

 –  تنطوي المسألة الاجتماعية على دينامية مفضية إلى مواجهة صريحة مع الدولة، ما يقوى حسابات الربح والخسارة، ويعزز نزعة النأي بالنفس عن معمعة الصراعات الطبقية، بدافع حماية التنظيم من ضربات دولة قمعية متربصة. هذا ما يفسر السلوك السياسي للعدل والإحسان البالغ أوجه بانسحاب فجائي من 20 فبراير بمبررات لا تعكس الحقيقة بل تغطيها.

الشاغل الرئيسي لجماعة العدل والإحسان بناء التنظيم الحزبي بعمل داخلي كثيف، والقيام بمبادرات أقل جهد وأكبر مردود (الشواطئ البديلة/الأبواب المفتوحة/الاعتكاف الرمضاني/ ذكرى وفاة المؤسس عبد السلام ياسين/استعمال متقن للانترنيت…)، والاكتفاء بالحضور المحدود في النضالات الشعبية لفك عزلة يتوخاها النظام، وللتمرس على العمل في بيئة مغايرة وسط قوى أخرى، وكسب العلاقات واستقطاب أقرب الصلات، مع تجنب صارم لأي انجرار صوب أدوار رئيسية في تلك النضالات المستنزفة للقوى وذات المكاسب المحدودة. تريد جماعة العدل والإحسان صون قوتها التنظيمية، وتحضيرها للحظة أزمة شاملة وعميقة تسقط ثمرة “الخلافة” بعد “قومة مباركة” بين يديها بأقل جهد وأدنى تضحيات، أو على الأقل إسماع صوتها والفوز بمكانة متناسبة مع قوتها المكتسبة.  لكن كل منتبه سيستخلص الدرس البالغ من قصور هذه النظرة التبسيطية بعد درس رابعة العدوية بمصر.

اليسار وجماعة العدل والإحسان والنضالات الشعبية:

تاريخ علاقة اليسار المغربي بالأحزاب الدينية تاريخ قطيعة وصدام. فاليسار الإصلاحي البرجوازي المتحدر من الحركة الاتحادية رافض للأحزاب الدينية. إذ ركزت الأخيرة جهودها بداية عملها في السبعينيات على محاربة اليسار باسم الدفاع عن الإيمان (الذي تمثله) ضد الإلحاد والشيوعية. وعرضت خدماتها على نظام متضايق من معارضة أكثر تنظيما وانغراسا. إلا أن الوسط الطلابي مثل المسرح الأساس لجولات مواجهة دامية بين يسار ماركسي قوي مسيطر وأحزاب دينية صاعدة تقاتل لانتزاع مكانة لها في الجامعة، المكان الأمثل لنشر أيديولوجيتها وتجنيد أعضاء جدد. أرست تلك المواجهات، وما خلفت من شهداء يساريين، قطيعة بين يسار يواجه ظلامية دموية وأحزاب دينية تحارب الملاحدة الشيوعيين. تغيرت أمور عديدة في هذا المشهد، أحزاب ملكية تغذت من تجارب طلابية يسارية هي من يرفع راية مواجهة “الأصولية الرجعية” دفاعا عن استقرار نظام التبعية والاستبداد. وأعادت العدل والإحسان النظر في تكتيكاتها اتجاه اليسار، من حرب بلا هوادة إلي تجنب الاحتكاكات. ما جدوى الانشغال بمناوشات لا تجدي نفعا بعد تحقق المراد؟ لكن أهم التغيرات التي حدثت يتمثل في صعود النضالات الشعبية بحفز من أوضاع معيشية صعبة لم تعد مقبولة جراء التحرر من حاجز الخوف الذي ساد في عهد الديمقراطية الحسنية.

اليسار اليوم منقسم حول الموقف إزاء الأحزاب الدينية في النضالات الشعبية. ثمة من يرفض أي تواجد مع الأخيرة في أي نضال مدرجا الأمر في مصاف خيانة الشهداء. هذا الصنف من اليسار يتعامى عن أسئلة نضالية عملية، حرصه الوحيد هو نقاء المبدأ رغم أنه يؤدي إلى مأزق حقيقي. لا شك أن تجربة 20 فبراير أعطت أمثلة جلية عن ذلك بمشاهد عن عصب منغلقة اختارت الانعزال عن نضال شعبي استثنائي، حرصا على نقاء راياتها. إنها العصبوية بقاموس ماركسي أصيل تلك التي تفرض على حركة النضال أن تخضع لاشتراطاتها الخاصة. فكان أن تصرفت تلك العصب بعداء لـحراك 20 فبراير إبان أوجه واستعمال رايته بعد انكفائه.

لكن ثمة أيضا يسار إصلاحي نموذجه الحزب الاشتراكي الموحد، الرافض أي التقاء مع “الأصولية الدينية” بمبرر تناقض مشاريعها مع خياره “الديمقراطي الحداثي”. مقابل ذلك، أضحى حزب النهج الديمقراطي يتبني، بعد تردد، خيار بناء جبهة ضد المخزن تجمع كل معارضيه، حتى القوي الدينية. وبدأ في تكريس تقارب وتنسيق مركزي ومحلى مع جماعة العدل والإحسان بشكل كسر علاقة الصدام والحذر التي ميزت علاقة اليسار المغربي بالجماعة. أصبحت قيادة النهج الديمقراطي مسحورة بقوة تنظيم العدل والإحسان، وأسكرتها كلمات المديح التي تتقاطر على أدائها، ولا تتأخر في رد التحية بأحسن منها بحضور ثلة من الوجوه القيادية في الذكرى السنوية لوفاة عبد السلام ياسين. طبعا ثمة لدى حزب النهج الديمقراطي غايات، أهمها الرد على من يريد حصاره في فدرالية اليسار بأن لديه بدائل. كما أن للعدل والإحسان مراميها في كسر طوق النظام المضروب عليها وإغراء أحزاب أقوى للتقارب معها بعد أن كسرت الحصار عمليا ونسجت علاقات متعددة. لا تنظر جماعة العدل والإحسان إلى حزب النهج الديمقراطي كرديف، بل تستعمل إعلاميا علاقته معها كاستسلام دزينة من الرموز اليسارية بعد عقود من العداء وعينها على غيره.

حزب اليسار الموحد وجماعة العدل والإحسان: تخريب حركة النضال

يضم الحزب الاشتراكي الموحد تيارا سياسيا أقلويا أكثر يمينية في معارضته للنظام حتى بمنظور الحزب ذاته. لكنه بالمقابل أشد شراسة في العداء “للأصولية الدينية” بمنظور شبيه بما لدى حزب الأصالة والمعاصرة. خلال مؤتمر الحزب الاشتراكي الموحد الأخير، صودق على رفض أي تحالف أو عمل مشترك مع القوى الدينية. ومع ذلك، واصل أعضاء الحزب في الفروع العمل في مبادرات نضالية محلية ووطنية مع كل المنخرطين في النضال. وعند تفجر النضالات بالريف، واتساعها واتخاذها أبعادا أكبر، وفي خضم الدينامية التضامنية وطنيا، تم نفض الغبار عن مواقف الحزب وإخراجها من الدرج. نزلت توجيهات للفروع لتطبيقها فورا، تقضي بالامتناع عن مخالطة الأصوليين الاسلاميين. ما أثار نقاشا داخليا حادا، لاسيما أن المناضلين في الميدان لمسوا مأزق تطبيق ذاك القرار وأثره السلبي على النضال. أدى الأمر إلى الانسحاب من الهيئات والتنسيقيات وحرمانها من استغلال المقرات، والى تضارب مواقف مناضلي الحزب الأفراد بين مقاطعة للنضالات وبين مواظبة على الحضور في الاحتجاجات.

طبعا لحزب اليسار الموحد الحق في اتخاذ القرارات السياسية التي تخصه، لكن حينما تكون ذات مستتبعات على حركة النضال، يتعداه الأمر ليصبح شأن الجميع.

أولا، يبرر الحزب رفضه التواجد مع جماعة العدل والإحسان في النضالات بتناقض مشروعها “الأصولي الديني” مع المشروع “الديمقراطي الحداثي”. غموض كثيف يلف الخلفيات الحقيقة لهذا الموقف:

– هل ستجري مواجهة المشروع “الأصولي الديني” وهزمه عبر مقاطعة نضالات شعبية بمبرر وجود العدل والإحسان؟

–  يحظى المشروع “الأصولي الديني” بقاعدة اجتماعية عريضة، هل سيقاطع الحزب كل النضالات القادمة من الأعماق بمبرر وجود قوى أصولية او تضامنها؟

– توجد قوى “الأصولية الدينية ” في المنظمات النقابية، وفي أجهزة بعضها، فهل سيقاطعها الحزب بدورها؟

– شارك الحزب أخيرا في مسيرة ضد اعتراف الرئيس الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، شهدت مشاركة كثيفة “للأصولية الدينية”. وبرر ذلك بكون قضية فلسطين قضية وطنية خارج الصراعات. لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع إن القضية الفلسطينية هي بوتقة الصراع بكل أبعاده وأشكاله. ثم أليست قضية الريف قضية الشعب والمواطنين الرافضين لبطش النظام وميدان لتنافس كل التنظيمات والإيديولوجيات؟

– أين وكيف يواجه حزب الحزب الاشتراكي الموحد مشاريع “الأصولية الدينية ” التي تتقدم أشواطا في الانغراس في صفوف الشباب والنساء قاعدتها الضاربة، أين يقارع اليسار الموحد إيديولوجية هده التنظيمات التي تبدي جدية أكبر وانضباطا أقوى من ميوعة وتوفيقية منخورة العزيمة.

يسعى الحزب الاشتراكي الموحد إلى القيام بدور قائد المعارضة المسئولة التي بمقدورها لف معظم اليسار، وإعطاء أفق سياسي “مسئول” للنضالات الشعبية القادمة من الأعماق والحبلى بمخاطر الانفلات. إنها رسالة موجهة للاستبداد لإغرائه بجدوى الاعتماد عليها وتعميدها كمعارضة تريد إصلاحات في ظل استقرار نظام الرأسمالية التابعة. وإن تعارض حلم الإصلاح مع الاستقرار ضحت بالأول.انه درب عرض الخدمات الذي سلكته كل المعارضة البرجوازية الليبرالية عبر مر التاريخ في ظل أنظمة الاستبداد السياسي.

مواقف الحزب الاشتراكي الموحد لا تعزز النضال الشعبي، ولا تطوره، بل تضعفه. موقفه من “الأصولية الدينية ” لن ينال منها، هذه ستتوسع حتما، وسيتوطد مشروعها بتناسب مع خذلان من يسمون يسارا للنضالات بالحد من ديناميتها وعبادة الأوهام المؤسساتية كما يفعل الحزب الاشتراكي الموحد.

حزب النهج الديمقراطي انتقائية نظرية لتبرير ممارسة انتهازية

سلكت قيادة حزب النهج الديمقراطي أسوء طرق ممكنة لتمرير موقفها بخصوص العلاقة مع الأحزاب الدينية المعارضة. كانت القيادة، عشية المؤتمر، تنفي قطعيا أي علاقة تجمع الحزب بالعدل والإحسان. وتكتفي قول إن العلاقة لا تتعدى مثيل ما حصل في حركة 20 فبراير. لكن سرعان ما انتقلت القيادة إلى طريقة العلاج بالصدمة، بخطوات استقبال وقبول الحضور في مبادرات متبادلة مع العدل والإحسان، وتصريحات قادتها عن تحالف سياسي بعيد. كتمت أصوات مترددة لم تستوعب سرعة الانتقال من موقف إلى ضده بالاستناد على عكاز “ديالكتيك التناقضات”، تأشيرة تبرير كل التكتيكات. طبعا قيادة حزب النهج الديمقراطي واعية أنها بصدد بناء تحالف سياسي مع العدل والإحسان، وأنها تواجه صعوبات شديدة من قاعدتها الحزبية ذاتها، ما يمثل عقبة تستدعي التعامل بتدرج والرهان على الزمان. سيتولد عن موقف حزب النهج الديمقراطي تناقضات عملية لا يمكن للصيغ الأدبية التي تدبج بها مقررات المؤتمر، ولا بتوليد ترسيمات لجبهات لا عد لها، ولا ترتيب مدرسي للتناقضات، أن يحجبها لأنها بنت واقع الصراع الطبقي لا وليدة ذهن بارد.

ابتزت فيدرالية اليسار حزب النهج الديمقراطي، وحاولت مقايضة موقفه من الملكية البرلمانية والصحراء الغربية والمشاركة الانتخابية مقابل القبول به في تحالفها. رد الأخير على ما يراه عزلة تخنقه بمحاولة تجميع من على يساره، لكن لم يشف غليله فبحث عن قوة أكبر لم يجدها إلا في العدل والإحسان. ففصل لها جبهة على مقاسها تبرر التحالف معها. استوعبت الفدرالية الرسالة، وفتحت نافدة لحزب النهج الديمقراطي. فكبح هذا الأخير اندفاعه مؤقتا نحو جماعة العدل والإحسان، مع إبقاء الباب مفتوحا لاستعماله حينما تصده فيدرالية اليسار مجددا.

التضامن مع الريف إقصاء مرفوض وذريعة للتملص

زادت الأحكام القاسية، الصادرة يوم 26 يونيو 2018، تأجيج الغضب الشعبي ضد ما يتعرض له الريف من بطش بغاية إجباره على الخضوع. فقد انتشرت موجة احتجاجات لازالت متواصلة بمدن عديدة، شارك فيها معظم الطيف السياسي المعارض. لا بل لم تجد الأحكام من يدافع عنها وتبريرها خلال الأيام التي تلت النطق بها. أعلنت تنسيقية تنظيمات سياسية وجمعوية تقدمية عن تنظيم مسيرة بالدار البيضاء يوم 08 يوليوز2018 للتضامن مع الريف. ولا يخفى أن طريقة الإعلان تنم عن إقصاء لأطراف لا تصنف نفسها في نفس الخندق، لكنها معنية بالتضامن مع الريف، وتندد بالأحكام مثل جماعة العدل والإحسان والحركة الأمازيغية. طبعا لا يرفض الداعون للمسيرة حضور كل من يشاء لتعزيز المسيرة عدديا، لكنهم يريدونهم بلا لون سياسي أي أن ينسحقوا سياسيا.

غاية هذا السلوك تنصيب فدرالية اليسار نفسها قسرا معبرا عن معارضة مسؤولة، وقناة وحيدة للغضب الشعبي، بإعلان ذاتي مفروض.لا يمكن لأي عاقل إلا أن يدرك ضيق أفق هذا المنظور، وضرره البالغ؟ إذ يضعف حركة التضامن بإقصاء أطراف عديدة، ويكبح ديناميتها بفرض حدود قسرية، مما يفقدها قوة الضغط المأمول. وهو لا يخدم بتاتا ضحايا بطش النظام، ولا يفك الطوق عنهم. فالنظام مرتاح لدور المعارضة المسؤولة التي تتقن بعث رسائل النصح والإرشاد، وله خبرة غنية مع المبدع الأصيل لهذا التكتيك بالمغرب، أي المدرسة الاتحادية التي تلاشت.

 وجدت العدل والإحسان بدورها في تصرف فيدرالية اليسار حجة للاستنكاف عن التضامن مع الريف، بمبرر تعرضها للإقصاء، مطمئنة للتأثير السلبي لهذا التصرف الذي سيسبب تردد الغاضبين في الإقدام على المشاركة بسبب ما سيرون فيه حسابات سياسية. العدل والإحسان في حضورها وغيابها تريد استعمالا سياسيا أبعد من بناء حركة التضامن مع النضالات في الريف، وإلا كانت أعلنت حضورها استجابة لحاجات النضال التضامني مع ضحايا القمع. لقد استعملت عدم التنسيق مبررا للاستنكاف في أفق فرصة لاستعراض قوة العدد ردا على الإقصاء. وكلا الطرفين، المقصي والمقصى، أضاع هدف بناء قوة ضغط شعبي تجبر النظام على التراجع عن قمعه وحصاره لشعبنا بالريف.

اليسار الماركسي يرفض الأساليب غير الديمقراطية في تنظيم النضالات، والتحكم من فوق. يجب أن يظل التضامن واسعا ومفتوحا ومتعددا وأن تتنافس التنظيمات والهيئات على من يقدم الأفضل. نرفض سد الباب على قوى موجودة على الأرض حاضرة في النضالات المحلية طيلة ما يقارب السنتين بمبررات تخص جهة سياسية معينة.

اليسار الماركسي والمعارضة البرجوازية:

اليسار الماركسي لا يمكنه تجاهل ما يعترض النضالات الشعبية من عقبات سياسية وتنظيمية وصعوبات عملية. ولا يمكن أن يكون جوابه ترسيمات عامة تتعالى عن واقع النضال، سرعان ما يتكشف خوائها عند أول احتكاك بالأرض.

يعتبر اليسار الماركسي أن جهوده منصبة على توحيد قوى طبقتنا العاملة التي تبقى غالبيتها الساحقة بلا تنظيم حتى النقابي منه، والقليل المنظم نقابيا واقع تحت هيمنة قوي غير عمالية. لا يستعيض الاشتراكيون العماليون عن قوة طبقتهم بوهم التحالف مع قوى طبقية برجوازية حتى المعارضة منها.

تمثل أحزاب البرجوازية الدينية معارضة رجعية، بمعنى أن بديلها لنظام الرأسمالية التابعة ليس إلا نظاما رأسماليا تابعا بمسحة مثالية واهمة بمحاربة الاحتكار والملكية الخاصة الكبيرة، مع عداء شديد للحريات الفردية ولحقوق النساء. لم تعد العدل والإحسان النظر في الأطروحات المؤسسة لها التي تمثلها كتابات عبد السلام ياسين. إنما تكيفت تكتيكيا مع التغيرات الآنية، بلا أي مراجعة لإستراتيجيتها الرئيسية: التربية والتنظيم والزحف في إطار القومة الإسلامية. لا ينشر اليسار الاشتراكي أية أوهام حول المشروع السياسي لأحزاب المعارضة البرجوازية سواء الليبرالية أو الدينية، بل تمثل مهمة كشف أوهامها في صفوف طبقتنا ونقد ايديولوجيتها وتبيان خطرها ومعارضة دؤوبة لسياستها أمرا واجبا أيما وجوب.

اليسار الاشتراكي الثوري غير معني بتنافس أقسام المعارضة البرجوازية إلا في حدود استعماله لتنوير الكادحين. وعليه ألا يكون ذيليا إزاء أي منها، بل أن يبني خطه المستقل عنهما، ويتعامل مع النضالات الشعبية بلا اشتراطات، وأن يركز انخراطه فيها على المساهمة في تعزيز قوتها وامتداد رقعتها، وتأجيج التضامن، والحيطة من الاستعمال الأدواتي لها وتخريبها من الداخل. واجب اليسار الاشتراكي الثوري الدفاع عن منظور تحرر اشتراكي شامل. طبعا ثمة قضايا نضال قد تجمعنا مع المعارضة البرجوازية، كالدفاع عن الحريات الديمقراطية، ومطالب اجتماعية، ومطالب الحركة النسائية، والدفاع عن العلمانية وعن الحريات الفردية. لكن، لا بد في كل الأحوال من الحفاظ على استقلاليتنا عبر برنامج بمنظور قطيعة طبقية. كما قد تجمعنا نضالات مع المعارضة الدينية كاحتجاج شعبي بمطالب اجتماعية أو مع تضامن قضايا قومية، لكن بمنظور تحرري اشتراكي مستقل. وتبقى التحالفات السياسية بالنسبة لليسار الماركسي حصرا تحالفات في إطار جبهة الطبقة الواحدة، أما مع البرجوازية المعارضة فمجرد التقاءات محدودة على قضايا محددة.

يعلم كل منخرط في النضال العمالي والشعبي ما سيؤدي إليه رفض الانخراط في نضالات عمالية وشعبية، فإما الانعزال وفسح المجال أمام المعارضة البرجوازية، سواء الليبرالية أو الدينية، باستعمالها كل لغاياته، أو خوض صدامات معها لا يفهمها الناس مما سيدفعهم للانفضاض وتفكيك التعبئة، وكلا الخيارين لا يفيد اليسار الاشتراكي في بناء ميزان قوى طبقي عبر مراكمة نضالية وتنظيمية.

بقلم، حسن أبناي