حملة “مقاطعون”: نصر جديد ووساطة مرفوضة

Print Friendly, PDF & Email

حققت حلمة “مقاطعون” نصرا جزئيا جديدا، بإرغام شركة دانون على التقدم بوعود تخفيض أثمان منتوج وحيد من منتوجاتها وهو الحليب المبستر. إنه نصر جزئي، لكنه نصر يفتح الطريق أمام استمرار النضال ضد الغلاء.

استطاعت حملة “مقاطعون” إركاع شركة متعددة الجنسيات، وهذا دليل على أن الجماهير حينما تتحد وتناضل بشكل جماعي ويكتسي نضالها طابعا وطنيا تستطيع انتزاع مكاسب.

وعود سانطرال: تراجع تكتيكي

لكن الوعد بالاستجابة للمطالب ليس استجابة بعد. لم يقدم المدير العام لشركة دانون إلا وعودا وتعبيرا عن نيته الاستجابة لمطالب الحملة.

عكس الأقوال المعسولة لمدير الشركة و”نيته الحسنة”، التي انخدع بها “أربعون شخصية وازنة”، فإن الشركة سلكت قبل خضوعها طريق تهديد المستهلكين والمنتجين الصغار (الفلاحون) وعمال الشركة. استمرار المقاطعة والخسائر الهائلة، هو ما أرغم مديرها العام للقدوم قصد “تصحيح الأوضاع”.

تريد الشركة ربح الوقت وتعويض الخسائر، مستعملة تكتيكا قديما طالما أثبت فعاليته في تعامل الدولة مع حركات النضال: وقف النضال مقابل تقديم وعود.

إن ادعاء الشركة استعدادها بيع الحليب المبستر “بثمن تكلفته وبدون تحقيق أي ربح” أكذوبة مكشوفة. لماذا تلجأ الشركة دائما إلى التركيز على “الربح المستخلص من الحليب المبستر” وعزله عن باقي منتوجاتها؟

ما يهم الشركة هو مجموع الأرباح المستخلصة من إجمالي استثماراتها، أي من إجمالي مبيعاتها كلها. وإلا لماذا تتقدم الشركات دائما بعروض تخفيض أثمان بعض منتوجاتها؟ أليس من أجل رفع مبيعات جميع منتوجاتها الأخرى، وترفع هكذا كتلة الربح؟

كما تلجأ الشركات إلى أساليب رفع كتلة الربح إذا اضطرت إلى تخفيض الأثمان، بسبب المنافسة أو أي سبب آخر. وأهم هذه الأساليب هي رفع “فائض القيمة النسبي”، أي تشديد استغلال العمال: زيادة وتيرة العمل، إدخال التكنولوجيات الجديدة، تقليص اليد العاملة… الخ.

ثم إن شركة دانون لم تعد إلا ببيع منتوج واحد بثمن كلفته وهو الحليب المبستر. أي الحليب بعد تخليصه من كل المواد المستعملة لإنتاج المنتوجات الأخرى، وبالتالي فحتى لو صدقنا خفض ثمن الحليب المبتسر بثمن كلفته، فإنها رابحة في كل الأحوال.

استمرت المقاطعة ما يقارب ثلاثة أشهر، تحملت فيه شركة سانطرال خسائر فادحة. وربما كانت تنوي منذ زمن تخفيض أثمان الحليب المبستر، وربما أيضا تعرضت لضغوط من الدولة تثنيها عن ذلك مخافة تشجيع المقاطعين على المزيد من النضال. الدولة تسعى دائما لتربية الشعب على ثقافة الاستجداء وقبول المنح، وتحارب ثقافة النضال وانتزاع الحقوق.

لكن سانطرال وجدت نفسها في وضع صعب، إما التقدم بوعود حلول، أو التعرض للإفلاس وهو ما تجهد لعدم الوقوع فيه. تنازلت الشركة عن الجزء البسيط لتنقذ الكل.

توجد سانطرال في فوهة مدفع المقاطعة الشعبية، لكن كل الشركات الأخرى تحس بالخطر. نجاح مقاطعة مهرجان موازين، جعلت الرأسماليين ودولتهم وخدامهم (من أكاديميين ومثقفين وجامعيين) يحسون بالأرض تميد تحت أرجلهم. هذه الاهتزازات الشبيهة بترددات الزلازل، دفعت مجموعة اعتبرتها صحافة السوق “شخصيات وازنة” لإصدار بيان وساطة يدعون فيه المقاطعين، لتعليق المقاطعة مدة 10 أسابيع جوابا على حسن نية إدارة شركة سانطرال ومديرها العام.

مبادرة وساطة: تخوف بورجوازي من شعبية المقاطعة

أساتذة جامعيون ومحامون ومثقفون وأعضاء في أحزاب ناقصة النزعة الديمقراطية، أصيبوا بالهلع مما يمكن أن تفضي إليه المقاطعة لو مدت جسور الالتقاء النضالي مع الحراك الاجتماعي المتنامي، ما سيهدد ليس فقط شركة واحدة، ولكن مجمل النظام الاقتصادي المبني على الاستغلال الرأسمالي. يسعى هؤلاء ببيانهم لوضع “سقف طبقي” للمقاطعة، سقف يحافظ على المجتمع الرأسمالي: “المقاطعة، كما شاركنا فیھا، لم تكن يوما تهدف إلى تدمير أي مجھود استثماري، وإنما كان ھدفھا الدفع برؤوس الأموال إلى احترام القوانین”.

رغم مطالبتهم بتعليق المقاطعة، سعى هؤلاء إلى تضمينه مطالب البرجوازية التي تسعى دائما لاستعمال النضالات الشعبية لتحقيق أهدافها الطبقية.

يتحدث البيان عن مطالب المقاطعة مقدما تخفيض الأسعار، ثم يضيف محاربة الاحتكار وتفعيل مجلس المنافسة. الكل يعرف أن المقاطعة تطالب بتخفيض أسعار المنتوجات الثلاثة. جرى فرض المطلبين الآخرين من طرف قوى سياسية مدافعة عن أقسام البرجوازية المتضررة من احتكار قسم من نفس الطبقة للسلطة والثروة.

ليس سلوك موقعي البيان هذا جديدا أو جوابا على وعود شركة سانطرال، بل عبروا عنها في بيان آخر منذ بداية المقاطعة. حيث قام 70 “شخصية وازنة” تضم موقعين على البيان الأخير، بتاريخ 14 يونيو 2018 بتوجيه بيان يدعون فيه الدولة “لاستخلاص العبر من المقاطعة”.

وعلى غرار تنبيهات أحزاب المعارضة الزائفة وناقصة النزعة الديمقراطية، نبه بيان السبعين “إلى خطورة الأوضاع ببلادنا، والتي لا تشكل المقاطعة إلا أحد تعبيراتها الدالة”… وتخشى هذه “الشخصيات الوازنة” من أن تؤدي المقاطعة وجميع أشكال الحراك الاجتماعي إلى “إفلاس هياكل الوساطة وفقدان المواطنين لأي ثقة في أدوارها ووظائفها”، ما يؤدي حسبهم إلى “عواقب خطيرة… قد تسهم في إذكاء الغضب الاجتماعي”.

يدعي موقعو البيان الأربعون التمسك بالمقاطعة “كسلاح نستعمله كلما دعت الضرورة إلى ذلك”، والضرورة هنا هي مصالح الطبقة التي يمثلونها. ويزيدون حرصهم على الحفاظ على المقاطعة. لكن روح بيانهم يظهر أن الأمر لا يتعلق بالحرص، وإنما بالخوف من تطور سلاح المقاطعة وتجاوزه السقف الذي حددوه لها: “الدفع برؤوس الأموال إلى احترام القوانین واحترام المنافسة”.

سبق لنموذج هذه “الشخصيات الوازنة” أن تقدموا بوساطة بين حركات الاحتجاج الاجتماعي والدولة. نذكر الوساطة بين الأساتذة المتدربين ووزارة الداخلية التي انتهت بنقض الوزارة لوعودها. ونذكر أيضا الوساطات المتعددة التي حاولت إقناع معتقلي حراك الريف بطلب العفو الملكي.

إن هذه الوساطات كلها تشترك في منطق واحد: الخوف من تجذر النضال الشعبي والعمالي الذي يهدد أسس المجتمع البرجوازي ونظام الاستبداد السياسي الذي يحميه.

رد المقاطعون على دعوة تعليق المقاطعة بالرفض، مذكرين بسابقة 2011 قائلين على صفحات الفايسبوك: “سنة 2011 طالبنا بنكيران بالكف عن التظاهر، ومنح الفرص للحزب كي يقوم بالإصلاح… لكننا لن نلدغ من نفس الجحر مرتين… المقاطعة مستمرة حتى الاستجابة للمطالب”.

رفض المقاطعون طلب التعليق وشنوا هجوما شرسا متهمين الموقعين على النداء بخيانة المقاطعة، عازين ذلك لأسباب شخصية مرتبطة بصفقة مع شركة دانون. ويغفل هذا التفسير الأسباب الجماعية، أي الطبقية التي دفعت هؤلاء “المثقفين” إلى الوقوف إلى جانب شركة سانطرال.

أثارت حدة هجوم المقاطعين ردود فعل وسط الموقعين، فأعلن بعضهم سحب توقيعه، بينما فضل آخرون التبرير بهجوم مضاد. وصف فؤاد عبد المومني رفض المقاطعين تعليق المقاطعة بـ”ردود الفعل غير العميقة”. إنه الاحتقار البرجوازي التقليدي للجماهير، فهي دائما من وجهة نظره جماهير كسولة سلبية منفعلة يسهل قيادها. وما أن تبدي امتناعا حتى تنعت بـ”الغوغاء” و”الدهماء”.

اعتقدت هذه الشخصيات أن “وزنها” الأكاديمي والسياسي والثقافي، سيجعل الجماهير تتلقف دعوتهما بمجرد إطلاقها، ولكن رفض الطلب يدل على أن هذا “التقدير بئيس”.

استطاعت حملة “مقاطعون” واستعمال وسائل التواصل الاجتماعي أن تفتح باب التعلم أمام الجماهير، بعد عقود من القمع المادي والتخبيل الأيديولوجي. وأكد هذا درسا قديما: يستطيع النضال أن يعلم الجماهير في شهر ما لم تستطعه سنوات من الدعاوة والتربية السياسية.

لتستمر المقاطعة، لا زلنا في بداية الطريق.

لنمد أواصر التعاون النضالي بين جيش المقاطعين والنضالات الاجتماعية والعمالية، فهذا هو سبيل الانتصار.

بقلم، مقاطع