شغيلة الجماعات الترابية : واقع ومقاومة وافاق الوحدة النضالية مقابلة مع الرفيق عبد السلام سلالة نائب الكاتب الوطني – كدش
الرفيق عبد السلام سلالة نائب الكاتب الوطني
واقع الشغيلة، معركة الحقوق والكرامة، وآفاق الوحدة النضالية
بادئ الأمر أشكر الإخوة في جريدة المناضل-ة على اهتمامهم بقضايا شغيلة الجماعات الترابية والتدبير المفوض، كما أشكرهم على تتبعهم للدينامية التنظيمية التي تعرفها النقابة الوطنية للجماعات الترابية والتدبير المفوض – ك د ش وخاصة مؤتمرها الوطني السادس المنعقد يومي 02 و03 أكتوبر ببوزنيقة.
السؤال الأول: بداية، نود منكم تقديم تعريف موجز بشغيلة الجماعات الترابية والتدبير المفوض بالمغرب، وأوضاعها المهنية والاجتماعية، وطبيعة المهام التي تقوم بها وأهميتها في الحياة اليومية للمواطنات والمواطنين.
الجواب: تُشكّل شغيلة الجماعات الترابية والتدبير المفوض إحدى الركائز الأساسية لمنظومة المرافق العمومية، بالنظر إلى الدور الحيوي الذي تضطلع به في ضمان استمرارية الخدمات العمومية المحلية والاستجابة للحاجيات اليومية للمواطنات والمواطنين. ورغم أهمية المهام التي تقوم بها، فإن هذه الشغيلة لا تزال تعاني، في عدد من القطاعات والمجالات، من التهميش الاجتماعي والمهني، وضعف الاعتراف بقيمة عملها، فضلاً عن استمرار مجموعة من الإشكالات المرتبطة بالأوضاع المادية والمهنية، وظروف الاشتغال، والحماية الاجتماعية، واحترام الحقوق النقابية.
وتضم هذه الشغيلة فئات مهنية متعددة، تشمل الموظفين والأعوان العاملين بمختلف المصالح الإدارية والتقنية للجماعات الترابية، من أطر إدارية وتقنية، ومساعدين إداريين وتقنيين، ومتصرفين ومحررين، وغيرهم من الموظفين والأعوان، إلى جانب العاملات والعمال المكلفين بالنظافة وجمع النفايات ونقلها، وصيانة المرافق والتجهيزات العمومية، والإنارة العمومية، والأغراس والمساحات الخضراء، وغيرها من الخدمات الأساسية. كما تشمل أجراء الشركات المفوض لها تدبير بعض المرافق العمومية، ولا سيما في قطاعات النظافة والنقل الحضري وتوزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل.
ومن الضروري التمييز بين الوضعيات القانونية والمهنية لهذه الفئات؛ فموظفو الجماعات الترابية يخضعون للأنظمة القانونية والتنظيمية المؤطرة للوظيفة العمومية، بما فيها الأنظمة الأساسية المشتركة والأنظمة الأساسية الخاصة ببعض الفئات، في حين يخضع أجراء شركات التدبير المفوض، من حيث المبدأ، لمقتضيات التشريع الاجتماعي الجاري به العمل، ولا سيما القانون رقم 65.99 بمثابة مدونة الشغل، بحسب طبيعة العلاقة المهنية والنظام القانوني المنطبق عليها. أما الأعوان العرضيون والموسميون، فتتحدد وضعيتهم وفق النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة لتشغيلهم، وهو ما يستوجب عدم الخلط بين وضعيتهم والوضعية النظامية للموظفين المرسمين أو الوضعية المهنية لأجراء القطاع الخاص.
وعلى مستوى التنظيم الترابي، تتوزع الجماعات الترابية على اثنتي عشرة (12) جهة، وخمس وسبعين (75) عمالة وإقليماً، وألف وخمسمائة وثلاث (1503) جماعات، وفق التقسيم الإداري المعتمد. أما فيما يتعلق بالموارد البشرية، فتقدر بحوالي (78 000 ألف موظف/ة حسب تصريح وزارة الداخلية الأخير بينما كان العدد في تسعينيات القرن الماضي يصل إلى حوالي 150 000 موظف/ة في فترة اتسمت بحملة توظيفات ما سمي “بالمجلس الوطني للشباب” التي تلت انتفاضة 1991 المجيدة)، وتبرز هذه المعطيات الأهمية العددية والاجتماعية لهذه الشغيلة، كما تكشف عن الحاجة إلى تطوير منظومة تدبير الموارد البشرية وتحسين توزيعها بما يتلاءم مع الاختصاصات المتزايدة للجماعات الترابية وحاجيات الساكنة.
وتُطرح، في هذا السياق، إشكالية التفاوتات المجالية في توزيع الموارد البشرية، حيث تشير معطيات المجلس الأعلى للحسابات إلى تمركز حوالي 58% من موظفي الجماعات الترابية في أربع جهات، هي الرباط-سلا-القنيطرة، والدار البيضاء-سطات، وفاس-مكناس، ومراكش-آسفي. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى التوازن في توزيع الموظفين والأطر المؤهلة بين مختلف الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات، ولا سيما الجماعات القروية والمناطق النائية التي تواجه، في كثير من الأحيان، خصاصاً في الموارد البشرية والوسائل الضرورية للاضطلاع باختصاصاتها.
إن معالجة هذا الخصاص تكتسي أهمية خاصة في ظل “الأوراش الكبرى” لا سيما “ورش الجهوية المتقدمة” وتوسيع اختصاصات الجماعات الترابية، إذ لا يمكن تحقيق تنمية ترابية متوازنة أو الارتقاء بجودة الخدمات العمومية دون توفير الموارد البشرية الكافية والمؤهلة، وتحقيق توزيع منصف لها، وسد الخصاص في الأطر الإدارية والتقنية، وتوفير الاعتمادات المالية اللازمة لتدبير شؤون الموظفين وتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية.
أما فيما يتعلق بظروف العمل، فإن جزءاً من موظفي الجماعات الترابية يشتغل في ظروف صعبة، تتسم أحياناً بنقص الوسائل اللوجستيكية والتجهيزات الضرورية، وضعف شروط الصحة والسلامة المهنية، وتداخل الاعتبارات السياسية بالتدبير الإداري، فضلاً عن الإشكالات المرتبطة بالمسار المهني والترقية والتعويضات والتكوين المستمر والاعتراف بالكفاءات. وتكتسي هذه الإشكالات أهمية خاصة بالنظر إلى الصلاحيات التي يخولها القانون لرؤساء مجالس الجماعات في تدبير المصالح الإدارية والإشراف على الموظفين، الأمر الذي يستوجب ضمان احترام مبدأ المشروعية، وتكريس الحياد الإداري، وحماية الموظفين من التعسف والشطط في استعمال السلطة، وضمان ممارسة حقوقهم المهنية والنقابية في إطار القانون.
وتزداد صعوبة ظروف العمل بالنسبة إلى عدد من أجراء شركات التدبير المفوض، خصوصاً في قطاع النظافة، حيث يضطر العاملات والعمال إلى الاشتغال في ساعات مبكرة أو متأخرة، وفي مختلف الظروف المناخية، مع التعرض المباشر للنفايات ومخاطرها الصحية والبيئية. وتفرض هذه الوضعية توفير معدات الوقاية الفردية والجماعية، واحترام معايير الصحة والسلامة المهنية، وضمان الأجور والتغطية الاجتماعية، وتحسين ظروف الاشتغال، والتصدي لكل أشكال الهشاشة والاستغلال المهني.
كما أن تفويض تدبير بعض المرافق العمومية إلى شركات خاصة لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل للمساس بالحقوق والمكتسبات الاجتماعية للعاملات والعمال. بل يتعين أن تتحمل الشركات المفوض لها مسؤولياتها القانونية والاجتماعية، وأن تضطلع الجماعات الترابية، في إطار اختصاصاتها والتزاماتها التعاقدية، بدورها في مراقبة تنفيذ عقود التدبير المفوض، بما يضمن احترام حقوق الأجراء وتحسين ظروف عملهم، ويجعل حماية الموارد البشرية جزءاً أساسياً من معايير جودة الخدمة العمومية واستمراريتها.
وانطلاقاً من هذه الاعتبارات، تؤكد النقابة الوطنية للجماعات الترابية والتدبير المفوض أن هذه الشغيلة ليست مجرد قوة عاملة تؤدي مهاماً إدارية أو تقنية أو يدوية، بل تشكل ركيزة أساسية في التنمية المحلية، وعنصراً حاسماً في الحفاظ على الصحة العامة، ونظافة المدن والقرى، وصيانة الفضاءات والمرافق العمومية، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية. ومن غير المقبول أن تستفيد الجماعات الترابية والساكنة من هذه الخدمات، بينما يظل جزء من العاملات والعمال الذين يسهرون على تقديمها يعاني الهشاشة المهنية والاجتماعية، وضعف الحماية والاعتراف.
لذلك، فإن إنصاف شغيلة الجماعات الترابية والتدبير المفوض يقتضي اعتماد مقاربة شمولية تجعل العنصر البشري في صلب إصلاح المرافق العمومية المحلية، من خلال تحسين الأوضاع المادية والمهنية، وتطوير المسارات المهنية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتوفير شروط الصحة والسلامة في العمل، وضمان احترام الحقوق والحريات النقابية، وسد الخصاص في الموارد البشرية، وتحقيق العدالة المجالية في توزيع الموظفين والأطر، إلى جانب إرساء حوار اجتماعي جاد ومسؤول يستجيب للمطالب المشروعة لهذه الشغيلة.

إن كرامة الموظفات والموظفين والعاملات والعمال، وصون حقوقهم/ن، وتحسين ظروف اشتغالهم/ن، ليست امتيازات ثانوية، بل شروط أساسية لضمان مرفق عمومي ترابي فعال ومنصف، قادر على الاستجابة لحاجيات المواطنات والمواطنين، والإسهام في تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والمجالية.
السؤال الثاني: ما هي أهم المنظمات النقابية التي تؤطر شغيلة الجماعات الترابية والتدبير المفوض؟ وما مستوى الانخراط النقابي؟ وهل تواجه الممارسة النقابية تضييقات من طرف المشغلين؟
الجواب: يعرف قطاع الجماعات الترابية والتدبير المفوض تعدداً نقابياً، حيث تنشط فيه تنظيمات نقابية وطنية قطاعية تختلف من حيث مرجعياتها التنظيمية وأساليب عملها وأولوياتها، وتؤطر فئات من الموظفين والأجراء على امتداد التراب الوطني.
وفي هذا السياق، تضطلع النقابة الوطنية للجماعات الترابية والتدبير المفوض، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، بمسؤولية الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية والمهنية للشغيلة، والعمل على تنظيمها وتأطيرها، وتوحيد نضالاتها، والترافع عن قضاياها لدى الجهات الحكومية والجماعات الترابية والشركات المشغلة.
أما بخصوص مستوى الانخراط النقابي، فلا تتوفر لدينا، في غياب إحصائيات وطنية شاملة ومحينة، معطيات دقيقة تسمح بالجزم بنسبة المنخرطين أو تحديد الفئات الأكثر انخراطاً. غير أن الواقع يكشف عن تفاوت في مستوى التنظيم النقابي بين القطاعات والجهات والمؤسسات، كما تتأثر القدرة على الانخراط بعوامل متعددة، من بينها الوعي بأهمية العمل النقابي، والاستقرار المهني، وطبيعة العلاقة مع المشغل، ومدى توفر الحريات النقابية.
وفيما يتعلق بالتضييق على العمل النقابي، فإن من بين الإشكالات التي تستدعي اليقظة النقابية استمرار بعض الممارسات التي قد تستهدف الحد من النشاط النقابي أو إضعافه، سواء من خلال التضييق على تأسيس المكاتب النقابية، أو الضغط على المنخرطين، أو التعامل السلبي مع المطالب النقابية، أو عدم احترام الالتزامات القانونية المرتبطة بالحوار الاجتماعي.
وتزداد هذه الإشكالات خطورة عندما يتعلق الأمر بأجراء شركات التدبير المفوض، بالنظر إلى طبيعة علاقة الشغل واختلال ميزان القوة بين الأجير والمشغل، وما قد يترتب عن ذلك من تخوف بعض العاملات والعمال من ممارسة حقوقهم النقابية.
ومن هذا المنطلق، نعتبر أن الحرية النقابية ليست امتيازاً تمنحه الإدارة أو الشركة، وإنما حق أساسي يتعين احترامه وضمان ممارسته الفعلية. كما أن الحق في التنظيم النقابي والتفاوض الجماعي والاحتجاج السلمي يجب أن يشكل أساساً للعلاقات المهنية السليمة.
وتدعو نقابتنا إلى التصدي لكل أشكال التضييق على العمل النقابي، وتفعيل آليات المراقبة والتفتيش، وترسيخ ثقافة الحوار، بما يضمن للعاملات والعمال ممارسة حقوقهم دون خوف أو انتقام.
السؤال الثالث: ما أهم المطالب التي تناضل نقابتكم من أجل تحقيقها؟ وأين وصل الحوار والتفاوض بشأنها؟
الجواب: تستمد النقابة الوطنية للجماعات الترابية والتدبير المفوض مطالبها من واقع الشغيلة، ومن الاختلالات التي تعرفها أوضاعها المهنية والاجتماعية، ومن القناعة الراسخة بأن تحسين ظروف العمل لا يمكن أن يتحقق دون معالجة جذرية للأسباب التي تنتج الهشاشة وعدم الإنصاف.
ويمكن تصنيف مطالبنا الأساسية ضمن المحاور التالية:
أولاً: تحسين الأوضاع المادية والاجتماعية.
ندافع عن تحسين الأجور والتعويضات بما يتلاءم مع تكاليف المعيشة، وضمان احترام الحد الأدنى للأجر المطبق قانوناً بحسب الفئة والنظام المعني، والتصريح بجميع الأجراء (أجراء شركات التدبير المفوض) لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وفق المقتضيات الجاري بها العمل، واحترام آجال صرف الأجور، وضمان الاستفادة من التغطية الصحية والتقاعد والتعويضات المستحقة.
كما نطالب بتحسين الوضعية الاجتماعية والمهنية للفئات التي تشتغل في ظروف صعبة، وضمان استفادتها من الحقوق القانونية والاجتماعية دون تمييز.
ثانياً: تحسين الوضعية المهنية لموظفي الجماعات الترابية.
نؤكد ضرورة مراجعة الاختلالات التي تطبع المسار المهني للموظفين، وتحسين شروط الترقي والتعويض عن المسؤوليات، والعمل على إلغاء شرط بلوغ ساكنة الجماعة 15 ألف نسمة للاستفادة من التعويض عن المسؤولية، والدفاع عن إرساء تعويض عن العمل بالمناطق النائية والصعبة.
كما نطالب بإحداث درجة خارج السلم بالنسبة للتقنيين والمحررين تنفيذا لمحضر اتفاق الحوار الاجتماعي المبرم بين الحكومة والمركزيات النقابية سنة 2022 بإجراء امتحانات الكفاءة المهنية بصفة سنوية ومنتظمة، وتوفير الاعتمادات المالية الضرورية في الفصل المتعلق بنفقات الموظفين، بما يسمح بتنفيذ الالتزامات المرتبطة بالترقي وتسوية الوضعيات الإدارية والمالية.
وندعو أيضاً إلى إعادة النظر في التعويض عن الأعمال الشاقة والملوثة، وتطويره بما يعكس حقيقة المخاطر والمجهودات المبذولة، مع إدماجه ضمن مكونات الأجر وفق الصيغة القانونية والمالية الملائمة.
ثالثاً: الدفاع عن أجراء التدبير المفوض.
نطالب باحترام مدونة الشغل والمقتضيات الاجتماعية ذات الصلة، وضمان استقرار الشغل، ومحاربة جميع أشكال التشغيل الهش، واحترام الحقوق المكتسبة، وتحسين الأجور وظروف العمل، وضمان الحماية الاجتماعية والتأمين عن حوادث الشغل، وتوفير وسائل العمل والوقاية الضرورية.
كما نؤكد ضرورة ألا تتحول صفقات التدبير المفوض إلى وسيلة لتخفيض تكلفة الخدمات على حساب أجور العاملات والعمال وحقوقهم وكرامتهم.
رابعاً: حماية الحقوق النقابية وتطوير الحوار الاجتماعي.
نطالب بإقرار حوار اجتماعي جدي ومنتظم، تشارك فيه الأطراف المعنية، مع تحديد الملفات المطروحة والالتزامات والآجال اللازمة لتنفيذها، بدل الاكتفاء باجتماعات شكلية لا تفضي إلى نتائج ملموسة.
أما بخصوص مآل الحوار والتفاوض، فإن التقييم الدقيق يقتضي التمييز بين الملفات التي تم بشأنها إحراز تقدم، والملفات التي ما تزال عالقة، والالتزامات التي لم تنفذ. ولا يمكن تقديم حصيلة نهائية دقيقة دون الاستناد إلى محاضر الاجتماعات والاتفاقات الرسمية المحينة.
وموقفنا في هذا الشأن واضح: نحن نفضل الحوار الجاد والمسؤول، لكننا نؤمن في الوقت نفسه بأن العمل النقابي لا يمكن أن يختزل في الحوار وحده. فالحوار الذي لا يستجيب للمطالب ولا يفضي إلى نتائج ملموسة يفقد مضمونه، وتصبح مواصلة النضال السلمي والمنظم حقاً مشروعاً من أجل فرض احترام الحقوق وتحقيق المطالب.
السؤال الرابع: هل يوجد تنسيق بين مختلف التنظيمات النقابية لخوض نضالات موحدة؟ وما آفاق بناء وحدة نضالية داخل القطاع؟
الجواب: إن تعدد التنظيمات النقابية داخل قطاع الجماعات الترابية والتدبير المفوض واقع تنظيمي قائم، ولا ينبغي النظر إليه بالضرورة باعتباره عائقاً، ما دام الاختلاف في الانتماءات والاختيارات لا يمنع الاتفاق حول المطالب المشتركة والدفاع الجماعي عن مصالح الشغيلة.
ونحن في النقابة الوطنية للجماعات الترابية والتدبير المفوض، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، نعتبر أن الوحدة النضالية ليست شعاراً ظرفياً، بل ضرورة موضوعية تفرضها طبيعة التحديات التي تواجهها الشغيلة، سواء تعلق الأمر بالأجور أو الوضعيات المهنية أو الحماية الاجتماعية أو الحريات النقابية أو ظروف العمل.
وقد أظهرت التجارب النضالية أن توحيد المطالب وتنسيق المبادرات الاحتجاجية يمكن أن يمنح الشغيلة قوة تفاوضية أكبر، ويساهم في الحد من تشتت الجهود، ويجعل الجهات المعنية أكثر استعداداً للتفاعل مع الملفات المطلبية.
لكن بناء هذه الوحدة يتطلب تجاوز بعض الصعوبات، وفي مقدمتها اختلاف التقديرات النقابية، وضعف التواصل في بعض المحطات، وتباين الأولويات، وأحياناً غياب الثقة المتبادلة.
ولذلك، ندعو إلى اعتماد حوار نقابي مسؤول بين مختلف التنظيمات، والعمل على بلورة أرضية مطلبية مشتركة، وتحديد الأولويات المتفق عليها، ووضع برنامج نضالي تدريجي يستند إلى التشاور والالتزام المتبادل واحترام استقلالية كل تنظيم نقابي.
كما نؤكد أن الوحدة النضالية لا تعني إلغاء التعددية النقابية أو ذوبان التنظيمات في بعضها البعض، بل تعني توحيد الجهود حول القضايا المشتركة، مع احتفاظ كل تنظيم باستقلاليته وحقه في اتخاذ مواقفه.
ومن الضروري أيضاً تعزيز التنسيق بين موظفي الجماعات الترابية وأجراء التدبير المفوض، لأن مصالحهم تتقاطع في الدفاع عن جودة المرافق العمومية، وكرامة العاملين بها، ورفض تحويل التدبير المفوض إلى مدخل للمساس بالحقوق الاجتماعية والمهنية.
إننا نطمح إلى بناء تنسيق نقابي قوي ومستمر، قادر على الانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى العمل المشترك الممنهج، بما يتيح تحقيق نتائج ملموسة لصالح الشغيلة.
السؤال الخامس: ما أبرز المخاطر المهنية وحوادث الشغل والأمراض التي تهدد شغيلة الجماعات الترابية والتدبير المفوض، ولا سيما عمال النظافة وجمع النفايات؟ وما مطالبكم لضمان بيئة عمل آمنة؟
الجواب: تعتبر الصحة والسلامة المهنية من القضايا الأساسية التي ينبغي أن تحتل مكانة مركزية في العمل النقابي، خصوصاً في القطاعات التي تتسم بمخاطر مرتفعة، مثل النظافة وجمع النفايات ونقلها، والأشغال التقنية والصيانة والإنارة العمومية.
فالعامل الذي يغادر منزله لأداء واجبه المهني من حقه أن يعود إليه سالماً، وألا تتحول لقمة العيش إلى تهديد دائم لحياته وصحته.
وتختلف المخاطر المهنية بحسب طبيعة العمل ووسائله وظروفه. وبالنسبة إلى عمال النظافة وجمع النفايات، يمكن أن تشمل هذه المخاطر حوادث السير والدهس، والسقوط من الشاحنات أو أثناء الصعود والنزول منها، والإصابات الناتجة عن الآلات والمعدات، والجروح بسبب النفايات الحادة، والتعرض للمواد الخطرة أو الملوثات البيولوجية، إضافة إلى الإجهاد البدني والحرارة والبرد والتعرض المتكرر للغبار والروائح والمواد المهيجة.
وقد ترتبط بعض المشكلات الصحية، بحسب طبيعة التعرض ومدته، باضطرابات الجهاز التنفسي، وأمراض الجلد، والاضطرابات العضلية والمفصلية، وآلام الظهر، ومشكلات السمع، فضلاً عن التأثيرات النفسية المرتبطة بالإجهاد المهني وظروف العمل القاسية.
غير أنه لا يجوز اعتبار هذه الحالات أمراضاً مثبتة الانتشار في صفوف الشغيلة المغربية دون الاستناد إلى دراسات طبية وإحصائيات مهنية موثوقة. كما أن تحديد أكثر الحوادث والأمراض انتشاراً يتطلب بيانات مصنفة حسب المهنة والجهة والمشغل وطبيعة الإصابة.
ومن هنا، نؤكد أهمية جمع المعطيات الرسمية بشأن حوادث الشغل والأمراض المهنية، وتوثيق حالات الإصابة الخطيرة والوفيات، والتحقيق في أسبابها، وتحديد المسؤوليات، والعمل على منع تكرارها.
أما مطالبنا في مجال الصحة والسلامة المهنية، فتتمثل أساساً في:
- توفير معدات الوقاية الفردية الملائمة، بما في ذلك القفازات والأحذية الواقية والملابس المهنية العاكسة للضوء ووسائل حماية الجهاز التنفسي عند الاقتضاء.
- توفير شاحنات ومعدات عمل آمنة وصيانتها بانتظام، وتجهيزها بوسائل الإنذار والحماية الضرورية.
- تنظيم التكوين والتوعية بمخاطر الشغل، وإرساء إجراءات واضحة للتعامل مع النفايات الخطرة والحوادث المهنية.
- توفير الفحوص الطبية المهنية المناسبة لطبيعة التعرض للمخاطر، مع ضمان التتبع الصحي للعاملات والعمال.
- احترام ساعات العمل والراحة، والحد من الإجهاد المهني، وتوفير وسائل النظافة والاستراحة والماء الصالح للشرب.
- ضمان التصريح بالأجراء لدى الجهات المختصة، واحترام الالتزامات المتعلقة بالتأمين عن حوادث الشغل والتعويض عن الإصابات وفق القانون.
- تعزيز دور أجهزة التفتيش والمراقبة، وإشراك ممثلي العاملات والعمال في تحديد المخاطر المهنية والوقاية منها.
وبالنسبة إلى النساء العاملات، فإننا نطالب بمراعاة خصوصية الحمل والرضاعة، وتقييم المخاطر التي قد تهدد صحة الأم والطفل، وتكييف ظروف العمل أو المهام عند الضرورة وفق المقتضيات القانونية والطبية المعمول بها، وضمان الاستفادة الفعلية من الحقوق المرتبطة بالأمومة والرضاعة، دون أي تمييز أو انتقاص من الحقوق المهنية.
كما نؤكد أن توفير شروط العمل اللائق ليس عبئاً إضافياً على المشغل، بل هو استثمار في صحة الإنسان وفي جودة الخدمات واستمراريتها.
وستظل نقابتنا تدافع عن بيئة عمل آمنة تحفظ الكرامة الإنسانية، وتعتبر أن أي إصابة خطيرة أو وفاة يمكن تفاديها من خلال الوقاية والتجهيز والتكوين واحترام القانون، تستوجب المساءلة والعمل الجاد لمنع تكرارها.
السؤال السادس: ما أبرز الإكراهات التي تواجه النساء العاملات في القطاع؟ وما الإجراءات التي تطالبون بها لحمايتهن وضمان المساواة في العمل؟
الجواب: تواجه النساء العاملات في الجماعات الترابية والتدبير المفوض مجموعة من التحديات التي قد تتداخل فيها الإكراهات المهنية والاجتماعية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمهن الميدانية التي تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً أو العمل في أوقات غير ملائمة أو في ظروف بيئية صعبة.
وقد تتفاقم هذه الإكراهات عندما لا تتوفر المرافق الصحية الملائمة، أو وسائل النقل المناسبة، أو شروط النظافة والاستراحة، أو عندما لا تتم مراعاة الخصوصيات المرتبطة بالحمل والرضاعة والأمومة.
كما أن تحقيق المساواة لا يقتصر على المساواة الشكلية في الولوج إلى العمل، بل يشمل أيضاً المساواة في الأجر عن العمل المتساوي أو العمل ذي القيمة المتساوية وفق القانون، وتكافؤ الفرص في التكوين والترقي، والاستفادة من الحقوق الاجتماعية، والحماية من التمييز والتحرش والعنف في أماكن العمل.
ومن هذا المنطلق، نطالب باتخاذ تدابير عملية تضمن احترام حقوق النساء العاملات، وفي مقدمتها توفير مرافق صحية ملائمة وآمنة، وتحسين ظروف العمل الميداني، وضمان وسائل الوقاية والتجهيزات المهنية المناسبة، واحترام الحقوق المرتبطة بالحمل والولادة والرضاعة، وتطبيق التدابير اللازمة لحماية صحة الأم والطفل.
كما ندعو إلى إحداث آليات واضحة للتبليغ عن التحرش والتمييز والعنف في أماكن العمل، وضمان معالجة الشكايات بجدية وسرية، وحماية المشتكيات من الانتقام أو التضييق.
ونعتبر أن تمكين النساء من المشاركة في العمل النقابي وتحمل المسؤوليات التنظيمية والنقابية يشكل بدوره مدخلاً أساسياً للدفاع عن حقوقهن، وإدماج قضاياهن بصورة فعلية في البرامج المطلبية.
إننا نؤمن بأن كرامة المرأة العاملة وحقوقها ليست قضية فئوية معزولة، بل جزء لا يتجزأ من معركة الشغيلة من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية والعمل اللائق.
السؤال السابع: ماذا يمثل المؤتمر الوطني السادس في مسيرة نقابتكم؟ وما أبرز نتائجه التنظيمية والنضالية؟
الجواب: يمثل المؤتمر الوطني السادس للنقابة الوطنية للجماعات الترابية والتدبير المفوض، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، محطة تنظيمية ونضالية مهمة في مسار نقابتنا، وفرصة لتقييم التجربة السابقة، واستخلاص الدروس، وتجديد الالتزام بالدفاع عن الحقوق والمطالب المشروعة لشغيلة القطاع.
وقد انعقد المؤتمر يومي 2 و3 أكتوبر 2026 بالمركز الدولي للشباب ببوزنيقة، تحت شعار: «تنظيم قوي ونضال مستمر من أجل الكرامة والحقوق والعدالة الاجتماعية للشغيلة الجماعية وأجراء التدبير المفوض».
وتنبع أهمية هذه المحطة من كونها أتاحت التداول في أوضاع الشغيلة، والتحديات التي تواجه العمل النقابي، والتحولات التي يعرفها تدبير المرافق العمومية الترابية، والحاجة إلى تطوير التنظيم النقابي وتقوية حضوره الميداني.
فعلى المستوى التنظيمي، تبرز ضرورة تقوية الهياكل المحلية والإقليمية والجهوية، وتوسيع قاعدة الانخراط، وتحسين التواصل بين مختلف المستويات التنظيمية، وتعزيز التأطير النقابي والتكوين المستمر، والاهتمام بتجديد النخب وإشراك الشباب والنساء في العمل النقابي وتحمل المسؤوليات.
كما تبرز أهمية تحيين الخريطة التنظيمية للنقابة، بما يسمح بتحديد وضعية الهياكل القائمة، ورصد مكامن القوة والضعف، وتحديد المجالات التي تتطلب إعادة الهيكلة أو التوسع التنظيمي، وفق معطيات دقيقة ومحيّنة.
أما على المستوى المطلبي والنضالي، فإن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل النقاشات والقرارات إلى برنامج عمل واضح، يحدد الأولويات والمراحل وآليات التتبع والتقييم، ويجمع بين الترافع والحوار الاجتماعي والنضال الميداني.
ومن بين الأولويات التي نعتبرها أساسية: تحسين الأوضاع المادية والمهنية للشغيلة، والدفاع عن الحقوق المكتسبة، وتسوية الملفات العالقة، وتعزيز الحماية الاجتماعية والصحة والسلامة المهنية، ومحاربة الهشاشة، والدفاع عن الحريات النقابية، وتطوير التنسيق النضالي داخل القطاع.
كما يشكل المؤتمر مناسبة لتجديد الالتزام بمبادئ الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وقيمها النضالية، القائمة على الاستقلالية النقابية والديمقراطية الداخلية والتضامن والدفاع عن الكرامة والعدالة الاجتماعية.
وبالنسبة إلينا، فإن نجاح المؤتمر لا يقاس فقط بحجم المشاركة أو بمخرجاته التنظيمية، بل بمدى القدرة على تنزيل مقرراته، وتقوية التنظيم، وتحقيق مكاسب ملموسة للشغيلة. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تفرض عملاً ميدانياً متواصلاً، وتقييماً دورياً للإنجازات، وربط المسؤولية بالمحاسبة التنظيمية، بما يجعل من المؤتمر منطلقاً لمرحلة جديدة من الفعل النقابي المسؤول والمستقل.
السؤال الثامن: ما آفاق التنسيق النضالي في القطاع؟ وما أولويات نقابتكم خلال المرحلة المقبلة؟
الجواب: إن مستقبل العمل النقابي في قطاع الجماعات الترابية والتدبير المفوض يرتبط بمدى قدرتنا على بناء تنظيمات قوية، ومستقلة، وقريبة من الشغيلة، وقادرة على تحويل المطالب اليومية إلى ملفات مطلبية واضحة وبرامج نضالية فعالة.
وفي تقديرنا، فإن المرحلة المقبلة تقتضي تجاوز التشتت وتغليب المصالح المشتركة للعاملات والعمال والموظفين، من خلال تطوير التنسيق بين التنظيمات النقابية، وتوحيد المبادرات حول المطالب المتفق عليها، وإرساء آليات مستمرة للحوار والتشاور وتبادل المعلومات والتجارب.
ونؤكد أن الوحدة النضالية لا تُبنى بالتصريحات وحدها، بل من خلال الثقة المتبادلة، والالتزام بالاتفاقات، واحترام استقلالية التنظيمات، والقدرة على تجاوز الخلافات الثانوية لصالح القضايا الأساسية للشغيلة.
كما ينبغي أن يشمل هذا التنسيق مختلف الفئات المهنية، بما فيها موظفو الجماعات الترابية وأجراء شركات التدبير المفوض، مع مراعاة خصوصية الوضعيات القانونية والمهنية لكل فئة. فالاختلاف في الأنظمة القانونية لا ينبغي أن يمنع التضامن في مواجهة الهشاشة، والدفاع عن الكرامة، وتحسين ظروف العمل، وحماية المرافق العمومية.
أما أولويات نقابتنا خلال المرحلة المقبلة، فتتمثل في تقوية الهياكل التنظيمية، وتوسيع الانخراط النقابي، وتطوير التكوين والتأطير، وتحيين الخريطة التنظيمية، وإعطاء الأولوية للملفات المطلبية ذات الأثر المباشر على الحياة اليومية للشغيلة.
كما سنواصل الترافع من أجل تحسين الأجور والتعويضات، وتسوية الوضعيات الإدارية والمالية، وتطوير المسار المهني للموظفين، وتحسين ظروف العمل والحماية الاجتماعية لأجراء التدبير المفوض، وتعزيز الصحة والسلامة المهنية، وضمان احترام الحريات النقابية.
وسنواصل أيضاً الدفاع عن حق الشغيلة في الحوار الاجتماعي الجاد، مع التمسك بحقها المشروع في الاحتجاج السلمي والتنظيم النقابي كلما اقتضت الضرورة ذلك، وفق القوانين والضوابط الجاري بها العمل.
ولا يمكن فصل هذه المطالب عن الدفاع عن المرفق العمومي الترابي. فنحن نعتبر أن جودة الخدمات المقدمة للمواطنات والمواطنين لا تتحقق بتخفيض تكلفتها على حساب العاملات والعمال، وإنما بالاستثمار في الموارد البشرية، وتحسين ظروف العمل، وضمان الاستقرار المهني، وتوفير الوسائل اللازمة لأداء المهام.
وفي الختام، نوجه تحية تقدير إلى جميع العاملات والعمال والموظفين الذين يواصلون أداء مهامهم في مختلف الجماعات الترابية ومرافق التدبير المفوض، ونؤكد لهم أن الدفاع عن حقوقهم وكرامتهم سيظل في صلب التزامنا النقابي.
كما ندعو الشغيلة إلى تعزيز وحدتها والتفافها حول تنظيماتها النقابية، والانخراط الواعي والمسؤول في العمل الجماعي، لأن الحقوق لا تُصان إلا بالتنظيم، والمطالب لا تتحقق إلا بتضافر الجهود، والنضال الديمقراطي المسؤول يظل إحدى الوسائل الأساسية لتحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية.
إن شعارنا في المرحلة المقبلة هو: تنظيم نقابي قوي، ووحدة نضالية مسؤولة، وحوار اجتماعي منتج، ونضال مستمر من أجل الحقوق والكرامة والعدالة الاجتماعية لشغيلة الجماعات الترابية والتدبير المفوض بالمغرب.
اقرأ أيضا

