تشيكوسلوفاكيا أثناء ثورة عام 1989

ربيع براغ – تشيكوسلوفاكيا 1968

Print Friendly, PDF & Email

 

 

 بمناسبة مرور نصف قرن على الغزو الستاليني لتشيكوسلوفاكيا، يعيد موقع المناضل-ة نشر ملف صدر بمجلة المناضل الشيوعية الثورية الصادرة بلبنان

نعتذر للقراء/ات عن غياب سنة صدور هذا الملف، وسقوط بعض أسطره، نظرا للحالة التي يوجد عليها ورق النص الأصلي الذي اعتمدناه لنقل هذه المادة التثقيفية.

* * * *

 لقد وجد دخول قوى حلف فرصوفيا إلى تشيكوسلوفاكيا في 21 غشت 1968 صدى في العالم أجمع وأحرج بشكل واضح موقف الأحزاب الشيوعية الموالية لموسكو وخاصة أحزاب البلدان الرأسمالية المتقدمة، إذ أن كافة التبريرات المعطاة لم تحل تناقضا هاما برز في سياسة ” المعسكر الاشتراكي ” . فكيف يفسر الاتحاد السوفياتي الذي يمارس التعايش السلمي مع الإمبريالية العالمية منذ عشرات السنين ويؤمن بالتطور السلمي نحو العدالة الاجتماعية والاشتراكية ويقوم بحملة مركزة حول ” الصداقة بين الشعوب ” ، كيف يفسر إرساله 600000 مسلح ليفرض على الشعب التشيكوسلوفاكي الحكم الذي يراه ملائما ؟

لا يمكن فهم هذا التدخل السافر سوى انطلاقا من مصالح البيروقراطية السوفياتية وعلاقتها بالوضع العالمي كما كان يبرز سنة 1968 . فقد أتت أحداث تشيكوسلوفاكيا في سياق تفاقم أزمة النظام الرأسمالي العالمي وتطور الثورة الكولونيالية وأيضا نمو الحركة الثورية في الدول الإمبريالية نفسها كما تجلى ذلك في انتفاضة البروليتاريا الفرنسية في ماي 1968 . زد على ذلك فقدان الاتحاد السوفياتي لهيمنته السياسية على الصعيد العالمي وبروزه بشكل واضح كقوة معادية للثورة . وكان نضال الطبقة العاملة والطلاب  التشيكوسلوفاكيين قد تأثر بشكل ملموس بهذا الوضع العالمي ( علاقة ماي الفرنسي ” بربيع ” براغ واضحة جدا ) .

إن الهدف من نشر ملف حول أحداث تشيكوسلوفاكيا لا يقتصر بالنسبة للماركسيين الثوريين على محاولة إعطاء تحليل علمي للأحداث بل يشمل أيضا تبني موقف واضح منها . والموقف الماركسي الثوري على هذا الصعيد لا يمكنه أن يكون سوى موقف دعم لنضال الطبقة العاملة التشيكوسلوفاكية ضد الحكم البيروقراطي القائم ومصالحه الرجعية .

وفي كافة الأحوال لم تنته ” أحداث ” تشيكوسلوفاكيا مع الاحتلال السوفياتي . فالتناقضات التي أدت إلى تفجير الأوضاع عام 1968 مازالت موجودة حتى يومنا هذا . ومن ناحية أخرى لا يمكن فهم المقاومة المعادية للبيروقراطية التي برزت منذ سنة 1968 في يوغسلافيا وبولونيا وحتى الاتحاد السوفياتي سوى على ضوء ربطها بأحداث تشيكوسلوفاكيا ، بالضبط كما يصعب فهم هذه الأخيرة  دون ربطها بالنضالات المعادية للبيروقراطية التي تمت في أوروبا الشرقية منذ 1953 .

إن نضال الطبقة العاملة التشيكوسلوفاكية وكافة  نضالات شعوب الدول العمالية الهادفة إلى إقامة سلطة بروليتارية حقيقية على أنقاض الحكم البيروقراطي القائم ، ليس سوى جزء من نضال البروليتاريا العالمية في سبيل انتصار الاشتراكية على صعيد العالم

الثورة السياسية أو النضال من أجل الديموقراطية البروليتارية في الدول العمالية

عندما يتكلم الماركسيون الثوريون عن ” دولة عمالية ” إنهم لا يقصدون بذلك بالضرورة أن البروليتاريا هي التي تحكم مباشرة من خلال مجالسها . فالاتحاد السوفياتي والصين و تشيكوسلوفاكيا وغيرها من البلدان ، تصنف كدول عمالية بالرغم من أن السلطات القائمة في هذه الدول بعيدة جدا عن تحديدات ماركس ولينين حول شكل ديكتاتورية البروليتاريا . إن ما يلاحظه المرء في هذه البلدان هو الديكتاتورية البيروقراطية الحزبية  على المجتمع، وعزل الطبقة العاملة وسائر الجماهير الكادحة عن الممارسة السياسية المباشرة . فالصين والاتحاد السوفياتي و تشيكوسلوفاكيا الخ . هي دول عمالية لأنها قضت على علاقات الإنتاج الرأسمالية وأطاحت بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وأرست الركيزة الاشتراكية للاقتصاد . فالبنية التحتية ( أي العلاقات الاقتصادية القائمة ) هي التي تحدد في نهاية التحليل طبيعة المجتمع ونوعية البنية السياسية . ولكن ذلك صحيح فقط في نهاية التحليل أي أن العلاقات السياسية ليست انعكاسا ميكانيكيا للبنية الاقتصادية على صعيد البناء الفوقي ، فكما تستند إلى الاقتصاد البرجوازي بنى فوقية مختلفة ( حكم ليبرالي، حكم بونابرتي، حكم فاشي ، الخ… ) أيضا الاقتصاد اللارأسمالي لا يعرف شكلا واحدا من البناء الفوقي . ولذا فإن عدم مشاركة جماهير الاتحاد السوفياتي ( أو الصين ) في تحديد مصير المجتمع ، والمواقف الخائنة للسلطة السوفياتية ، لا تعني أن الاتحاد السوفياتي ليس دولة عمالية، بل تعني فقط أنه دولة عمالية منحطة . فما هي أسباب هذا الانحطاط وبماذا يتجلى ؟

إن الحكم القائم اليوم في الاتحاد السوفياتي هو نتيجة انحطاط بيروقراطي للدولة العمالية ، بدت ملامحه غداة الحرب الأهلية عام 1921 . وتعود أسباب هذا الانحطاط إلى عوامل موضوعية وعوامل ذاتية : تجسدت أهم العوامل الموضوعية في تخلف القوى المنتجة والأزمة الاقتصادية التي تفاقمت أثناء وبعد الحرب الأهلية ، وفي التخلف الفكري والثقافي والعددي للبروليتاريا، وأخيرا في الجزر الذي وقعت فيه الثورة العالمية، ونتيجته المباشرة أي الانعزال والتقوقع اللذين عانى منهما الاتحاد السوفياتي. أما العوامل الذاتية للانحطاط فتتلخص في عدم وعي الطبقة العاملة وطليعتها المنظمة ( الحزب البلشفي ) لهذا الخطر البيروقراطي ، مما أدى إلى ارتكاب أخطاء عديدة ساهمت في هذا الانحطاط. وعندما لوحظ من قبل لينين وتروتسكي وغيرهما عام 1923 ، كان قد فات الأوان.

وتجسد انحطاط الدولة السوفياتية من خلال بروز شريحة بيروقراطية تطورت داخل الحزب البلشفي والسلطة، اغتصبت سلطة البروليتاريا وهيمنت على جهاز الدولة العمالية. وأخذت مصالحها تبتعد أكثر فأكثر عن مصالح البروليتاريا مما أدى إلى تحريف النظرية الماركسية وفقا لمصالح [—-ينقص سطر——] من التعبير عن رأيها. وسعت البيروقراطية جهدها لإزالة الخطرين الأساسيين اللذين تواجههما (أي الثورة البرجوازية المضادة والثورة البروليتارية المعادية للبيروقراطية) فبنت علاقات صداقة وتعاون وتعايش سلمي مع الإمبريالية العالمية، وأرست جهازا قمعيا تحسدها عليه أية دكتاتورية برجوازية، لمنع البروليتاريا المحلية والعالمية[1] من النضال من أجل ديموقراطية عمالية حقيقية. وذهبت الثورة العالمية لمدة عشرات السنين ضحية هذه المصالح الرجعية الضيقة.

أدت سياسة التعايش السلمي إلى مؤتمر يالطا عام 1945 الذي نتج عنه تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، وكانت أوروبا الشرقية من نصيب الاتحاد السوفياتي. فأنشئت في هذه البلدان “ديموقراطيات شعبية” من خلال تدخل الجيش الأحمر غالب الأحيان، وسيطرت على أجهزة الحكم أحزاب شيوعية كانت مطيعة جدا “للحزب الشيوعي السوفياتي القائد” أي للبيروقراطية الستالينية. فهذا النمط من “التحول الاشتراكي” ومن “القيادات الثورية” هو الذي يفسر عدم ممارسة هذه البلدان لأية ديموقراطية بروليتارية حقيقية، ولو لفترة وجيزة: وبالتالي فدول أوروبا الشرقية لم تنحط بيروقراطيا إذ أنها عرفت التشويه البيروقراطي منذ تأسيس “الديموقراطيات الشعبية”. أما على صعيد العلاقات بين هذه الدول العمالية المشوهة والاتحاد السوفياتي، فتميزت بتبعية شبه مطلقة من قبل دول صغيرة لدولة كبيرة. وبالفعل كانت بيروقراطية الكريملين تقرر في آخر المطاف مصير هذه البلدان، على أن تنفيذ “اقتراحاتها” من قبل خدامها الأمينين، البيروقراطيات المحلية.[2]

وعند وفاة ستالين عام 1953، وصل تفاقم استياء الطبقة العاملة من السلطة القمعية القائمة في هذه البلدان إلى حد انفجار أزمات سياسية من جراء نمو حركات جماهيرية معادية للبيروقراطية وجرت انتفاضات عمالية في ألمانيا الشرقية عام 1953 وبولونيا والمجر عام 1956. وقد استطاعت الانتفاضة العمالية في المجر إنشاء مجالس عمالية ما لبثت البيروقراطية أن أطاحت بها من خلال استعانتها بالدبابات السوفياتية. فأجبر هذا الوضع البيروقراطية الخروتشيفية إلى التخلي عن بعض مظاهر الظلم المثيرة للحكم الستاليني وذلك بهدف الحفاظ على مضمون الستالينية. وتخلي المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي عام 1956 عن شخصية ستالين، مع تحميله شخصيا مسؤولية كافة التصرفات الرجعية الخائنة، أتى في هذا السياق. وبالرغم من القمع الوحشي الذي جوبهت به الانتفاضات العمالية في ألمانيا الشرقية وبولونيا والمجر، اضطر الحكم البيروقراطي إلى القيام ببعض التنازلات في سبيل “تهدئة الأجواء”، أي إسكات الطبقة العاملة ببعض الفتات من الديموقراطية كي لا تطالب بأكثر من ذلك.

إن الانتفاضات العمالية التي تمت في بعض البلدان بين عامي 1953 و1956 أثبتت عمليا أن البيروقراطية هي جهاز عالمي. فكان على أية حركة معادية للحكم البيروقراطي المحلي إدخال البيروقراطيات الأخرى في حساباتها. ولم يكن فشل كافة المحاولات الثورية سوى نتيجة حصر هذا النضال على الصعيد المحلي بينما البيروقراطيات تنسق فيما بينها وترسل جيوشها وسلاحها لانقاذ نظامها العالمي. ويعود سبب هذا “التضامن الأممي” بين البيروقراطيات العمالية إلى أن خطر تخطي الحكم البيروقراطي في أية دولة عمالية سيثير حركات مماثلة في الدول العمالية الأخرى، وبالتالي يشكل خطرا عالميا وليس فقط محليا على الشريحة الطفيلية الحاكمة.

والطبقة العاملة التشيكوسلوفاكية التي كانت ما تزال في الستينات تعاني من حكم لم يتبدل إطلاقا مند قيامه في عهد ستالين، تأثرت كما تأثرت شعوب سائر الدول العمالية بالتحركات التي تمت في ألمانيا الشرقية وبولونيا والمجر ومما لا شك فيه أن كل تجربة من هذا النوع يتم استيعابها من قبل كافة هذه الشعوب، فكل حركة جديدة تحمل في طياتها تجارب الماضي وبالتالي تعكس باستمرار تطورا في الوعي وصلابة أقوى في التحرك نفسه. فالممارسات الثورية لجماهير الشغيلة التشيكوسلوفاكية عام 1968 قبل الاحتلال وبعده، لم تكن تكرارا بسيطا لتجارب ماضية بل على العكس كانت تكملة على صعيد أرقى لهذه التجارب.

لذلك طرح  الماركسيون الثوريون أن الاحتلال السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا سيعمق بشكل أكيد تناقضات كتلة الدول العمالية البيروقراطية وسيزيد من وعي وتلاحم شعوب أوروبا الشرقية في نضالها ضد البيروقراطية. وفي هذا السياق أتى تحرك الطلاب اليوغوسلافيين عام 1968 والإضرابات والمظاهرات العمالية في بولونيا عام 1970.

إن ألوف السجناء في زنزانات يوغوسلافيا و تشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفياتي لا يشكلون دليلا على قوة الحكم البيروقراطي، بل دليل ضعفه وتعفنه. فمن المخالفات والعصيان إلى الإضرابات والإعتصامات، لا يمر شهر واحد دون تحرك معاد للبيروقراطية في الدول العمالية اليوم. وقد عبرت التحركات الأخيرة عن وجود طلائع ماركسية ثورية تقود وتوجه حركات جماهيرية أوسع فأوسع. ومما لاشك فيه أن البيروقراطية العمالية، مهما فعلت، سوف لن تستطيع إخماد أزمتها العميقة –خاصة بعد أن خرجت الحركة الثورية العالمية عن هيمنتها. فيوم تتلاحم شعوب الدول العمالية، في نضالها الثوري في سبيل ارساء ديكتاتورية بروليتارية حقيقية، ويوم تتلاحم هذه الشعوب مع سائر الحركات الثورية في العالم، حينئذ ستدق ساعة النهاية للقيادات الخائنة التي شوهت حكم الطبقة العاملة بعد أن اغتصبت سلطتها، وأخرت الثورة العالمية لسنوات عديدة، حينئذ سيأخذ التاريخ بثأره من الذين أعاقوا تطوره بهدف الحفاظ على مصالحهم الرجعية وامتيازاتهم الطفيلية

تناقضات التخطيط البيروقراطي و”الحلول” التكنوقراطية

لقد عبر دخول الجيش الأحمر إلى براغ عام 1948 عن التحاق تشيكوسلوفاكيا “بالمعسكر السوفياتي”، بالرغم من استيلاء الحزب الشيوعي على السلطة، تم بالاستناد إلى دعم الجماهير التشيكوسلوفاكية المسلحة ولم يشكل دخول الجيش الأحمر سوى حماية لها. وتميزت الدولة العمالية التشيكوسلوفاكية بخضوع شبه مطلق لموسكو، وطبعتها نفس الانحرافات التي طبعت الاتحاد السوفياتي وهذا أمر طبيعي إذ أن بيروقراطية الكريملين تحتاج إلى سلطات على “صورتها” تخدم مصالحها بأمانة.

بالرغم من تبقرط الدولة العمالية منذ وجودها لاقى النظام الجديد عطفا جماهيريا قويا، خاصة بسبب الإجراءات التي اتخذت لترسيخ الدولة العمالية والارتفاع الملموس في المستوى المعيشي للجماهير الذي رافقه.

ولكن بسبب الحدود التي وصل إليها الاقتصاد التشيكوسلوفاكي وانخفاض مستوى المعيشة  الذي نتج عنها، ومن ناحية ثانية وجود قمع بوليسي قوي، أدت كافة هذه العوامل إلى استياء جماهيري متزايد. وتفاقمت المشاكل الاقتصادية والاجتماعية إلى أن انفجرت الأزمة عام 1961. وقد بدا واضحا أن التخطيط الاقتصادي كما كان ينفذ من قبل البيروقراطية كان يجر النظام نحو أزمة عميقة بالرغم من كون تشيكوسلوفاكيا الدولة العمالية الأكثر تقدما من حيث درجة تطورها الاقتصادي. وقد تمت خلال سنتي 1961-1962 تحركات عمالية جزئية وعفوية عبرت عن سخط الجماهير تجاه تصرفات الحكم. وقد برز جليا للبيروقراطية أن الجماهير قد تهتم بإيجاد حل بنفسها لمشاكلها إذا لم تؤخذ تدابير مستعجلة للخروج من المأزق.

ولكن درجة تطور الاقتصاد التشيكوسلوفاكي (صناعة متطورة جدا، زراعة ممكننة، مستوى معيشة مرتفع، …) منعت إيجاد حلول جزئية ومتفرقة، فكان لابد من إيجاد برنامج إصلاح يشمل كافة القطاعات الإنتاجية ويتطرق اذن إلى كيفية توجيه الاقتصاد، أي التخطيط المركزي للاقتصاد. في سنة 1963 قدم اوتاسيك (وهو رئيس المعهد الاقتصادي لأكاديمية العلوم) مشروع إصلاح شامل ومتكامل عبر عن وجهة نظر جناح بأكمله من البيروقراطية، فتضمن انتقادات حول التسيير الاقتصادي، وأنتهي “بحلول” تضمن الخروج من المأزق الاقتصادي والاجتماعي الذي وقعت به البيروقراطية.

تناقضات التخطيط البيروقراطي

إن المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع التشيكوسلوفاكي تعود بجوهرها إلى  المشكلة الرئيسية على هذا الصعيد التي يجابهها كل مجتمع انتقالي بين الرأسمالية والاشتراكية. وهذه المشكلة تتلخص في التناقض بين قانون السوق من ناحية والتخطيط من ناحية أخرى. والمعروف أن قانون السوق يجد ركيزته الطبيعية في العلاقات الاقتصادية والرأسمالية حيث يشكل [—-ينقص سطر—-]  العمالية التي قضت على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج تسعى (مبدئيا) وراء تلبية حاجات الجماهير بشكل مباشر، أي دون اللجوء إلى السوق.

إن الدولة التشيكوسلوفاكية التي اعتمدت على التخطيط كركيزة لاقتصادها وصلت في بداية الستينات إلى طريق مسدود، فما هي الأسباب؟

في سنة 1963 لم يكن بوسع الجماهير أن تتكلم وتنتقد (بسبب الحكم البوليسي القائم)، فالانتقادات الوحيدة التي طرحت لم تأت إذن من موقع الجماهير العمالية (أي أنها لم تأخذ بعين الاعتبار مشاكلها الملموسة) بل أتت من طرف من البيروقراطية نفسها وهو بالضبط الطرف  الذي له مصلحة في الإصلاح، أي الجناح التكنوقراطي.

بماذا تتلخص أهم الانتقادات التي وجهها التكنوقراطيون للإقتصاد المخطط؟ إستهدفت الإنتقادات ثلاثة مستويات من التخطيط: التهيئة والتنفيذ والنتائج.

1)                            تهيئة الخطة: لقد تركزت انتقادات الجناح التكنوقراطي على ثلاث مسائل مركزية:

  _ أن جميع الخطط التي نفذت منذ بداية الثورة كانت دائما تعطي أفضليات غير مبررة لقطاع الصناعة الثقيلة الذي يخدم الدول (العمالية) الأخرى أكثر من تشيكوسلوفاكيا نفسها باعتبار أنها تملك بناء تحتيا متينا ومتطورا يسمح لها بالتركيز على قطاعات صناعية أخرى، كالصناعة الإستهلاكية مثلا.

_ أكثرية المعطيات هي نتيجة سوء تقدير للإمكانيات والحاجات، وبالتالي خاطئة: فمدراء المصانع يقدرون إمكانيتهم الإنتاجية بأقل من الحقيقة كي يستطيعوا تحقيق الخطة أو حتى تخطيها بسهولة نسبية. زد على ذلك التشوشات الحتمية الناجمة عن تنسيق مركزي صارم لصناعة متنوعة إلى حد كبير.

_ولكن الإنتقاد الأساسي يكمن في جهل “المخططين” فيما إذا كان الإنتاج سيلائم حاجات فعلية للجماهير أم سيبقى غير مباع وهذه الحالة ستؤدي إلى تكاليف غير منتظرة كتكاليف تخزين المنتوجات وصيانتها.

2)                                    تنفيذ الخطة: هنا أيضا الانتقادات عنيفة جدا. وجوهر المشكلة يكمن في عدم إمكانية مراقبة مركزية وافية لكيفية تنفيذ الخطة على كافة المستويات. فيلجأ المخططون إلى بعض المقاييس الكمية (أرقام مؤشرة) ليتأكدوا من تحقيق الخطة أو تخطيها. فمدير المصنع يتلاعب بهذه  الأرقام المؤشرة على حساب الإنتاج نفسه وذلك بهدف الحصول على مكافآت. فإذا كان الرقم المؤشر هو مثلا الكلفة، نجد مدير المصنع يشتري مواد ثمينة كي يحقق هذا الرقم بسرعة. أما إذا كان الرقم المؤشر عدد المنتوجات فيشرع المصنع بإنتاج كمية كبيرة من  المنتوجات ولكن ذات نوعية فاسدة. وفي حال وجود تركيبة من الأرقام المؤشر (وهذا ما يحصل في الواقع)، تميز الإنتاج بتضمنه تركيبة من التشويهات المذكورة.

3)                                   نتائج الخطة : تجدر الإشارة على هذا الصعيد إلى نوعية المنتوجات المنجزة إذ أنها تتميز بصفة مشتركة ألا وهي سوء نوعيتها. فإذا استثنينا من الحساب الإنشاءات غير المستكملة، وكمية النفايات الهائلة الناتجة عن تبذير  المدراء، نجد الإنتاج المنجز بأكثريته غير صالح للاستعمال أو يصلح استعماله فقط  لوقت قصير وهذا لا يهم إطلاقا  مدير المصنع  الذي ينفذ الخطة وفقا للأرقام المؤشرة المطروحة . فالإنتاج إذن ليس معدا للسوق ، ولا لتلبية حاجات المجتمع، بل وجد فقط لتلبية الخطة . وهذا التأليه للخطة هو أساس الأزمات التي تعيشها المجتمعات التي يرتكز اقتصادها على التخطيط (أي الدول العمالية).

إن هذه الانتقادات التي وجهها الجناح التكنوقراطي من البيروقراطية، تتضمن قسطا كبيرا من الصحة، وهي في كافة الأحوال تستند إلى وقائع ملموسة لا يمكن إغفالها. وتزداد قيمة هذه الانتقادات بقدر ما أنها تخص ليس الدولة التشيكوسلوفاكية فحسب بل كافة الدول العمالية ومنها بالطبع الاتحاد السوفياتي.

ولكن “خطأ” هذه الانتقادات يعود بالضبط للموقع الاجتماعي للمنتقدين، أي وضعهم كجزء لا يتجزأ من الفئة البيروقراطية التي ينتقدون ممارساتها “المركزية”. فهم لا يميزون إطلاقا بين التخطيط المركزي الديموقراطي للاقتصاد الاشتراكي وبين التشويه البيروقراطي لأساليب التخطيط. فمن خلال نقدهم للأساليب البيروقراطية للتخطيط، ينتقد التكنوقراطيون أسلوب التخطيط بحد ذاته، والحل المقترح لتصحيح هذه الانحرافات لن يكون إزالة الطابع البيروقراطي عن التخطيط من خلال المشاركة الفعلية للجماهير المنتجة في الحياة الاقتصادية والسياسية (هذا بالضبط ما لن يقبلوا به إذ يتعارض مع مصالحهم كطرف من الفئة الحاكمة)، بل يطالبون… بالحد من دور التخطيط في الاقتصاد.

“الحلول” التكنوقراطية

ما هي الحلول التي يقدمها التكنوقراطيون للخروج من الأزمة؟ إن إيجاد أرقام مؤشرة جديدة حتى وإن استهدفت نوعية الإنتاج، لن يحل المشكلة بل سيزيدها تعقيدا. فالحل الوحيد الممكن في رأيهم هو العودة إلى قانون السوق،على الأقل فيما يخص السلع الإستهلاكية. فالربح (الفرق بين سعر المبيع وكلفة الإنتاج) هو أفضل مؤشر إذ أنه يمنع التبذير (ان جعل أجور العمال والمدراء مرتبطة بشكل وثيق جدا بالربح سيدفعهم إلى الحد من التبذير والى تحسين نوعية الإنتاج)، ويسهل تكيف الإنتاج مع الحاجات. فبفضل قانون العرض والطلب ،وبفضل المنافسة الحرة بين المصانع، ستسهل تلبية أية حاجة جديدة تبرز، وهذا ما لا يصح في إقتصاد مخطط مركزيا.

إن برنامج أوتاسيك لا يحبذ بالطبع الرجوع إلى نظام الإقتصاد الرأسمالي، فالإجراءات المقترحة تخص فقط إنتاج السلع الإستهلاكية. أما السلع الإنتاجية وغيرها من القطاعات الصناعية الرئيسية فستبقى خاضعة لتخطيط مركزي صارم.

إن هذه “الحلول” المقدمة قد تزيل فعلا بعض النتائج السيئة للتخطيط البيروقراطي (كالتبذير مثلا) وتحل بعض التناقضات. ولكنها تتضمن تناقضات جديدة لا تقل خطورة من الأولى. فعلى الصعيد الإقتصادي أولا يبرز التناقض بين تحديد الربح كأفضل مؤشر لنمو الإقتصاد من ناحية وعدم تعميم قانون السوق  على وسائل الإنتاج من ناحية ثانية. فكيف يمكن تحديد الربح دون تحديد لكلفة إنتاج السلع الإنتاجية؟ إن هذا التناقض يفسح المجال أمام التلاعبات التعسفية والتحديد الإعتباطي لكلفة الإنتاج مما سيؤدي إلى نتائج أسوأ بكثير من نتائج التخطيط البيروقراطي المنتقد.

أما على الصعيد الإجتماعي فلمشروع إصلاح سيك مظاهر رجعية واضحة: “فالإصلاحات” المقترحة من شأنها أن تضخم التمايزات الطبقية وأن تزيد من البطالة وغلاء المعيشة. فالعمال معرضون للطرد باستمرار (بحال انخفاض أرباح المؤسسة)، ولا شيء يمنع من ارتفاع الأسعار والغلاء الموازي له. إن هذه المظاهر تفسر عدم حماس الطبقة العاملة التشيكوسلوفاكية للإصلاح الاقتصادي  في بداية عام 1968، إذ بدأ شبح البطالة يظهر من جديد.

إذا اعتبرنا أن منطق الربح هو المحرك الأساسي للاقتصاد البرجوازي، وأن التخطيط يشكل خطوة أسمى على الصعيد الاقتصادي بحيث أنه يسمح بتلبية حاجات المجتمع الانتقالي دون اللجوء إلى السوق، ف”حل” انحرافات التخطيط لا يكمن في الرجوع إلى قانون السوق بل في إزالة هذه الانحرافات عينها. والانتقادات التي فصلها الجناح التكنوقراطي من البيروقراطية لا تمس جوهر التخطيط (أو مبدأه) بل كلها تتعلق بالمفهوم البيروقراطي للتخطيط وهذا بالضبط ما لا يمكن لاوتا سيك وأمثاله أن يفهموه (بسبب موقعهم الاجتماعي) إن الحل الوحيد لمشاكل المجتمع الانتقالي الاقتصادية والاجتماعية يكمن في الإدارة المباشرة من قبل المنتجين أنفسهم للإنتاج والتوزيع. فإشراف الطبقة العاملة على تهيئة الخطة وتنفيذها (أي إزالة الطابع البيروقراطي عنها) كفيل وحده بتصحيح الانحرافات المذكورة، ولكن ذلك يتطلب بالطبع سيطرة الطبقة العاملة مباشرة على كافة أجهزة الدولة الاقتصادية والسياسية.

تشيكوسلوفاكيا 1968: بين “إصلاح” البيروقراطية والثورة السياسية المعادية للبيروقراطية

لم يقتصر برنامج الإصلاح الذي تم تقديمه عام       3 196 على اقتراح إجراءات على الصعيد الاقتصادي بل تطرق أيضا إلى مسائل تخص العلاقات الاجتماعية والسياسية، إذ أن اقتصادا مبنيا (ولو ضمن حدود) على منطق الربح والسوق يتطلب “بناء فوقيا” يلائمه: فالمطلوب إذن هو توسيع رقعة الحريات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

تجدر الإشارة إلى أن برنامج سيك، بالرغم من النقاشات التي أثارها داخل الحزب والدولة، حاز على موافقة جميع أطراف البيروقراطية. لا بل حتى على الصعيد العالمي أخذت موسكو تنشد “أصالة الطرق التشيكوسلوفاكية نحو الاشتراكية”. وهذه الموافقة بالإجماع لا تثير الدهشة إذا علمنا أن البيروقراطية لم تملك أية وسيلة أخرى للخروج من المأزق.فما كان بوسعها الا أن تختار الحل الذي يضمن لها اقل قسط من الخسارة. وهذا ما يفسر أن القيادة التاريخية للحزب وللدولة بقيت في مركزها بعد تنفيذ البرنامج عام 1966.

الصراع داخل البيروقراطية

ولكن وحدة البيروقراطية ما لبثت أن كشفت تناقضاتها وذلك منذ بداية تنفيذ برنامج الإصلاح: فبرز جناح يدافع بحرارة عن ضرورة تطبيق مشروع الإصلاح بحذافيره وجابهته معارضة جناح آخر حاولت عمليا الحفاظ على الوضع القائم باستعمال شتى الوسائل وفي طليعتها التخريب وعرقلة العمل.

إن محاولة تفسير انقسام البيروقراطية إلى جناحين متعارضين انطلاقا من عوامل نفسية أو فردية لا يعطي جوابا لازمة من هذه الأهمية. فالتعارض في الاتجاهات يرتكز على تعارض في الموقع الاجتماعي للبيروقراطيين. وبالفعل فقد شعر جزء هام من البيروقراطيين أن تطبيقا جديا لمشروع الإصلاح سيوجه ضربة قاضية لهيمنة الحزب (الحرية الاقتصادية ستنعكس بالضرورة على صعيد الحياة الاجتماعية). وبما أن جناحا بأكمله من البيروقراطية يستفيد بالضبط من هذا الوضع من خلال امتيازات في كافة المجالات الاجتماعية (المجال السياسي والنقابي، و”الثقافي”، والقضائي، الخ.) فسيكون تطبيق الإصلاح بالنسبة له عملية انتحارية، إذ أنه سيحيل إلى البطالة مجموعة من هذه الكوادر البيروقراطية.

وفي الطرف الآخر نجد عددا من المثقفين والكوادر الفنيين ومجموعة من مد راء المصانع… أي الجناح الذي، بسبب موقعه الاجتماعي، لا يخسر شيئا من تطبيق الإصلاح لا بل يكون المستفيد الأول من “إزالة الطابع البيروقراطي عن البيروقراطية ” بحيث أن ذلك يضمن له الترقية الاجتماعية.

وفي مطلع عام 1967 بدأ الانشطار واضحا داخل البيروقراطية بين جناح محافظ وجناح ليبرالي، بالرغم من أن معظم كوادر الحزب والدولة لم يحدد بعد موقفا نهائيا. وكانت أهم نتيجة لهذا الانشطار عدم التطبيق الفعلي للإصلاح، مما أدى إلى استمرار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. فأدى هذا الوضع إلى اندلاع حركة طلابية عنيفة خلال شهر أكتوبر 1967، لاقت عطفا قويا من الطبقة العاملة. فاستفاد جناح دوبتشيك (الجناح الليبرالي) من هذه الحركة التي تمت خارج أطر البيروقراطية ليقنع هذه الأخيرة بأن قليلا من الجرأة يتضمن مخاطر أقل من الإصرار على الحفاظ على الوضع القائم (ومرة أخرى سيعطيه ذعر البيروقراطية الأكثرية في اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في مطلع 1968).

فقد أدى انقسام البيروقراطية إلى سعي كل طرف منها لكسب دعم الجماهير له، تلك الجماهير التي لم تتم استشارتها طوال كل هذه الفترة. فبينما كان دوبتشيك يتوجه للطلاب والمثقفين ويناشدهم دعمه من أجل تحقيق الديموقراطية والحرية، كان الجناح المحافظ (بقيادة نوفوتني) يلجأ إلى الطبقة العاملة فيحذرها من مخاطر الإصلاح (البطالة، غلاء المعيشة، الخ…). ولم يخل كلا الطرحين من الصحة في الإنتقادات الموجهة للطرح الآخر. وفي النهاية لم يجد جناح نوفوتني حلا إلا في انقلاب عسكري، ولكن فشل المحاولة في أواخر ديسمبر 1967 أكد انتصار الجناح الليبرالي.

ربيع براغ

حاز الجناح الليبرالي على السلطة دون أن يحوز على الدعم الجماهيري الذي كان ينتظره، وهذا عائد لسببين، الأول أن الجماهير تنظر لجناح دوبتشيك كطرف من السلطة القائمة السيئة الصيت، والثاني أن الإصلاح المقترح سيضر حتما بمصالح الجماهير (من تخفيض مساعدات الضمان الاجتماعي إلى شبح الغلاء والبطالة، الخ…). لا بل أكثر من ذلك، فكان الطلاب ينظرون إلى قسط الحريات المعطى مؤخرا كمكسب لنضالهم وليس كمنحة أعطتها السلطة الجديدة.

فالجناح الليبرالي بحكم سلطته (بسبب مقاومة الجناح المحافظ المستمرة) كان بحاجة إلى دعم جماهيري ثابت يستند إليه لتصفية الجناح المحافظ نهائيا. فقام بمبادرات سياسية واجتماعية أهمها تعديل النظام الداخلي للحزب والسماح بتعدد الاتجاهات داخله، والسماح أيضا بوجود منظمات مستقلة عن الحزب الشيوعي، إزالة البوليس السري والرقابة على الصحافة والإذاعة والتليفزيون، تعديل دستور النقابات مع إقرار مبدأ انتخاب المندوبين النقابيين، إعداد مشروع لدولة (عمالية) فيدرالية تضمن حقوق الأقليات القومية، الخ… إن كافة هذه الإجراءات كانت بنظر الجناح الليبرالي وسيلة لتقوية سلطته إذ أن الجماهير ستستفيد من هذه الحريات لتوجيه نقدها اللاذع أولا ضد الجناح المحافظ، ومن ناحية أخرى ستدعم السلطة التي منحتها هذه الحريات التي لم تعتاد ممارستها. وهذا ما حصل في الواقع. ولكن ما أغفله الجناح الليبرالي من البيروقراطية في حساباته هو أن الطبقة العاملة سوف تستعين بهذه الحريات لتطالب بحقوقها المغتصبة وتتوصل من خلال تطور نضالها إلى توجيه ضرباتها إلى الشريحة البيروقراطية الحاكمة ككل وليس فقط إلى جناح منها.

وبالفعل، خلال “ربيع” براغ حصل ما لم يحصل في أية دولة في أوروبا الشرقية منذ الانحطاط الستاليني للدولة السوفياتية. فوصل اهتمام الجماهير بالمسائل السياسية إلى حد وجود يوميا حشد أمام مراكز بيع الصحف. وعلى صعيد العمل التشيكوسلوفاكي أنشئت منظمات ثورية ونواد سياسية تنتقد انحطاط البيروقراطي للدولة العمالية. ,اخدت تنشر في الصحف دراسات ومقالات ثورية وحصل ما لم يكن أحد يتوقع أن يحصل: أخذت بعض الصحف التشيكوسلوفاكية تنشر دراسات لتروتسكي وروزا لوكسمبورغ واسحق دويتشر. وبادرت الشبيبة العمالية والطلابية بتوجيه من المنظمات الثورية بنشاطات ثورية لم تقتصر على طرح المشاكل الداخلية بل شملت ندوات ومهرجانات دعما للثورة الفيتنامية وانتفاضة ماي الفرنسية…

أيضا على صعيد النقابات العمالية ثم انتخاب مندوبين نقابيين وضعوا الجهاز النقابي تحت تصرف الطبقة العاملة، مما سمح بالقيام بنضالات واسعة وصلت في بعض المؤسسات الصناعية الهامة إلى حد مشاركة العمال في إدارة الإنتاج. وكان الوعي الطبقي للبروليتاريا يزداد يوما بعد يوم مما أقلق البيروقراطية بكافة أجنحتها.

وما لبث الجناح الليبرالي أن أبرز حدوده فمنذ شهر أبريل بدأ موقفه الوسطي مضغوطا بين مطرقة الحركة الجماهيرية المتنامية وسندان البيروقراطية العمالية المحلية والعالمية. ففعل كل ما في وسعه أن يفعل في هكذا ظرف، أي إعطاء “نصائح” للجماهير بعدم “تجاوز الحدود” و”التحذير” من “الإفراط في الليبرالية”. وهذا فعلا كان كل ما يقدر على أن يقوم به، إذ أنهم كان يستطيع بقواه الذاتية (لافتقاده لركيزة جماهيرية صلبة ولقوى قمع مركزية) تضييق نطاق الحريات التي كان قد أعطاها منذ بضعة أشهر. أما الجناح المحافظ المهزوم فتأكد نهائيا خلال هذه الفترة أن خلاصه الوحيد يكمن في تدخل عسكري للاتحاد السوفياتي الذي كان قد بدأ ذعره عند إعطاء الحريات وأخذ يتزايد باستمرار مع نمو الحركة الجماهيرية المسيسة التي أصبحت تهدد الحكم البيروقراطي القائم.

التدخل السوفياتي ونتائجه المحلية

إن تحجج الاتحاد السوفياتي برغبة الشعب التشيكوسلوفاكي لتبرير تدخل قوى حلف فرصوفيا في 21 غشت 1968 (600000 مسلح) لم يقنع أحد خاصة بسبب الموقف الثوري الذي وقفته الجماهير التشيكوسلوفاكية بوجه التدخل العسكري. فعمت الإضرابات والمظاهرات العمالية والطلابية جميع أنحاء تشيكوسلوفاكيا. وتم إنشاء هيئات قاعدية في بعض المصانع والجامعات من أجل الإدارة الذاتية ومقاومة الاحتلال، وكادت تصل إلى حد ازدواجية السلطة في بعض المناطق. وكاد الانتصار العسكري السهل يتحول إلى كارثة سياسية. فأمام هذا السخط الجماهيري الشديد، اضطرت البيروقراطية السوفياتية إلى اعادة دوبتشيك إلى منصبه (بعد أن كانت قد رجته في السجن –مما ساهم في تقوية العطف الجماهيري عليه)، وإلى التعاون مع الجناح “الليبرالي” الذي كانت موسكو تهدف إلى تصفيته مع تصفيتها للحركة الجماهيرية. ولكن ما لبث هذا الجناح، بحكم طبيعته أن قدم التنازل تلو الآخر فأعيدت الرقابة، وثم تعديل النظام الداخلي للحزب من جديد (باتجاه معاكس هذه المرة)، ومنعت الصحف والنوادي والمنظمات، وبكلمة واحدة عادت البيروقراطية إلى المراكز التي كانت قد فقدتها أثناء “الربيع”. وعندما أسكتت الحركة الجماهيرية بالدم (بعد حوالي ستة أشهر من المقاومة). وأصبح ميزان القوى يميل من جديد لصالح ميزان القوى يميل من جديد لصالح البيروقراطية، “صفي” الجناح الليبرالي وتمت مسرحية “المحاكمات السياسية” و”النقد الذاتي” وثم اعتقال المئات من المناضلين الثوريين الذين رفعوا صوتهم عاليا خلال “الربيع” وبعده من أجل ديموقراطية عمالية حقيقية.

إن الهزيمة التي لحقت بالطبقة العاملة اليوغوسلافية أوضحت جليا أن حل مشاكل الجماهير لا يمكنه أن يأتي من ضمن البيروقراطية الحاكمة. لا بل أن وجود البيروقراطية يتعارض مع حل هذه المشاكل. لقد مثلت تجربة دوبتشيك محاولة إصلاح المجتمع الانتقالي دون الخروج عن إطار البيروقراطية، ولذا فكان الفشل محتما —-تنتصر البروليتاريا وتسحق البيروقراطية، بكافة ألوانها، ,واما تستعيد هذه الأخيرة مواقعها وتسحق الحركة الجماهيرية. والتدخل السوفياتي يؤكد حقيقة قالتها الحركة التروتسكية منذ زمن طويل، أي أن حل مشكلة البيروقراطية العمالية على الصعيد المحلي مرهون بحلها على الصعيد العالمي. فالطليعة الثورية التشيكوسلوفاكية استوعبت هذه الدروس وهي تسعى اليوم لبناء علاقة ثابتة مع منظمات ثورية في العالم وخاصة في الدول العمالية الأخرى، لان الانتصار على البيروقراطية في تشيكوسلوفاكيا مرهون أيضا بتحرك جماهير الاتحاد السوفياتي (وأيضا +البولونية والألمانية، الخ…) ضد بيروقراطيتها. والأكيد أن الجماهير التشيكوسلوفاكية التي مارست خلال “الربيع” جزءا من حقوقها السياسية سوف لن ترضخ طويلا للحكم البوليسي القائم اليوم.

الأسباب الحقيقية للتدخل السوفياتي ومواقف الدول العمالية

لقد طرح التدخل السوفياتي في تشيكوسلوفاكيا أسئلة عديدة يعود أولها إلى أسباب هذا التدخل نفسه، فتوجب على موسكو إعطاء “حجج” لا تقل أهميتها عن أهمية نتائجها المباشرة (دخول 600000 جندي في ظرف أسبوع). وتمحورت المحاججة السوفياتية حول تنامي خطر العودة إلى الرأسمالية في تشيكوسلوفاكيا منذ أوائل عام 1968. فالنظام الإمبريالي الذي لا يزال يهيمن على جزء هام من البقعة الأرضية قد يشكل خطرا مباشرا على “المعسكر الإشتراكي” بحال انتقال تشيكوسلوفاكيا (وهي دولة عمالية نامية جدا) إلى معسكر الإمبريالي. فما هي أسباب تنامي هذا الخطر؟

يتلخص السبب الأول والأخير لتنامي خطر العودة إلى الرأسمالية في فقدان الحزب الشيوعي “لإشرافه القائد” على المجتمع. فتلاشي دور الحزب (والمقصود بذلك إلغاء الرقابة وإزالة البوليس السياسي) هو إذن المفتاح لفهم كافة التقلبات الاجتماعية الجذرية التي يمكن أن تحصل. فمنذ بداية 1968 والأفكار البرجوازية تتداول بوقاحة وتترسخ في أدهان الشعب التشيكوسلوفاكي، مما يفسح المجال أمام بروز طبقة برجوازية سوف تقضي على “المكتسبات الإشتراكية” وتعيد من جديد العلاقات الرأسمالية السالفة.

قبل الخوض في مناقشة هذه الحجج، لابد من التذكير بأن خطر العودة على الرأسمالية هو خطر حقيقي ستعاني منه كافة الدول العمالية (ومنها الإتحاد السوفياتي) طالما لا تزال العلاقات الرأسمالية مهيمنة على مناطق واسعة من العالم. وسوف لن يزول هذا الخطر سوى بانتصار الثورة الإشتراكية على امتداد العالم. ولكنه من الخطأ اعتبار أن خطر عودة الرأسمالية كان أكبر خلال “الربيع” التشيكوسلوفاكي، إذ أن التناقضات والانحرافات في الاقتصاد كانت موجودة منذ زمن طويل وأدت إلى أزمات عميقة جذا خلال حكم غوتفالد ونوفونتي. ومهما كان الأمر فالمجابهة الفعلية لهذا الخطر لن تتم إلا من خلال التعبئة الجماهيرية المستمرة، وليس (كما يفهمها الستالينيون) “بتعبئة” الجيوش النظامية وأجهزة البوليس السري ضد إرادة الجماهير.

إن ما تفتقد إليه المحاججة السوفياتية لتبرير تدخلها الوحشي، هي الوقائع الاقتصادية التي تدعم أطروحة خطر العودة إلى الرأسمالية. وهذا أمر طبيعي إذ أنه من الصعب جدا إثبات أن تشيكوسلوفاكيا التي تسير في بناء الاشتراكية منذ عشرين عاما (وفق الدعاية السوفياتية نفسها) تتضمن اليوم طبقة بورجوازية. والحقيقة ان برجوازية (بمعنى شريحة اجتماعية تحتل موقعا محددا في علاقات الإنتاج) ليست موجودة إطلاقا في المجتمع التشيكوسلوفاكي الذي تترسخ فيه الركيزة الإشتراكية للإقتصاد، لا بل باستطاعتنا أن نقول أنه لا يوجد بورجوازي واحد في تشيكوسلوفاكيا

ليس هناك إذن (بنظر الإتحاد السوفياتي) برجوازية مكونة أو في حيز التكوين بل هناك “وعي طبقي برجوازي” بإمكانه أن “يولد” طبقة برجوازية، وبالتالي فخطر العودة إلى الرأسمالية يتجلى فقط علة الصعيد الإيديولوجي. وهنا تنقلب الأطروحة الماركسية إلى عكسها فيصبح الوعي هو الذي يحدد الوجود.

إن إغفال العوامل الاقتصادية في تحليل مجتمع ما، أو تحليل امكانية تحوله، هو تحريف فادح للماركسية التي تحدد طبيعة المجتمع الإنساني في آخر التحليل انطلاقا من نوعية البنية التحتية (الاقتصادية) القائمة وهذا ما يدحض نهائيا الأطروحات القائلة بخطر العودة إلى الرأسمالية في تشيكوسلوفاكيا 1968.

ولكن، لننظر قليلا إلى الخطر المشار إليه على الصعيد الإيديولوجي”:

لقد أدت الحريات التي سمح بممارستها الجناح الليبرالي من البيروقراطية إلى غليان أفكار وآراء، وفسحت المجال أمام بروز تحاليل وانتقادات لم تكن كلها صحيحة. وهذا ما لا شك فيه إطلاقا. ولكن الجدير بالذكر أن حكم دوبتشيك لم يؤسس اتجاهات سياسية، ولم يبتكر “أفكار” بل اكتفى بالسماح لها بالتعبير عن نفسها. أي بكلام آخر كانت هذه الأفكار موجودة بشكل أو بآخر قبل مجيء الجناح الليبرالي إلى السلطة، ولكنها كانت مكبوتة. فإذا كانت هناك أخطاء أو “انحرافات” في “فكر” الجماهير فمن هو المسؤول الأول؟ أليس الحكم البيروقراطي نفسه الذي سعى جهده لإبعاد الجماهير عن الحياة السياسية وأخذ يقمعها باسم المبادئ الاشتراكية؟ والسؤال الذي نطرحه هو التالي: لماذا اكتفى بإبراز (بين الألوف وعشرات الألوف من الكتابات والمؤلفات) نص فاكوليك “رسالة في ألفى كلمة” الذي يتهجم على البيروقراطية الستالينية ويدعوا العمال إلى استلام السلطة وتحقيق الديموقراطية العمالية؟ لماذا لم تستهدف محاكمات براغ التي ابتدأت عام 1969 ولم تنته إلى يومنا هذا، “البرجوازيين” و”العملاء” و”الصهاينة”، بل اقتصرت على محاكمة مناضلين ثوريين حاربوا الاستبداد البيروقراطي، أمثال بيتر أوهل ورفاقه؟

تشكل هذه الوقائع أفضل دليل على نوعية الخطر الذي كان يهدد البيروقراطية عام 1968. أما على صعيد التحركات الجماهيرية (وهذا هو الأهم) فكانت تسير باتجاه ترسيخ ديموقراطية عمالية حقيقية، واضعاف الجهاز البيروقراطي القائم. فهل تشكل مشاركة العمال في إدارة الإنتاج خطر عودة إلى الرأسمالية بنظر البيروقراطية السوفياتية و”أصدقائها”؟

لقد وجد الإتحاد السوفياتي “حجة” بمستوى تدخله الرجعي في شؤون الشعب التشيكوسلوفاكي. ويكمن السبب الحقيقي للتدخل في خطر الإطاحة بالحكم البيروقراطي القائم، ليس باتجاه ترسيخ العلاقات الرأسمالية كما تزعم البيروقراطية، ولكن على العكس، باتجاه هيمنة الطبقة العاملة على جهاز الدولة العمالية وتحول الحكم البوليسي القمعي إلى ديموقراطية عمالية حقيقية.

وقوة التدخل السوفياتي هي بمستوى ذعر البيروقراطيات العمالية من تأثير التجربة التشيكوسلوفاكية على شعوبها، إذ أن تجربة ديموقراطية عمالية حقيقية قد تفضح نهائيا التشوهات البيروقراطية للاشتراكية وتفجر بالتالي التناقضات الكامنة في هذه المجتمعات.

فالانتصار الذي حققته البيروقراطية في نهاية عام 1968، لم تحققه ضد الإمبريالية كما زعمت (غريب هذا الانتصار على الإمبريالية الذي الذي يقويها على الصعيد الإجمالي) بل ضد الحركة الشعبية والطبقة العاملة، والتدخل لم يكن “لصيانة ” الإشتراكية بل لخدمة المصالح الرجعية للبيروقراطية السوفياتية وزميلاتها. فمن تحطيم الحركة الجماهيرية ومنع العمال من المشاركة في الإدارة، إلى إعادة الرقابة على الصحف نهائيا أنه ليس من حل آخر بالنسبة للطبقة العاملة سوى الثورة السياسية كالشرط الأساسي لترسيخ ديكتاتورية بروليتارية حقيقية.

مواقف الدول العمالية الأخرى:

إن موقف الدول العمالية الأخرى (الصين، كوبا) من التدخل السوفياتي في تشيكوسلوفاكيا لا يدحض فعلا المنطق البيروقراطي الذي عبرت عنه موسكو لتبرير موقفها الرجعي من تشيكوسلوفاكيا.

فالصين مثلا، بالرغم من إدانتها للتدخل (انطلاقا من حجة حق الشعوب في تقرير مصيرها) تعتبر الإتحاد الإتحاد السوفياتي دولة برجوازية رجعية بينما تشيكوسلوفاكيا هي “أكثر رجعية” و”أكثر تحريفية”. فالخلاف هو إذن بين “إمبرياليتين”، ويكمن سبب التدخل السوفياتي في خطر تشكيل حلف إمبريالي ثلاثي  بين الولايات المتحدة وألمانيا الغربية وتشيكوسلوفاكيا، موجه ضد مصالحه.

وتجدر الإشارة إلى أن الصين التي حددت موقفها من خلاف “الهندي-الباكستاني” انطلاقا من مبدأ دعم البرجوازية “الأقل رجعية”، ركزت ضرباتها هذه المرة ضد “الدولة الرجعية” عوضا عن الدولة “الأكثر رجعية”.

تفسر هذا المواقف التجريبية للبيروقراطية الصينية بعدم تفهمها لنوعية البيروقراطية العمالية (وهذا أمر طبيعي إذ أنها لا تختلف من حيث موقفها الإجتماعي عن سائر البيروقراطيات العمالية. وان كانت في موقع المنافس لها). فتمسك البيروقراطية الصينية بستالين كقائد ثوري عظيم هو مؤشر سليم لنوعية العلاقات القائمة في الصين ومواقفها من المشاكل العمالية ومنها بالطبع الصراعات داخل الدول العمالية نفسها.

أما الموقف الكوبي فيتبنى الأطروحة السوفياتية حول “خطر العودة إلى الرأسمالية”، بالرغم من أنه يرجع عوامل هذا الخطر الرجعي إلى “السياسة العامة للمعسكر الإشتراكي”. وهو أيضا لم يتطرق إلى القاعدة الاقتصادية بل يحصر الخطر المذكور بالمستوى الإيديولوجي، فيعتبر أن الجماهير التشيكوسلوفاكية غير مسيسة وأن الأحلام البرجوازية الصغيرة حول الاغتناء الفردي والارتقاء الإجتماعي تشكل ركيزة فكر الطبقة العاملة التشيكوسلوفاكية . ومن ناحية أخرى، ان السياسة الخارجية لتشيكوسلوفاكيا تنطلق على الصعيد الديبلوماسي والتجاري من مصالح قومية ضيقة، وليس من مبادئ أممية.

فلنفترض أن هذه الحجج صحيحة، هل سيحل التدخل السوفياتي هذه المشاكل؟ هل الاحتلال المسلح الذي أثار السخط الشديد للجماهير التشيكوسلوفاكية هو عامل توعية سياسية للطبقة العاملة؟ وأخيرا هل الإتحاد السوفياتي الحائز على بطولة التعايش السلمي مع الإمبريالية ونصير بناء”الإشتراكية في بلد واحد” هو الذي سيعطي دروسا في الأممية الدولية التشيكوسلوفاكية في سياستها الخارجية؟ إننا نشك بذلك.

مرة أخرى لا تبنى الإشتراكية من فوق الجماهير ودون مشاركتها: فهي فقط لها الحق في تقرير مصيرها. وكل ما يمكن قوله في هذا المجال هو أن “انتصار” الكريملين في تشيكوسلوفاكيا سوف يعمق أكثر وأكثر الأزمة العالمي للبيروقراطية الستالينية التي تمارس حكما استبداديا منذ نصف قرن تقريبا، وسوف تزيد من وعي البيروقراطية في سبيل انتصار الإشتراكية.

[1]  – مما لا شك فيه أن انتصار ديكتاتورية بروليتارية سوفياتية حقيقية في أي بلد من العالم سيشكل خطرا كبيرا على البيروقراطية العمالية في فضحه العملي لمفهوم “الاشتراكية” الذي تدعي تمثيله.

[2]  – فقط يوغوسلافيا لم ترضخ للهيمنة السوفياتية مما أدى إلى علاقات سيئة جدا مع موسكو إلى محاولة خنقها على الصعيد العالمي من قبل هذه الأخيرة.