عبد الله موناصير: 21 سنة بعد التصفية الجسدية | المناضل-ة

عبد الله موناصير: 21 سنة بعد التصفية الجسدية

Print Friendly, PDF & Email

 

 

لتحميل البيان: عبد الله موناصير حياة نضال من اجل الاشتراكية

 قبل 21 سنة، يوم 31 من شهر مايو 1997، وُجدت جثة المناضل عبد الله موناصير طافية بالبحر بين ميناءي أكادير، ليكون ذلك آخر مشهد من عملية التصفية الجسدية لواحد من أعظم مناضلي الطبقة العاملة المغربية الثوريين العصاميين الواعدين.

عاش موناصير 38 سنة، قضى زهاء نصفها مناضلا ماركسيا ثوريا، يسلك كل  سبل بناء أدوات نضال الشغيلة، وكل ضحايا الاستبداد والرأسمالية، من أجل الاشتراكية، وغيبه العدو الطبقي باختطاف واغتيال سيظلان علامة صارخة بحقيقة نظامه المستبد. 

مرت 21 سنة مؤكدة:

أ‌-       ثبات الطابع المستبد للنظام السياسي المغربي الموروث عن مزيج من الجبروت السياسي للقرون الغابرة ونظام السيطرة الاستعمارية.  استبداد ترسخ بفضل مناورة سياسية لتأمين استقرار انتقال الحكم، سماها مهندسها “تناوبا”، ونجح فيها بفعل تواطؤ من اغتصبوا صفة النضال وحتى الاشتراكية  طيلة عقود دأبوا فيها على نجدة النظام ومساعدته على النجاة من اختناقاته. استبداد لا يقف، ولا يتراجع، سوى في الحدود التي تفرضها اندفاعات نضال الكادحين.

ب‌-  استمرار إخضاع المغرب لسيطرة استعمارية جديدة معززة، عبر قنوات علاقة التبعية للاتحاد الأوربي، وأدوات العولمة الامبريالية، من صندوق نقد دولي وبنك عالمي ومنظمة تجارة عالمية. إخضاع حول البلد إلى ورش تخريب كبير مُريع لكل مكاسب كادحي البلد الاجتماعية وعلى صعيد الحريات. 

ت‌-  استمرار الآلية السياسية، المسماة بدءا “مسلسلا ديمقراطيا، قوامها فبركة مؤسسات زائفة، محلية وبرلمان، وحكومات واجهة؛ والتحكم في كل ذلك بترويض الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، وصنع “مجتمع مدني” خادم خنوع، بما يخدم ديمومة الاستبداد السياسي والسيطرة الاقتصادية لبرجوازية محلية ولربيبها الامبريالي. آلية سياسية كان وقودها بالأمس اشتراكيون زائفون خدعوا الجماهير عقودا، ويحركها اليوم إسلاميون انخدع قسم من الشعب بأضاليلهم.   

ث‌-  تنامي مقدرة العمال ومجمل مفقري المدن والقرى، على الكفاح؛ وتعاظم ثقتهم في الذات، ضمن مد وجزر طبعا، لكن وفق خط صاعد جلي منذ منتصف تسعينات القرن الماضي. فقد ترعرعت حركة نضال اجتماعي واشتد عودها، وارتقت مطالبها وأشكال تنظيمها. فمنذ الصبوات الشعبية المنطلقة من أعماق المغرب القروية المهملة، تتبلور باطراد حراكات شعبية محلية، متحررة من تسلط أحزاب متعاونة مع النظام، مباشرة أو مداورة، وتواقة إلى تحقيق المقومات الأولية لحياة لائقة، من شغل وخدمات عامة، وحرية وكرامة. ويتبوأ الشباب، لاسيما المعطل، مكانة مرموقة في هذا الكمون النضالي الذي يهز البلد بين فينة وأخرى مرعبا المستبدين، من رأسماليين مغاربة وأسيادهم الامبرياليين. ولا شك أن مقدرة النضال تلك شهدت حفزا قويا بفضل حراك 20 فبراير المجيد، وما مثل من امتداد محلي للموجة الثورية التي هزت المنطقة منذ متم العام 2010. وإن كان الردة الرجعية قد أجهزت إلى حد بعيد على مكاسب السيرورة الثورية العربية والمغاربية، فإنها لم تأت كليا على استعداد كادحي المغرب لولوج ساحة معارك اجتماعية غير مسبوقة، تجلى ذلك في حراكي الريف وجرادة، وما شهدت مدن كبرى، مثل طنجة ومراكش من تعبئات اجتماعية قوية. واخيرا، وليس آخرا،  النجاح العظيم للحملة الشعبية لمقاطعة منتجات شركات ضد الغلاء المستعر.

 وقد باتت مقدرة الشغيلة والعامة الكادحين تعبر عن نفسها بأشكال ذاتية تتلمس طريق الديمقراطية في تسيير النضالات بعيدا عن تسلط الأجهزة السياسية لأحزاب دلت التجربة أنها إنما تستعمل كفاحية الجماهير لبلوغ أهداف خاصة بها، أهداف تمليها طبيعتها البرجوازية وإن كانت “معارضة”.

ج‌-    تلاشي المعارضة التاريخية، تتويجا لسيرورة من السعي العقيم إلى “دمقرطة” النظام، وهي الاسم الذي ظلت تُحجب به محاولات بلوغ مساومة مع الاستبداد تمنح أحزاب المعارضة البرجوازية (الوطنية الشعبوية)، مكانة  أكبر في آلية النظام السياسية بما يخدم مصالح أقسام الطبقات المالكة المتضررة من استحواذ الحاكمين على السلطة وفرص التراكم الرأسمالي.

حرر هذا التلاشي قسما من الكادحين من هيمنة سياسة طالما عرقلت ارتقاء وعيهم بمصالحهم الطبقية الخاصة. وهذا ما يفتح إمكانات بناء أداة سياسية بديلة تجعل شغيلة البلد وكادحين يمسكون زمام مصيرهم. إمكانات يظل استثمارها وقفا على نهوض الثوريين بدورهم نهوضا كاملا حازما.   

ح‌-     تفاقم أزمة الحركة النقابية العمالية والطلابية، بمستويات متباينة. فبعد ما عانت حركة الشغيلة النقابية منذ الاستقلال الشكلي من جنوح بيروقراطيتها إلى التعاون مع النظام لمنع تسيس العمال على نحو مستقل، لا بل حتى إلى التضحية بمصالح الأجراء اليومية المباشرة، ثم تعرض قسم منها لاستعمال سياسي من قبل المعارضة البرجوازية منذ متم السبعينات؛ أدت عقود من هاتين الآفتين إلى إجهاض اندفاعات عمالية قوية، وإلى شل الجسم النقابي عن النهوض بأدواره النضالية الأولية. وبلغت حدة هذه الأزمة اليوم مستويات غير مسبوقة، بضغط استشراء البطالة والهشاشة من جهة، وأضرار خط البيروقراطيات المتعاون مع البرجوازية ودولتها من جهة ثانية. وساعد على هذا النكوص نقص إدراك تاريخي لدى اليسار المنتسب للطبقة العاملة للحاجة الحيوية إلى معارضة  منظمة داخل النقابات تذود عن المصالح الآنية والتاريخية للبروليتاريا  بمنظور كفاحي ديمقراطي. ولا شك أن ما سمي “توجها ديمقراطيا” بالاتحاد المغربي للشغل، من 2012، مثال ساطع عن ذلك العمى السياسي.

 أما الحركة النقابة الطلابية، التي اضطلعت بأدوار حفازة في تاريخ البلد السياسي، فقد تعاظم استفحال أزمتها منذ 36 سنة لدرجة استحالة الحديث عن وجود أدنى مقومات عمل مطلبي وسياسي منظم. لم تكن تلك الأزمة، في أحد ابعادها الرئيسية، غير انعكاس لما شهد اليسار “الماركسي اللينيني” من تدهور وانحلال. بيد أن تنامي إمكانات الطلاب النضالية، بوجه الهجوم البرجوازي على الجامعة العمومية، عبر عن نفسه رغم اضمحلال الأداة النقابية، لا بل بقاء مخلفات منها عقبة كأداء لا أدل على خطورتها من تنامي العنف السياسي، بموكب قتلاه ومعطوبيه، داخل الجامعة.

وإن الجسم الطلابي اليوم، بحجمه ومشاكله المتعاظمة، وما يحيط به من ديناميات نضالية شعبية مخترقة للمجتمع، وما تتيح التكنولوجيا من إعلام وتواصل وتنسيق، مؤهل لاستعادة دوره النضالي على نحو أشد وأقوى.

بوجه الإجمال، تحسنت، في العقدين التاليين لاغتيال عبد الله موناصير، شروط النضال العمالي والشعبي باجتياز قوى فتية، تُعد بمئات الآلاف، تجارب نضال ميدانية، وتراجع الخوف في أسفل، وبداية انتقاله إلى أعلى. ما يلقي مسؤولية أجسم على مناضلي اليوم، رفاق عبد الله موناصير، وكل من يشاطر أهداف الحرية والاشتراكية.

لقد جسد عبد الله موناصير بما أوتي قيم الوفاء لقضية تحرر العمال الذاتي، ومعهم عامة ضحايا صنوف الاضطهاد، ووهب حياته من أجلها.  

     تطويرا لمكاسب الحياة النضالية للرفيق عبد الله، ولما دأب عليه رفاقه/ته من اقتداء به، ومن استرشاد بدروس الكفاح التاريخية لطبقتنا ولكل معذبي الأرض، نواصل النضال من أجل: 

– بناء منظمات نضال طبقية جماهيرية، كفاحية، وديمقراطية في تسيير النضالات وفي البناء التنظيمي 

– الدفاع عن راية الاشتراكية، وقيمها التحررية في وجه المسخ  الرأسمالي النيوليبرالي وكل صنوف الهذيان الرجعي الديني والعرقي ….. وضد تدمير المحيط البيئي

– النضال لأجل بناء حزب العمال الاشتراكي، الأداة الضرورية في معركة الطبقة العاملة لتحررها الشامل والعميق، بما هو مهمة آنية.

 ذكرى الشهداء من اجل الاشتراكية ليست طقسا جنائزيا، بل استلهام الأجيال الحالية الدروس لحمل المشعل ومطابقة القول بالفعل.

استشهد موناصير،  عاش النضال الثوري لأجل الاشتراكية

تيار المناضل-ة، 31 مايو 2018