غلاء الأسعار: البرجوازيون ينهبون الشعب

Print Friendly, PDF & Email

 

غلاء المحروقات أصل الحكاية

 يعتمد المغرب على الخارج للتزود بحاجاته البترولية. تتأثر فاتورة الاستيراد السنوية بأسعار السوق العالمية صعودا وهبوطا. طبقت الدولة سنة 1995 برنامج تحرير كامل لأسعار المواد البترولية بربط أسعارها الداخلية بأسعار سوق روتردام لمدة 5 سنوات إلى غاية 2000 ليجري تجميده لاحقا. عادت لنظام دعم المواد البترولية فانتقل حجم هذا الدعم من 1 مليار سنة 2003 ليصل إلى 41 مليار درهم سنة 2011، وكانت المواد البترولية تستأثر بأكثر من %84 من حجم الدعم الإجمالي الذي يقدمه صندوق الموازنة حينها. (1)

خلال العقود الماضية لعب عاملين اثنين دورا مهما في تقليص حدة ارتفاع أسعار البترول. لعب صندوق المقاصة دورا محوريا في تحمل قسط هام من الزيادات بفعل تدخله لتغطية الفارق عند مستوى معين مما يجعل المستهلك لا يتأثر بقوة ومباشرة بارتفاع السعر العالمي. العامل الآخر هو وجود مصفاة لاسمير لتكرير البترول كشركة عمومية تستورد البترول الخام وتقوم بعملية تكريره وتعتبر بذلك المزود الوحيد للسوق المحلية عبر شركات توزيع المحروقات، لكن هذا زمن مضى.

 أنهت الدولة، تنفيذا لشروط البنك العالمي، تدخل صندوق المقاصة لدعم المواد البترولية في يناير 2016. وبصخب إعلامي مضبوط الإخراج ومتناسق الأدوار، انتهزت تراجع سعر البترول في السوق العالمي، فاستغلت عدم حصول تغير فجائي في أسعار الشراء عند التقسيط لتبرر نجاعة قرارها.

وفر هذا أموالا لخزينة الدولة (ما يعادل 6 بالمئة من الناتج الداخلي الخام بما يقارب 56 مليار درهم)، ودون تأثير سلبي على المستهلك. ومن الطبيعي أن يؤدي حدوث ارتفاع في سعر البترول حتى يمتد حريقه إلى جيوب المستهلك وهو ما يقع الآن، فالارتفاع الطفيف نسبيا لسعر البترول رغم أنه لم يبلغ مستوياته القصوى السابقة، نتج عنه صعود في سعر التجزئة. أما شركة “لا سمير” فقد تم تمرير صفقة استغلالها لفائدة برجوازي سعودي/إثيوبي، وبعد سنوات من الاستغلال وتصدير الأرباح والتهرب من أداء الضريبة لخزينة الدولة وعدم تنفيذ دفتر التحملات المرفقة بالاتفاقية (استثمار جزء من الأرباح للصيانة والتطوير) انتهت الشركة إلى التآكل وإلقاء مئات العمال إلى البطالة بعد مغادرة الرأسمالي الرافض أداء الضرائب المستحقة وتقلص أرباحه بعد تحرير القطاع الذي نال من مكانة الشركة كمزود وحيد للسوق الداخلية.

موجة غلاء شاملة في الأفق

تعني الزيادة في سعر المحروقات زيادة في أسعار أحد عوامل الإنتاج والتبادل، وبالتالي فسعر السلع سيزداد. وستلجأ البرجوازية إلى إما زيادة في سعر السلع أم خفض الوزن مع الإبقاء على نفس السعر. لكن البرجوازية المالكة لوسائل النقل لن تقبل تحمل زيادة سعر المحروقات وتقليص أرباحها وستجد الحل إما في انتزاع إعفاءات ضريبية من الدولة أو الزيادة في ثمن النقل، حينها سيرتفع سعر الكلفة بسبب مصاريف الزائدة لنقل البضاعة وسيتحملها طبعا المستهلك.

في الحصيلة زيادة أسعار المحروقات نتيجة مباشرة لارتفاع سعرها بالسوق العالمي وسيتولد عنها بشكل طبيعي زيادة عامة في أسعار كل السلع سواء المنتجة محليا أو المستوردة، مثلا ارتفاع في سعر النقل و/أو بسبب اعتماد بعض الشركات/الضيعات على المحروقات كمصدر للطاقة لتحريك وسائل الإنتاج (الآلات).

ليس ارتفاع سعر البترول السبب الوحيد لزيادة الأسعار القادم، بل تفكيك صندوق المقاصة تنفيذا لأوامر المؤسسات المالية الإمبريالية هو سبب آخر يفاقم التأثيرات الكارثية لتقلبات أسعار البترول. إضافة إلى استشراء فالفقر والبطالة الجماهيريين، ما يجعل أي تململ في أسعار السلع والخدمات يجعلها تحلق في السماء بعيدا عن متناول من بالكاد يحافظون على البقاء.

إن خوصصة الخدمات العمومية وإجبارية الأداء نظير خدمات متهالكة، تجعل الغالبية الكادحة لا قدرة لها على مجارات أي زيادة تثقل كاهلها، وأخيرا انهيار القدرة الشرائية للطبقة العاملة التي تجبر على الخضوع لاستغلال جهنمي بأجور زهيدة وغالبية المأجورين أجرتها لا تتعدى نصف الأجر القانوني دون الحديث عن الحيف المكرس بقوة القانون بين أجور القطاع الصناعي والفلاحي. إن مجمل السياسة الاقتصادية والنقدية والاجتماعية للدولة لا يمكنها أن تؤدى إلا إلى رفع الأسعار في تناقض صارخ مع تجميد قاس للأجور والتشغيل.

الغلاء: الرابحون والخاسرون

يجب التأكيد على دور صندوق النقد الدولي في إجبار الدولة على تحرير قطاع الطاقة برمته كالتزام مدقق لتسلم القروض. تحرير قطاع الطاقة ومنه تحرير أسعار المواد البترولية يعكس مصالح الشركات المتعددة الجنسيات المحتكرة للقطاع عالميا من الإنتاج والتكرير والتخزين والنقل وستكون الشركات الخاصة المحلية مجرد مقاول من الباطن ينجز مهمة ثانوية مقابل أتعابه.

الطبقة البرجوازية برمتها (بما في ذلك شركات توزيع المنتجات البترولية) من مصلحتها الحفاظ على دعم المنتجات البترولية في ظل الارتفاع الحاد للأسعار العالمية. يؤدي هذا الأخير إلى خفض حاد للقدرة الشرائية وارتفاع نسب خطر التضخم المنفلت، ما سيترتب عنه تضييق السوق الداخلية أمام الإنتاج المحلى التي أصبحت بدورها مفتوحة للمنافسة الخارجية. سيجبر ارتفاع الأسعار المقاولين على رفع الأجور التي تشكل العنصر الأساس في تنافسية الصادرات، وهو ما يخافه أي رب عمل.

هذا الضرر الذي قد يلحق البرجوازية، يدفعها إلى إبداء معارضة، لكن أرباب العمل يسعون إلى شيء واحد: أن تتجه الفوائد المترتبة عن ذاك التحرير إلى خزائن أرباب العمل والبرجوازية؛ وأن تتحمل الطبقات الكادحة تكاليف أي ارتفاع.

إن الطبقة العاملة وجماهير الشعب الكادح هم من يسدد فاتورة غلاء أسعار المواد البترولية، فالضرائب التي تقترب من بلوغ نصف سعر شراء المواد البترولية يستخلص بنفس المعدلات وهو ضغط كبير على الأجراء، والأخطر ما يجره ارتفاع أسعار الطاقة من موجة غلاء أسعار شاملة.

الرد الشعبي والعمالي دفاعا عن حياة تليق بالبشر

إن غلاء الأسعار يمثل خطرا مسلطا على الأجور والرواتب والمعاشات وهو سلاح تلجأ إليه البرجوازية لخفض الأجور الفعلية. يكمن دور منظمات النضال العمالية والشعبية في رفض دفع تكاليف غلاء الأسعار وعليها الدفاع عن الأجور والدخول الفعلية ضد كل الآثار المباشرة وغير المباشرة لغلاء الأسعار عبر جبهة عمالية شعبية تستند على قاعدة مطالب تتحدى هجوم البرجوازية ودولتها(2):

  • النضال من أجل تأميم عمومي لسلسلة قطاع الطاقة من الاستكشاف والاستخراج والتكرير (أو الشراء من الخارج) إلى التسويق.
  • العودة إلى تقوية صندوق الموازنة ومراقبته حتى لا ينهبه البرجوازيون
  • فرض ضريبة تصاعدية بنسب عالية على الثروة والأرباح للرد على مبرر استفادة الأغنياء من صندوق المقاصة.
  • زيادة عامة في الأجور لردم الهوة القائمة بين الأجور الفعلية وقيمة سلة السلع الضرورية للعيش.
  • تطبيق السلم المتحرك للأجور والمعاشات والأسعار بشكل دوري.
  • تامين دخل للعاطلين عن العمل والعاجزين لأسباب صحية.
  • التخلي الشامل عن الأداء في الخدمات العمومية، بل تعزيزها وتحسين جودتها خصوصا قطاعي التعليم والصحة.

المنظمات النقابية دورها الدفاع عن قاعدتها في حياة تليق بالبشر، وهو ما يجعل النضال ضد غلاء الأسعار من صلب مهامها، على قيادة الحركة النقابية المغربية التي أصابها الدوران والعجز مما شجع البرجوازية ودولتها على تحميل الطبقة العاملة والشعب الكادح أهوال خربة شروط حياتها على كل المستويات، الحركة النقابية رغم ما آل إليه وضعها لازالت القوة المنظمة الرئيسية التي بمقدورها أن تقود قاطرة النضال العمالي والشعبي دفاعا عن الخط الأخير قبل انسحاق شامل بلا مواجهة. إن مسؤولية اليسار النقابي جسيمة وحاسمة في إطلاق نضال عمالي من الأسفل ونسج علاقات تعاون نضالي مع منظمات وحركات نضال لرد العدوان البرجوازي.

لمزيد من التفاصيل الاطلاع على:

(1)- تحرير أسعار المنتجات البترولية وإلغاء دعم صندوق الموازنة،مخطط امبريالي لاستكمال السيطرة على قطاع الطاقة  من كتيب “صندوق المقاصة، التقاعد الخدمات العمومية،الإضراب.مكاسب عمالية وشعبية يجب الدفاع عنها”.منشورات المناضل ة ماي2013.

(2)- الدفاع عن القدرة الشرائية للعمال ضد التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. ارنست ماندل. موقع جريدة المناضل ة.

بقلم، أحمد أنور