قانون محاربة العنف ضد النساء: عقبات وضرر المصالحة و التسوية الحبية

Print Friendly, PDF & Email

 

 

صدر ضمن ملف عدد جريدة المناضل-ة 69 حول العنف ضد النساء

أبقى قانون محاربة العنف ضد النساء المصادق عليه في فبراير 2018 بعض أشكال العنف الضارة بحقوق النساء وحريتهن وكرامتهن، كتعدد الزوجات و زواج القاصرات ومختف أشكال السيطرة على أجساد النساء، بالإضافة إلى عدم محاربة التمييز في الميراث. كما أن مقتضياته التشريعية لمواجهة العنف الجسدي والجنسي والطرد من بيت الزوجية والإكراه على الزواج والعنف الاقتصادي لا تمثل تقدما في اتجاه الحد من اللامساواة ومن مختلف صنوف العنف ضد النساء. و نتطرق هنا لمختلف العقبات التي لازالت تمنع النساء من ولوج العدالة، ومن إثبات العنف، مبريزن ختاما ضرر ما يسمى المصالحة و التسوية الحبية .

أولا، عقبات أمام و لوج النساء ضحايا العنف للعدالة

تتعرض سنويا بالمغرب 6 مليون امرأة لأحدى أشكال العنف، ومع ذلك لا تتمكن أغلبية واسعة من الضحايا من ولوج القضاء بسبب عوائق عديدة. أهمها العقبات أن العديد من ممارسات العنف غير معترف بها كجرائم، و ما يشترط القانون للبرهنة على التعرض للعنف تعجيزي، و إن نجحن في إثباته، فإن القانون والنظام القضائي يتيح إفلات الجاني عندما يفضل إتباع منهج الصلح بدل مسطرة المتابعة القضائية.وأخيرا، تفتقر النساء للإمكانيات المالية اللازمة للمتابعة القضائية وأداء أتعاب محامي.

لا يساهم مشروع القانون في وضع حد لهذا الوضع، بل يكرس إقصاء النساء من الاعتماد على القضاء لإدانة الجناة ورد الاعتبار لذواتهن، ويتجلى ذلك في ما يلي:

عقبات تعجيزية لإثبات العنف اتجاه النساء

لم يقدم مشروع القانون أي جديد في مجال وسائل الإثبات التي يمكن للضحايا الاستناد عليها لاعتقال المجرمين ومتابعتهم، أو تقديمها كبرهان إدانة أمام المحاكم. لا تستطيع النساء إثبات العنف بمجرد تقديم تصريح موثوق أو الإدلاء بشهادتهن، رغم أن العنف الممارس ضدهم قد يقترف أساسا من طرف الزوج ضمن نطاق الأسرة، داخل فضاء مغلق يستحيل البرهنة عليه بشهادة الشهود. ويمثل ذلك إحدى الخاصيات المميزة للعنف ضد النساء، و بشكل خاص بعض أشكال العنف الجنسي كالاعتداء الجنسي والاغتصاب والتحرش الجنسي التي يحرص مقترفوها على حجبه عن أعين الشهود.

لا زال المشروع الحالي متشبث بوسيلة الإثبات الوحيدة : شهادة الشهود. و في هذا الصدد جاء الفصل 446 من القانون الجنائي بتعديل طفيف، حيث ألزم الأطباء والجراحين و ملاحظي الصحة والصيادلة و المولدات وكل شخص يعتبر من الأمناء على الأسرار بالإدلاء بشهادتهم إذا ما طلب القضاء ذلك، بعدما كان الفصل المذكور لا يلزمهم بذلك و لو في حالة العنف ضد زوجة أو امرأة. رغم إيجابية هذا التعديل مقارنة بما ينص عليه القانون الحالي، إلا أنه لا يشكل تقدما في اتجاه تيسير وسائل الإثبات أمام النساء. و لتوضيح هذا الأمر نورد مثالا بسيطا قدمته منظمة هيومان رايس ووتش في رسالتها إلى مجلس المستشارين تعرض فيها ملاحظاتها على مشروع قانون لمحاربة العنف ضد النساء، “أوضحت محامية مثلا أن القضاة ربما يصدرون مذكرة اعتقال عندما تحصل الضحية على شهادة طبية تثبت عجزها لمدة 21 يوما أو أكثر بسبب عنف أسري، وقد تفعل النيابة الشيء نفسه إذا اعتقدت أن الضحية تواجه خطر التعرض لعنف شديد. و أضافت المحامية إنها شهدت اعتقالات فقط في الحالات التي فقدت فيها موكلاتها إحدى عينيها أو أسنانها أو صارت معاقة بسبب العنف الأسري. و من بين 20 ضحية قابلتهن هيومن رايتس ووتش، واحدة فقط قالت إن المعتدي عليها اعتقل. كان لديها تقرير طبي يثبت عجزها لمدة 21 يوما بعد أن لكمها زوجها فكسر أنفها وهي حامل”(هامش: العناصر الأساسية في الإصلاحات المتعلقة بالعنف ضدّ النساء في المغرب، هيومان رايتس ووتش، رسالة حول مشروع قانون رقم 103-13 يتعلق بمحاربة العنف ضدّ النساء بعثتها إلى حكيم بنشماس رئيس مجلس المستشارين، بتاريخ 28 أكتوبر 2016).

لقد كان المشروع السابق ينص على وسائل إثبات يعد تقدما هاما في تمكين النساء من ولوج العدالة. فقد نص على أن المحكمة تأخذ في قضايا العنف الزوجي تقارير الأطباء النفسانيين والشواهد الطبية الصادرة عنهم وإفادتهم والتسجيلات السمعية والمرئية وتصريحات الضحية المتضمنة في سجلات المستشفى. لا محاربة للعنف ضد النساء إذا لم يتم إحراز تقدم على هذا المستوى.

 ثانيا : تكريس المصالحة والتسوية الحبية لا يخدم الضحايا

بدل أن يسعى مشروع قانون محاربة العنف إلى محاسبة مقترفي جرائم العنف ضد النساء بالمتابعة القضائية كي ينالوا العقاب اللازم، كرس منهج المصالحة والتسوية الحبية التي لا تخدم دوما مصالح الضحايا و تؤدي إلى إفلات الجناة من العقاب. لقد حافظ مشروع القانون على منهج المصالحة، بشكل خاص، فيما يخص بعض أشكال العنف التي يمارسها الأزواج. وحسب تقرير المندوبية السامية للتخطيط المشار إليه سابقا، فإن إطار الزوجية يبقى المكان الذي يشهد أكبر انتشار للعنف اتجاه النساء، بحيث أن أكثر من نصف عدد أشكال العنف ترتكب داخل إطار الحياة الزوجية(أي 3,7 مليون امرأة من أصل 6 مليون).

و قد تساهل مشروع القانون مع مرتكبي العنف داخل العلاقة الزوجية في ثلاثة حالات: أولا، حالة طرد الزوجة من البيت. ثانيا، حالة جريمة تبديد أموال الزوجة أو تفويتها بقصد الإضرار بها أو التحايل على مقتضيات مدونة الأسرة المتعلقة بالسكن أو النفقة أو بالمستحقات المترتبة عن إنهاء العلاقة الزوجية. ثالثا، حالة جريمة الزواج بالإكراه باستعمال العنف و التهديد.

في كل هذه الحالات الثلاثة لا يتابع الزوج مرتكب إحدى جرائم العنف المشار إليها إلا بناء على شكوى الزوجة المتضررة. و حتى إذا ما توبع أو صدر في حقه حكم نهائي بتنفيذي العقوبات ، فبإمكانه الإفلات منها بمجرد تنازل الزوجة الضحية. لا يمكن تفسير ذلك إلا بكون المشروع الحالي لا زال لم يقطع مع النظرة الرجعية لعلاقة الزواج بكون ما يقع داخلها شأن داخلي، وذلك حتى في حالة جريمة الإكراه على الزواج باستعمال العنف أو التهديد. وما يؤكد ذلك أن المشروع في حالة تكرار جريمة طرد الزوجة من البيت لم يشترط إلغاء تنازل المتضررة عن الشكوى أو الدعوى حتى يفسح المجال لقاضي التحقيق أو السلطة القضائية أو الشهود أو جمعيات حقوق الإنسان أو حقوق النساء لرفع الدعوى.

بقلم، سعيدة حمزاوي