قبل 20 سنة، خدعة “حكومة التناوب”

Print Friendly, PDF & Email

 

 

بقلم، رفيق الرامي

1-   عملية مندرجة كليا في التقاليد الاتحادية: إنجاد الملكية في اللحظات العصيبة عليها

شهد المغرب قبل 20 سنة عملية سياسية من النوع الذي دأب عليه الحسن الثاني، ونظامه، منذ قيام هذا النظام بعد الاستقلال الشكلي. كانت تلك العملية خدعة تم تسويقها لشعب المغرب تحت عنوان “تناوب”، سمي “توافقيا”، وسعى من تواطأ لتنفيذها إلى ستر عورتها بترويج انها خطوة نحو “تناوب ديمقراطي”.

لم تكن تلك العملية فريدة ولا أولى من طينتها. يكفي التذكير أن المهدي ببركة ذاته أبدي، قبيل اختطافه، استعدادا للوصل مجددا مع الملكية وبلوغ تسوية مع الحسن الثاني تفضي إلى مشاركة حزبه من جديد في الحكومة [باعتبار حكومة عبد الله ابراهيم كانت مشاركة اتحادية أولى]. ففي ذلك السياق المتوتر سياسيا، مباشرة بعد انتفاضة شباب الدار البيضاء وكادحيها، التي أغرقها الحسن الثاني في الدماء، كان هذا الأخير بحاجة إلى من يساعده لضبط الوضع المنذر بخطر انتفاضة تعم البلد وتهز أركان العرش.

وفي سياق آخر بعد زهاء 20 سنة، في أواخر العام 1983، مع خضوع الدولة لسياسة صندوق النقد الدولي، ومصاعب النظام في ملف الصحراء (التزام باستفتاء تقرير المصير)، استنجد الحسن الثاني بالاتحاد الاشتراكي، معينا في الحكومة كلا من عبد الرحيم بوعبيد وعبد الواحد الراضي.

ثمة دوما نوع من معاونة الاتحاديين للملكية، بمشاركتهم في لعبتها السياسية القائمة على تمويه الحكم المطلق، فقد اتخذوا مكانهم دوما، إلى جانب صنائعه السياسية، في مؤسسات متنوعة، مثل “المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان” و “المجلس الوطني للشباب والمستقبل”. معاونة نابعة من منظور إصلاح للملكية وتقاسم السلطة معها من موقع ثانوي، وذلك ما يسمونه “الديمقراطية”، نموذجهم في ذلك تجربة حكومة عبد الله إبراهيم، التي لم تكن غير ترتيب عابر لجأ إليه الحكم المطلق بقصد عبور حقبة حرجة بسلام.  

2-    طبخة “تناوب” 1998

كان مطلع سنوات 1990 مطبوعا بحملة “المعارضة” البرجوازية، المتجمعة فيما سمي “كتلة ديمقراطية”، لانتزاع إصلاحات سياسية من ملكية مطلقة تصنع مؤسسات زائفة بانتخابات مزورة واستفتاءات أكثر زورا وأحزاب سياسية مصنوعة صنعا.

كان قوام حملة “المعارضة” البرجوازية ضغط بضجيج في قبة البرلمان ذاته (ملتمس رقابة)، وتشهير إعلامي ببعض أوجه المغالاة في الاستبداد، وضغط بقوة الشغيلة باستعمال الأذرع النقابية بتعاون بين الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (حزب الاتحاد) والاتحاد العام للشغالين (حزب الاستقلال) في تنظيم إضرابات قطاعية وطنية متحكم بها أيما تحكم.

تفاعل النظام بتنازلات خاوية كعادته، مثل إحداث مجلس حقوق الإنسان، وتعديل الدستور في 1992، ومهد بإطلاق سراح معتقلين سياسيين في 1994. وعند تعديل جديد للدستور في 1996، وافقت عليه المعارضة البرجوازية (ما خلا قسم من منظمة العمل).  وفي مطلع 1997 تحايلت الدولة على الأحزاب بتوقيع ميثاق لضمان نزاهة الانتخابات، وصُوت على قوانينها بإجماع في البرلمان. ومهدت بيروقراطية نقابة ك.د.ش من جانبها، باتفاق مع أرباب العمل والدولة في 1996، وبدعوة وزير الداخلية إلى مؤتمر النقابة الوطني في 1997. ولا شك أن وشوك موت الحسن الثاني سرع العملية.  وفي نوفمبر 1997 جرت الانتخابات بالتزوير المألوف. وفي مارس 1998 توجت عملية التضليل تلك المرقعة ترقيعا بإعلان تعيين حكومة برئاسة زعيم الاتحاد الاشتراكي.

حتى بالتغاضي عن زيف العملية من أساسها، لم يكن للاتحاد الاشتراكي أغلبية، إذ ابقته الدولة في حدود تضطره للاستعانة بأحزابها. قبل الأمر، وشكل حكومة مع أحزاب مخزنية، وفيها الجلاد البصري، بدون أدني حرج، فضلا عن تضمنها “وزارات سيادة”، أي تلك الخاصة بالملك (الداخلية، العدل، الدفاع، الشؤون الدينية). طبعا لا تنقص مبررات “مصلحة الوطن” وغيرها من الشعوذات السياسية المميزة لإصلاحية برجوازية عاجزة منبطحة.

3-   مضمون “التناوب التوافقي”

مع كل الأكاذيب المروجة لتجميل صورة “التناوب التوافقي” ومكاسبها المزعومة، لم يكن الغرض سوى تسهيل اجتياز فترة انتقال الحكم إلى الملك الجديد، وتجنيب النظام انتفاض ضحايا سياسته. ما أوضحه اليوسفي بقول:” وفضلنا مصلحة البلاد من أجل المشاركة في انتقال هادئ والتجاوب في نهاية الامر مع نداء ملكنا الذي كان يدعونا -نحن المغاربة قاطبة-الى انقاذ البلاد من السكتة القلبية التي تتهددها بالنظر الى الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة”[عرض بروكسيل-جريدة اتحاد اشتراكي عدد9009].  وهذا ما جاء على لسان بنعتيق أحد وزراء تلك المحكومة ذاته بقول:”مهمة تلك الحكومة كانت بشكل خاص وأساسي سياسية. اشتغلنا طبعا على ملفات اقتصادية-اجتماعية كبيرة الأهمية، لكن، بنظري أسهم التناوب بوجه خاص في سلاسة الانتقال الملكي وفي ضمان استقرار البلد، وهذا لا يقدر بثمن ”

الاستقرار؟  استقرار نظام الاستبداد والتبعية للامبريالية، وقهر الطبقة العاملة وعامة الكادحين. استقرار المذبوح لاستكمال ذبحه.  استقرار تطلعت اليه القوى الامبريالية المتحكمة بالمغرب، وبمقدمتها فرنسا، ما عبر عنه رئيسها آنذاك بقول: “المغرب بلد مستقر، ولحماية هذا الاستقرار لا غنى عن مشاركة الاشتراكيين في الحكم”.  

أما ما سماه بنعتيق الملفات الاقتصادية الاجتماعية، فلم يكن غير مواصلة سياسة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، والخضوع لمتطلبات “الشراكة” مع الاتحاد الأوربي، وايلاء أولوية لمصالح أرباب العمل. ولا شك أن من أكبر ثمار عهد “التناوب التوافقي” المرة، تكريس سياسة الإجهاز على الحق في التعليم، بما سمي: ميثاقا وطنيا للتربية والتكوين” الذي ما زالت ويلاته تنهال على الطبقات الشعبية.

الواقع الراهن، واقع تنامي البطالة والبؤس، وتفكيك ما تبقى من خدمات عمومية، وفرط استغلال الشغيلة، واستمرار ربط البلد بمصالح امبريالية، ومقاومة الكادحين هذا العدوان، وتنامي المطالب الاجتماعية، المعبر عنها بقوة في حراك الريف المقموع، وحراك جرادة الجاري، وشتى مظاهر الاستياء الشعبي، هذا هو الدليل على حصيلة “التناوب التوافقي” بعد 20 سنة.

في أكتوبر 2002، انتهت الأحبولة السياسية بتعيين وزير أول غير منتم للأحزاب، وزير داخلية سابق. ولم يبق لمهندس “التناوب” (هندسة العهد للملك والقسم على القرآن) سوى الانزواء، ومغادرة الساحة السياسية، معاينا انهيار حزبه. ويوم يغادر هذا العالم سترتفع أصوات كل الديمقراطيين الزائفين، وما أكثرهم، للاحتفاء به بطلا من عظماء أبطال الديمقراطية وحقوق الإنسان.

في عرضه ببركسيل عام 2008، أوضح اليوسفي مسعى التوافق بقول: كان لزاما علينا أن نتساءل حول إمكانية الانتقال الديموقراطي عن طريق التوافق، هذه الطريق التي أردنا أن نقدمها كمثال يحتذى من طرف دول العالم الثالث في الوقت الذي أضحت فيه الديمقراطية مطلبا عالميا”.

 لا شك أن اليوسفي وحزبه أعطيا العالم الثالث مثالا مخزيا عن عجز المعارضة البرجوازية في النضال من اجل الديمقراطية، مثالا يتعين على كادحي العالم الثالث، وبمقدمتهم المغاربة الإفادة من درسه للسير فعلا نحو الديمقراطية.

4-   طريق التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية

لم تأت تجربة المغرب في النضال من أجل الديمقراطية جديدا يميزها. دلت التجربة التاريخية مرارا عن عجز برجوازية البلدان التابعة العضوي عن تحقيق المهام الديمقراطية. لقد عانى نضال كادحي المغرب من اجل إنهاء الاستبداد، والتحرر من الاستعمار الجديد، وتحقيق عدالة اجتماعية، من هيمنة قوى سياسية ذات طبيعة برجوازية، تستغل طاقة الشغيلة وعامة الكادحين، لبلوغ أهدافها في نيل قسط من السلطة في ظل الاستبداد، قسط يتيح أحسن حفاظ على مصالح البرجوازية المحلية.

طريق الديمقراطية هو الذي دلت عليه دينامية 20 فبراير، رغم طابعها الوجيز، وأكده حراك الريف العظيم: إنه طريق تدخل الجماهير الكادحة المباشرة، بالاحتجاج والنضال خارج المؤسسات أساسا، مع ما للنضال داخلها من أهمية. لقد بدأت الجماهير الشعبية تسلك هذا الطريق، بعد عقود من خرافات “النضال الديمقراطي”. وستراكم خبرة في الدفاع ثم الهجوم، وتبني أدوات نضالها، في القلب منها حزب الشغيلة المستقل.

نضال الجماهير من اجل الديمقراطية الفعلية ومن أجل التحرر من الامبريالية والقضاء على كل استغلال واضطهاد، معركة واحدة، ستمر طبعا بأطوار، من القدرة التنظيمية والوعي، لكن كل تجزيئ مرحلي لها، من قبيل الديمقراطية السياسية أولا، ثم العدالة الاجتماعية لاحقا، سيجهض ذلك النضال لصالح معارضة برجوازية ليست بأي وجه مستعدة لنضال فعلي من أجل الديمقراطية.

فإلى أمام على طريق بناء أدوات النضال العمالي والشعبي