ماذا حقق ما يسمى “الميثاق الاجتماعي” لصالح الأجراء في قطاع الطرق السيارة؟

Print Friendly, PDF & Email

في بلاغ مختصر إلى الرأي العام، يوم 21 مارس 2018، أخبرت نقابة أجراء مراكز استغلال الأتوروت عن توقيع “ميثاق اجتماعي” بين النقابة وشركة الطرق السيارة، بمقر وزارة الداخلية. وعن مضمون”الميثاق”، اكتفى البلاغ بالجملة التالية: يأخذ بعين الاعتبار حقوق ومطالب الأجراء ومصالح شركة الطرق السيارة. واختتم البلاغ بدعوة المناضلين والمناضلات إلى: رفع كل أشكال الاحتجاج والتعبئة لتحسين جودة الخدمات وبناء مستقبل الشركة.
وقد تناول معظم الإعلام هذا الحدث بالتأكيد على انه نهاية للنزاع الاجتماعي الذي ميز هذا القطاع منذ العام 2011.
إن النبرة الجازمة التي تزعم أن هذا الميثاق قد حل مشكل الأجراء بصفة نهائية، وأن الصفحة طويت، هذه النبرة مثيرة للسؤال، لأن المضمون الكامل للميثاق غير معروف بعد، حيث لم ينشر لحد الساعة بأي طريقة.
فلا الأجراء المعنيون الأولون يتبادلونه في الهواتف، ولا الموقع الوطني لنقابة الاتحاد المغربي للشغل نشره، ولم تعرضه صفحة فايسبوك نقابة اجراء اتوروت. بل اكتفت بصورة لصفحة الميثاق الأخيرة حيث توقيعات الأطراف: الشركة والنقابة، وأربع وزارات على رأسها وزارة الداخلية. ولا كلمة عن الصفحات الخمس السابقة.
أما الموقع الالكتروني لشركة الطرق السيارة فقد اكتفى لحد الآن بنشر عنوان بلا مضمون: توقيع الميثاق الاجتماعي مع الشركاء الاجتماعيين، مع صورة لاجتماع التوقيع. ولا كلمة.
لماذا هذا الصمت عن مضمون “الميثاق”؟ ماذا حقق الأجراء الذين ناضلوا منذ 7 سنوات من اجل حقوق بسيطة على رأسها الاستقرار المهني، أي اعتراف شركة الطرق السيارة بعلاقة الشغل التي تربطها بالعمال والعاملات؟ بدل استعمال شركات وساطة، ليست الا تضييعا للمال العام، ستمكن من التخلص من العمال بأسهل ما يكون؟ إن كان الميثاق يحمل خيرا للأجراء، فلماذا إخفاؤه عن الأنظار؟
كل عناوين الإعلام تحدث عن كون الميثاق يحسن الوضع الاجتماعي للأجراء، لكن كيف؟
هل يضمن الاستقرار في العمل؟ بآي طريقة؟ هل هناك استقرار حقيقي في العمل غير الترسيم؟
هل في ميثاق 21 مارس 2018 زيادة في الأجرة الأساس التي تبنى عليها حقوق الأجير، وبمقدمتها التقاعد؟
لماذا الحديث عن نهاية النزاع ولم يتضح بعد ما الذي تحقق لصالح الاجراء؟
لماذا كل هذا الصمت؟ وإلى متى؟
المفترض والمطلوب هو أن يكون الميثاق الذي يهم مصير أزيد من 1000 أسرة عمالية موضوع نقاش وحوار داخل النقابة، وحتى أمام الرأي العام العمالي، ويتمكن كل معني من إعطاء رأيه في شان مصيري قبل التوقيع.
هل يصعب إجراء استفتاء نقابي حول الميثاق قبل التوقيع، بينما وسائل الاتصال الحديثة تسمح بمعرفة رأي كل معني بأسرع ما يمكن؟
إننا أمام نفس الطريقة التي استعملت بصدد ما سمي اتفاقية جماعية. فخلال مدة طويلة جرى الحديث عن الاتفاقية الجماعية، ووضع تطبيقها مطلبا في اللافتات التي يحملها المناضلون والمناضلات أثناء الاحتجاج. وفي الأخير اتضح ان “الاتفاقية الجماعية” كانت خدعة من الإدارة لربح الوقت لا غير. وهو ما نبهنا إليه في جريدة المناضل-ة في حينه، لأن عدم اعتراف الشركة بعلاقة الشغل مع الأجراء لا يترك مجالا لأي اتفاقية جماعية بمعناها القانوني الكامل.
كيف تكون الإدارة على علم بمضمون “الميثاق”، ويبقى سريا على أزيد من ألف اجبر معني مباشرة؟
هل هناك خوف من رد فعل رافض، ونية ابطال هذا الرد بخلق اوهام حول “نهاية سعيدة لنزاع دام 7 سنوات”؟


ما طبيعة هذا “الميثاق الاجتماعي” القانونية؟
من منظور قانون الشغل، ليس لهذا “الميثاق الاجتماعي” اي صبغة ملزمة. فالملزم في قانون الشغل، والذي له قوة الحجة هو عقد الشغل والاتفاقية الجماعية، حيث يمكن في حالة عدم الالتزام بهما المطالبة بالتعويض. فالاتفاقية الجماعية تكتسي هذه الصبغة بإيداعها لدى المحكمة ولدى وزارة التشغيل.
أما ما سمي “ميثاقا اجتماعيا” فنوع من التعهد المعنوي، فلا صبغة قانونية له، ويتوقف تطبيقه على قوة الضغط العمالية.
وقد صرح نور الدين سليك، الذي وقع باسم الأمانة الوطنية للاتحاد المغربي للشغل أن الميثاق الموقع يوم 21 مارس هو اقل من اتفاقية جماعية، التي تبقى أمنية في الأفق. لكن اي أفق؟ وتوقيع الاتفاقية الجماعية يتطلب اعتراف شركة الطرق السيارة بعلاقة الشغل مع الإجراء، وهو ما ترفضه بإصرار، مستعملة قناع شركات الوساطة.
مدير الشركة من جانبه أكد أن هدف الميثاق “من خلال “ضمان الاستقرار وتحسين أوضاع العاملين”هو “تحسين الخدمات للزبون، الذي هو الأساس والأولوية القصوى لدى الشركة”. أي أن هم الشركة الأول هو الزبون، ولا تضعه في نفس مستوى اهتمامها بالأجير.
هذا الحرص على إرضاء الزبون يسير المدير، والدولة من ورائه (لأنه مجرد منفذ لدى الوزارة الوصية) إلى تحقيقه عبر تعميم الأداء الاتوماتيكي الذي بات يغطى كامل شبكة الطرق، والتسهيلات جارية لإنجاحه التام، كما في بلدان أخرى، طال الأمد أم قصر.
عدم ترسيم شغيلة مراكز الاستغلال يرمي إلى إعداد الشركة للخوصصة، أي أن يشتريها رأسمالي وهي مخففة من أعباء اليد العاملة، وهذا ظلم اجتماعي صارخ لان الغاية أرباح الأقلية البرجوازية وليس حياة مئات الأسر العمالية. هذا فضلا عن عدم إيجاد سابقة في مكسب الاستقرار بدل هشاشة شركات الوساطة، سابقة تكون مثالا يقتدي من طرف مئات آلاف العاملين المستغلين عبر شركات الوساطة في المغرب.


أين الحل الحقيقي؟
ليس لمشكل شغيلة الاتوروت 36 حلا. الحل الوحيد الحقيقي هو الترسيم، وهو ممكن.
في تونس تم إلغاء شركات الوساطة في قطاع الدولة بقوة النضال. وفي المغرب رسم مكتب الفوسفاط أزيد من 800 عامل سنة 2011، على سبيل المثال، بقوة النضال.
المغرب يعيش فورانا اجتماعيا عبر عنه حراك الريف، ثم حراك جرادة، وهناك حراكات أخرى قادمة، ستصل حتى المدن الكبرى، لأن المطالب الاجتماعية كبيرة ناتجة عن عشرات السنين من تطبيق سياسة اقتصادية اجتماعية همها الحقيقي هو تنمية أرباح الرأسماليين المغاربة والشركات الاجنبية، وليس الحياة اللائقة للأغلبية الشعبية.
يجب استثمار هذا المناخ النضالي العارم، وتعبئة قوى الطبقة العاملة، أولا ضمن الاتحاد المغربي للشغل، ومع باقي النقابات، لأجل إلغاء الوساطة في التشغيل في القطاعات التابعة للدولة. هناك آلاف العاملين في التعليم [النظافة الحراسة…]، وفي كل مرافق الدولة. إذا اتحدوا وأوقفوا العمل، ستضطر الدولة بسرعة إلى إيجاد حل، لأنها ستخاف من حراك شبيه بحراك 20 فبراير.
كل تردد في هذا الشأن إضاعة لفرصة تاريخية. سيليها ندم لا مثيل له يوم تستكمل شركة الطرق السيارة إستراتيجيتها الرامية الى الخوصصة، ومن ثمة التخلص من اليد العاملة، بتعويضات هزيلة معروفة سلفا باسم التسريح (الطرد) لأسباب اقتصادية وتكنولوجية (المادة 66 من مدونة الشغل).
هذا المصير غير محتوم، ويمكن بالنضال، والتعبئة العمالية، رفع الظلم الذي يريد ان يفرض على 1064 أسرة عمالية حياة الهشاشة وعدم الاستقرار وحتى التشريد.
يجب استعمال وسائل الاتصال الحديثة لربط الصلة بجميع القطاعات المعنية بالعمل عبر شركات السمسرة في اليد العاملة لبناء تنسيق وطني يضم كل النقابات، وحتى غير المنظمين نقابيا، من اجل فرض مطلب الترسيم.
التعبئة من هذا الحل الحقيقي تتطلب وقتا وجهدا، فليكن عام 2018 عام هذه التعبئة، بدءا بكشف مضمون “الميثاق الاجتماعي” وفتح أوسع نقاش حوله.
مصلحة الطبقة العاملة فوق مصلحة الأقلية البرجوازية النهابة المغتنية بدماء العمال
لفرض خضوع العمال للاستغلال والقهر، هناك من يتحدث عن مصلحة الشركة، وحتى مصلحة الوطن. هذه خدعة، مصلحة الوطن هي أن يتمتع عماله وعاملاته بكامل حقوقهم، بحياة لائقة، وبكرامة وليس فرض الاستسلام عليهم كي تغتني أقلية برجوازية لا يهمها مصير البشر.

فإلى الأمام، النصر الحقيقي ممكن بالوحدة والتضامن
مراسل المناضل-ة