مدخل نقدي إلى المدخل إلى الماركسية
بقلم؛ دانيال بن سعيد
كان المدخل إلى الماركسية لإرنست ماندل (جرى نقله للعربية بعنوان مدخل إلى الاشتراكية العلمية – ملاحظة مترجم المقدمة كميل داغر – م.)، ويبقى بالنسبة للكثير من المناضلين والمناضلات كتاباً مرجعياً. فبعد ثلاثين سنة على صدور طبعته الأولى، في 1974، عاد دانيال بن سعيد فوضع مقدمة لأحد مؤلفات ماندل، الأكثر قراءة (وذلك في العام 2007 ، تحديداً، وقبل وفاته بسنوات ثلاث – م).
تعود الطبعة الأولى التي أصدرتها مؤسسة ليون لوسويل، لهذا المدخل إلى الماركسية للعام 1974. والتاريخ ليس عديم الأهمية. فبعد الصدمة “النفطية”، في العام 1973، لا ريب في أن إرنست ماندل كان أحد أوائل الذين شخصوا انتهاء “السنوات الثلاثين المجيدة”، وتكهنوا بعودة موجة النمو الطويلة التي تلت الحرب العالمية (1). وهو ما لم يحل دون أن تبقى النقاشات داخل اليسار والحركة العمالية الأوروبيين مطبوعة بوهم تقدم لا حدود له تكفله تسوية كاينزية و”دولة رحمة”. كانت هذه الرؤية المتفائلة لنمو تاريخي تغذي، داخل اليسار البرلماني وفي الأجهزة النقابية، الأمل باشتراكية، بخطى السلحفاة تحترم المؤسسات الموجودة، بانتظار أن تخْلُص الأغلبية السياسية إلى الالتحاق بالأغلبية الاجتماعية في بلدان حيث للمرة الأولى بات يمثل العمل المأجور – كما كان قد أوضح ذلك، في أيار / مايو ١٩٦٨، أكبر إضراب عام في التاريخ – أكثر من ثلثي السكان العاملين. إن مدخل ماندل ليس إذا نصاً خارج الزمن، فهو إذا كان لا يزال قيِّماً إلى اليوم، بصفاته التربوية، في تقديمه لأصل الرأسمالية، واشتغال الاقتصاد، والأزمات الدورية، والنمو المركب واللامتساوي، إلخ، يمتلك، مع ذلك، بعداً سجالياً، أكدت بعضَ رهاناته الأساسية، إلى حد بعيد، السنواتُ الثلاثون المنصرمة، منذ صياغته:
– إن منطق الرأسمالية لا يتجه نحو خفض تدريجي للتفاوتات، وحتى نحو زوالها. ولو بدت هذه التفاوتات تتراجع في فترة ما بعد الحرب، فهذا ليس ناجماً عن سخاء رأسمالية مفعمة بالعطف والرحمة، بل بسبب موازين القوى الاجتماعية المنبثقة من الحرب والمقاومة، ومن موجة الثورات الكولونيالية، ومن الخوف الكبير الذي كانت قد شعرت به الطبقات الحاكمة في الثلاثينيات، وخلال التحرير. فمنذ بداية الإصلاح المضاد الليبرالي، في الثمانينيات (من القرن الماضي)، سجل برنامج الأمم المتحدة للتنمية (بامت)، من سنة لسنة، تعمقاً للتفاوتات، ليس فقط بين بلدان الجنوب وبلدان الشمال، بل أيضاً بين الأغنى والأفقر، ضمن البلدان النامية بحد ذاتها، وبين الجنسين، على الرغم من مكتسبات النضالات النسائية. لم يكن كل من الدولة الاجتماعية والاقتصاد المختلط أبديين، كما لم يكونا الحل الذي تم العثور عليه، أخيراً، لتناقضات الرأسمالية وأزماتها، ليس ذلك فقط، بل خلافاً للأوهام الإصلاحية، لا شيء مكتسب نهائياً، بالنسبة للشغيلة، طالما يحوز المالكون ملكية وسائل الإنتاج الكبرى ورافعات السلطة. هذا ولم يكن ليتأخر كل من تاتشر وريغان في البرهان على ذلك. ويؤكد جورج بوش الابن، على طريقته، أن العصر لا زال عصر الحروب والثورات.
– إن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والتبادل، والتواصل لم تتخفف على الإطلاق، في الملكية الشعبية للأسهم، بل هي تشهد على العكس، تركزاً لا سابق له، وهي تمارس السلطة الفعلية التي تتناسب معها، ليس فقط في الدائرة الاقتصادية، بل كذلك في الدائرة السياسية والإعلامية. وبالنسبة لكل من لم يتراجع عن ضرورة “تغيير العالم” الملحة، يبقى التحويل الجذري لعلاقات الإنتاج، إذا، في اتجاه التملك الاجتماعي، على الدرجة عينها من الحسم، التي كانت موجودة في عصر البيان الشيوعي. والأمر حقيقي أكثر، في عهد العولمة، الذي يجعل رأس المال كل شيء، خلاله، بضاعة، وتمتد خصخصة العالم فيه إلى التربية، والصحة، وكل ما هنالك من حي، كما إلى المعرفة والفضاء.
– إذا كانت الدولة لم تعد «زمرة الرجال المسلحين» أو «الدولة الحارسة الليلية»، وإذا كانت تضطلع أكثر فأكثر بوظائف معقدة في إعادة الإنتاج الاجتماعية، وبحسب ماندل، مشدداً، بـ «وظيفة إيديولوجية»، فهي ليست لأجل ذلك، علاقة سلطة، بين علاقات أخرى (عائلية، ثقافية رمزية). هي تبقى، تماماً، كافلة العلاقات بين السلطات، ومزلاجها، «أفعى البوا المعاصرة» التي تحصر المجتمع بحلقات متعددة. ويتعلق الأمر، إذا، ودائماً، بتحطيمها لأجل فتح الطريق أمام اضمحلالها، كجهاز متخصص منفصل عن المجتمع. ولقد أكدت كل ثورات القرن العشرين، في الانتصارات كما الهزائم، هذا الدرس الأعظم بين دروس كومونة باريس.
على الرغم من هذه الملاءمة المتحقق منها، يصدمنا المدخل إلى الماركسية، الذي كتبه ماندل، ببعض حالات الصمت التي يتضمنها. فستينيات القرن العشرين كانت سنوات اندفاع جديد، على صعيد الكوكب بأسره، لحركات تحرر النساء. وكانت الأممية الرابعة في طريقها إلى أن تتبنى بهذا الصدد وثيقة برنامجية هامة، خلال مؤتمرها الحادي عشر، الذي سينعقد في العام ۱۹۷۹. والحال أن علاقات الجندر تشغل في المدخل مكانة هامشية، في أحسن الاحوال. كما أنه في حين كانت الاهتمامات البيئية تقوم باندفاعتها، ولا سيما انطلاقاً من الحركات ضد المفاعلات النووية، أو من كارثة ثري مايلز آيليند (*)، نراها تغيب عملياً في الطبعة الأولى من هذا المدخل. ويمكن تفسير ذلك، على الأرجح – ولكن من دون تبريره – بالتفاؤل الإنسانوي والبروميثيوسي، الذي كان يتعايش لدى ماندل مع وضوح لا جدال فيه بخصوص تناقضات التقدم التقني، وتهديدات الهمجية.
هذا التشوش – أو هذا التناقض – يؤكده الدور الذي ينسبه ماندل، حين يتعلق الأمر بالرد على تحديات الانتقال إلى مجتمع اشتراكي، لما أدعوه “جوكر الوفرة” : “مجتمع مساواتي يقوم على الوفرة، هاكم هدف الاشتراكية”. إن هذا السير، في اتجاه الوفرة يستتبع تزايداً لقوى الإنتاج وإنتاجية العمل، يتيح خفضاً شديداً لوقت العمل. وإذا كان هذا صحيحاً بالتعابير العامة، إلا أنه ينبغي إخضاع قوى الإنتاج هذه بحد ذاتها لتفحص نقدي، تحت طائلة السقوط في النزعة الإنتاجوية العمياء واللامبالاة البيئوية. والحاصل أن فكرة الوفرة إشكالية للغاية. فافتراض وفرة مطلقة، وإشباع للحاجات الطبيعية، يظهر في الواقع كباب للتخلص، إزاء ضرورة تحديد أولويات وخيارات، حين نتولى تخصیص موارد محدودة: كم علينا أن نولي الصحة، والتربية، والسكن والنقليات، كيف نقرر تعيين موضع هذه الاستثمارات، الخ؟ هل يوجد حد طبيعي للحاجات على صعيد الصحة أو التربية؟ فالحاجات، مثلها مثل الوفرة، تاريخية واجتماعية، إذاً نسبية. يمكن أن نعتبر بحق أن منطق الاستهلاك السلعي يحفز، كما يغذي حاجات اصطناعية، كمالية، غير ضرورية، يمكن مجتمعاً اشتراكياً أن يستغني عنها كلياً. لكن بين قولنا هذا ووعظ الفقراء بالتقشف، والزهد في المأكل والمشرب، هنالك خطوة لا يتردد في خطوها بعض إيديولوجيي النقصان. فمن هو مخول أن يفصل بين الحاجات الحقيقية وتلك الزائفة، الحاجات الجيدة والأخرى الرديئة؟ أكيد أنه ليس مجمعاً علمياً من الخبراء، بل التحكيم الديمقراطي للمنتجين وممارسي حق الاستعمال، مجتمعين.
والحال أن اللجوء إلى جوكر الوفرة يتيح أن نتجنب، أو على الأقل أن نبسط، مسألة الأولويات الاجتماعية في منظومة بيئية خاضعة لحدود وعتبات. ليس هذا فقط، بل هو يتيح أيضاً أن نترك مسألة المؤسسات الديمقراطية، في مجتمع انتقالي إلى الاشتراكية، في حالة ضبابية.
وليس المقصود، بالتأكيد، أن نطالب بطوبى ديمقراطية يتم تسليمها مع الخطط المتصورة مسبقاً الخاصة بمدينة كاملة، بل التشديد على الأهمية الحاسمة للأشكال الديمقراطية، في مجتمع لا يكون اضمحلال الدولة فيه مرادفاً، بتاتاً، لاضمحلال السياسة في مجرد “إدارة الأشياء” (كما أمكن ان توحي بذلك صيغة استعارها – إنجلز بشكل خاص – من سان سيمون، لسوء الحظ).
هذا ولا يمكن ان نأخذ على ماندل بخس التقدير هذا، ولا سيما أنه كان المحرر الرئيسي للقرار الذي تبناه المؤتمر الحادي عشر للأممية الرابعة، في العام ۱۹۷۹، بعنوان “الديمقراطية الاشتراكية ودكتاتورية البروليتاريا”. ولكن الحقيقة هي أن إصراره على موضوعة الوفرة يميل إلى تنسيب دور السياسة لصالح إدارة تقنية للتوزيع بلا حدود: “يجب أن تحل محل العمل المأجور مكافأة العمل بالوصول الحر إلى كل الخيرات الضرورية لتلبية حاجات المنتجين. ففقط في مجتمع يضمن للإنسان وفرة كهذه في الخيرات، يمكن أن يولد وعي اجتماعي جديد”. ولقد كان اهتمامه محقاً، بشكل خاص، بمسألة مجانية بعض الخدمات الصحية أو الدراسية – أو الوصول الحر إليها؛ وليس إلى هذه فقط، بل أيضاً إلى منتجات استهلاكية غذائية ولباسية فائقة الضرورة. فالأمر يتعلق، في الواقع، بنزع الطابع السلعي للعالم، وبثورة حقيقية على مستوى الذهنيات تضع حداً للمرة الأولى للعنة التوراتية التي تجبر الكائن البشري على كسب خبزه ب “عرق جبينه”. هكذا يصر ماندل على القول:” إن وفرة كهذه في الخيرات ليست طوباوية إطلاقاً، شرط إدخالها بالتدريج، والانطلاق من عقلنة تدريجية لحاجات الناس المتحررين من إكراهات المنافسة، ومن الركض وراء الإثراء الخاص، ومن التلاعب بواسطة دعاية مهتمة بخلق حالة عدم رضى دائم لدى الأفراد. هكذا، سبق ان خلقت التطورات في مستوى المعيشة حالة إشباع بما يخص استهلاك الخبز، والبطاطا، والخضار، وبعض الفواكه وحتى منتجات الحليب، والشحوم، ولحم الخنزير، على مستوى القسم الأقل فقراً بين سكان البلدان الإمبريالية. ويظهر اتجاه مماثل بما يخص الثياب الداخلية، والأحذية، والأثاث المنزلي الاساسي، الخ. كل هذه المنتجات يمكن توزيعها مجاناً، بالتدريج، من دون الاستعانة بالمال، ومن دون أن يؤدي ذلك إلى زيادات هامة في النفقات الجماعية.”
إن منطق المجانية هذا، كشرط للاضمحلال الجزئي للعلاقات النقدية، يبقى راهناً. والتشديد على شروط “إشباع الاستهلاك”، بالنسبة للجزء الأفقر من سكان البلدان الأغنى، يعتِّم، مع ذلك، على وزن التفاوتات الكوكبية، وعلى علاقة الإنتاج بالتطور السكاني. إن فكرة “عقلنة الحاجات البشرية بالتدريج”، مهما تكن ملائمة بخصوص نقد نمط المعيشة، الذي تحث عليه المنافسة الرأسمالية، لا يمكن أن يتم الخلط بينه وبين فكرة الوفرة اللهم إلا وفرة متعلقة بحالة تطور اجتماعي لا تعفي بتاتاً من اعتماد معايير وأولويات على صعيد استخدام الثروات وتوزيعها. تبقى السياسة – وبالتالي “الديمقراطية الاشتراكية”، وليس “إدارة الأشياء” – ضرورية، إذا، للإثبات القانوني للحاجات ولطريقة تلبيتها.
إن الجزء الأكثر تأثراً بمرور الزمن في المدخل، الصادر في العام ١٩٧٤، ذلك الذي يتعرض بالصورة الأسوأ لامتحان السنين والأحداث الطارئة في ربع القرن الأخير، هو بلا جدال ذلك المتعلق بالستالينية وأزمتها. فماندل يستعيد فيه الشيء الجوهري من تحليل كل من المعارضة اليسارية وتروتسكي بخصوص الثورة المضادة البيروقراطية في الاتحاد السوفييتي، وأسبابها: «إن الظهور المتجدد للامساواة اجتماعية متزايدة في الاتحاد السوفييتي الحالي يجد تفسيره بشكل أساسي بفقر روسيا غداة الثورة، وبعدم كفاية مستوى نمو قوى الإنتاج (فيها م)، وبعزلتها، وفشل الثورة في أوروبا، خلال فترة ۱۹۱۸-۱۹۲۳. ولهذه المقاربة فضل التشديد على الشروط الاجتماعية، والتاريخية الخاصة بالآكلة (gangrène) البيروقراطية، خلافاً للتأريخ الرسمي الرجعي الرائج، حالياً – من بين مؤلفات عدة، ذلك الذي كتبه مؤلفو كتاب الشيوعية الأسود – الذي يرى أن المآسي التاريخية الكبرى هي الناتج الميكانيكي لما نبت في دماغي ماركس أو لينين الخصبين، هذا إذا لم نكن ببساطة كلية، إزاء “خطأ روسو”. إن الأبحاث الجدية المعاصرة التي ساعدها فتح الأرشيفات السوفييتية (أبحاث موشى ليفين بوجه خاص) تؤكد إلى حد بعيد طريقة ماندل، وتوضح شتى مراحل الردة البيروقراطية في الاتحاد السوفييتي.
يستعيد ماندل تحليل البيروقراطية الكلاسيكية، في تراث المعارضة اليسارية للستالينية على الشكل التالي: ليست البيروقراطية “طبقة مسيطرة جديدة”؛ هي لا تلعب أي دور لا غنى عنه في سيرورة الإنتاج؛ هي “شريحة صاحبة امتيازات اغتصبت ممارسة وظائف الإدارة في الدولة والاقتصاد السوفييتيين، وتمنح نفسها على أساس هذا الاحتكار للسلطة منافع كثيرة، في مجال الاستهلاك”. ومع أن التمييز بین طبقات أساسية وطبقة مغلقة بيروقراطية أمر قابل للنقاش (ليس تحديد الطبقات – بالمعنى الواسع والتاريخي، أو بالمعنى النوعي الخاص بالمجتمعات الحديثة – أمراً مثبتاً بوضوح لدى ماركس بالذات، فهو كان يحاول افتكار فرادة ظاهرة غير معروفة من قبل. كان (أي التحليل) يسمح بتحاشي الاختزالات التي تجعل من الاتحاد السوفييتي، أو من الصين “وطنين للاشتراكية”، يتطلبان إخلاصاً غير مشروط، أو على العكس يماهي بينهما من دون قيد أو شرط مع نسخة شرقية للإمبرياليات الغربية.
ولكن ماندل بمضي بعيداً. ليست البيروقراطية غير “شريحة اجتماعية ذات امتيازات ضمن البروليتاريا”. وبوصفها هذا، “تبقى خصماً لإعادة الرأسمالية للاتحاد السوفييتي، التي قد تدمر أسس امتيازاتها بالذات”. يبقى الاتحاد السوفييتي، إذا “كما غداة ثورة أكتوبر مجتمعاً انتقالياً بين الرأسمالية والاشتراكية؛ يمكن إعادة الرأسمالية، ولكن لقاء ثورة سياسية تحطم احتكار ممارسة السلطة بين يدي البيروقراطية”. ولكن في سبعينيات القرن العشرين سالت مياه كثيرة تحت جسور التاريخ، وكان قد جرى ارتكاب جرائم كثيرة، بحيث لا يمكن ادعاء استمرارية كهذه بين مجتمع بريجنيف السوفييتي و”الأيام التالية لثورة أكتوبر”. أما البيروقراطية في السلطة فلن تتأخر في البرهان على انها بوصفها هذا، ليست “خصماً”، عاقداً العزم على منع عودة الرأسمالية.
حتى فيما نحسب حساب النية التعليمية، لا يقاوم هذا المقطع من المدخل امتحان الوقائع. فمن جهة، إذ يختزل ماندل البيروقراطية إلى زائدة وظيفية في ذات البروليتاريا، يستبعد فرضية تحولها إلى طبقة مسيطرة كلياً. ولقد بين تفكك الاتحاد السوفييتي، والثورات المخملية في أوروبا الشرقية، على العكس، أن جزءاً جوهرياً من البيروقراطية يمكن ان يتحول إلى برجوازية مافيوية، على قاعدة “تراكم بيروقراطي أولي”. من جهة أخرى، إن تصور البيروقراطية غير الديالكتيكي جداً ك “زائدة طفيلية في البروليتاريا” يضع أساس خيار قابل للنقاش، بصورة مزدوجة، بين ثورة مضادة اجتماعية وثورة سياسية. إن فرضية إعادة للرأسمالية كـ “ثورة مضادة اجتماعية” تطرح في الواقع تساوقاً حدثياً بين ثورة أكتوبر وهذه الثورة المضادة والحال – وهنا تكمن أهمية فكرة الترميدور التماثلية – أن ثورة مضادة ليست ثورة في الاتجاه المعاكس (ثورة مقلوبة)، بل نقيض ثورة، ليست حدثاً مساوقاً للحدث الثوري، بل سيرورة. وبهذا المعنى، بدأت الثورة المضادة البيروقراطية في الاتحاد السوفييتي في العشرينيات، وليس انهيار الاتحاد السوفييتي غير المشهد الأخير (من هذه السيرورة – م).
إذا كان ضرورياً إخضاع كتاب ماندل للنقد، في ضوء ال ٢٠ سنة الأخيرة، فهذا لا يمنع الاعتراف بأنه كانت له فائدته أيضاً، لأجل تحديد الاتجاه، وسط اضطرابات القرن (العشرين – م). كما أنه ينبغي الاعتراف كذلك بأنه أنتج أخطاء في التقدير، ولا سيما بخصوص معنى البيرسترويكا، في ظل غورباتشيف، أو حول معنى سقوط جدار برلين. إن ماندل، الذي ميز في “انحدار الثورة العالمية، بعد العام ١٩٢٣”، وفي تخلف الاقتصاد السوفييتي، “الدعامتين الرئيسيتين لسلطة البيروقراطية”، استنتج من ذلك بصورة منطقية أنه مع انطلاق الاقتصاد السوفييتي (المرموز إليه بالسبوتنيك)، والصعود المستجد للثورة العالمية (في البلدان المستعمرة، ولكن أيضاً في أوروبا بعد أيار/ مايو (١٩٦٨)، سوف تدق ساعة الثورة السياسية في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية. ولقد قاده فرط تقديره لل “مكتسبات الاشتراكية” المفترض أن تسهل ثورة سياسية تُدقرِطُ العلاقات الاجتماعية المتشكلة آنفاً، قاده هكذا في كتابه “الاتحاد السوفييتي إلى اين، في ظل غور باتشيف؟ (۱۹۸۹)، إلى فرط تقدير دينامية الثورة السياسية وبخس تقدير قوى إعادة الرأسمالية. كما أن حماسه الممكن فهمه إزاء إسقاط جدار برلين أفضى به إلى تفسير الحدث على انه عودة إلى تراث روزا لوكسمبورغ والمجالس العمالية، بعد فاصل طويل من الانكفاء الرجعي، وإلى بخس تقدير المنطق الداعم لعودة الرأسمالية، المندرج في علاقات الإنتاج العالمية. وذلك لم يكن من جهته تعبيراً فقط عن تفاؤل الإرادة، بل خطاً، حقاً، في الحكم يعود جزئياً إلى جذور نظرية.
لقد كانت رؤيته تستند إلى التصور، المتشارك ضمن الأممية الرابعة، منذ مؤتمرها في العام ۱۹٦٣ ، حول التلاقي بين “قطاعات الثورة العالمية الثلاثة”: الثورة الديمقراطية في البلدان المستعمرة والثورة الاجتماعية في الحاضرات الإمبريالية، والثورة السياسية المعادية للبيروقراطية في البلدان ما بعد الرأسمالية. ففي الستينيات (من القرن العشرين-م)، لم تكن تنقص هذا المنظور مؤشرات مرتبطة بالواقع: موجة صدم الثورة الصينية، وانتصار الثورة الكوبية ونضالات التحرر (الوطني-م)، في الجزائر، والهند الصينية، والمستعمرات البرتغالية؛ الانتفاضة المعادية للبيروقراطية في بودابست في ١٩٥٦، وربيع براغ في ١٩٦٨، والنضالات المناهضة للبيروقراطية في بولندا، واستئناف النضالات الاجتماعية والحركات الإضرابية الكبرى في فرنسا، وإيطاليا، وبريطانيا، في الستينيات؛ وتزعزع دكتاتوريتي كل من فرنكو وسالازار.
في منتصف السبعينيات، ومع وقفة ١٩٧٥ العنيفة للثورة البرتغالية، والانتقال الملكي في إسبانيا، والتمزق بين الفيتنام وكمبوديا، والمنعطف نحو التقشف على صعيد أحزاب اليسار الأوروبية، والتطبيع في تشيكوسلوفاكيا، ثم الانقلاب في بولونيا، كانت الرياح بدأت تدور، وبدلاً من أن تتلاقى “القطاعات الثلاثة”، بصورة منسجمة، شرعت تتباعد. كانت القوى نابذة المركز تنتصر …. ولم تعد النضالات ضد البيروقراطية تخاض في الشرق باسم المجالس العمالية، أو التسيير الذاتي («أعيدوا لنا مصانعنا!”)، كما كانت تلك هي الحال في ۱۹۸۰، خلال مؤتمر سوليدارنوسك، بل كانت تتغذى من سرابات مجتمع الاستهلاك الغربي. وكان جَزْرُ الثورات الاجتماعية الدنيوية اللامتساوي ينذر بالموجة المعاكسة للـ” الثورات المخملية” و “الثورات المقدسة” الأخرى التي كان فوكو بين أوائل من لاحظوا أهميتها خلال ثورة ۱۹۷۹ الإيرانية.
إذ انطلق ماندل من صيغة مشهورة لتروتسكي، في البرنامج الانتقالي، يرى فيها ان أزمة البشرية، إنما تختزل بأزمة قيادتها الثورية، غالباً ما يلجأ، لأجل عرض مسار غير متوقع للأحداث، إلى فكرة التأخر. تصبح الشروط الموضوعية للثورة ناضجة بصورة شبه دائمة لا بل ذابلة من شدة نضجها. ولا ينقص غير “العامل الذاتي” المتغيب، أو على الأقل المتأخر كثيراً بالنسبة لساعة التاريخ الدقيقة. وإذا كانت الافكار القديمة تستمر في السيطرة على الحركة العمالية، “فهذا ناجم عن قوة جمود الوعي الذي يتأخر دائماً عن الواقع المادي”. إن فكرة التأخر هذه المعزوة إلى “قوة جمود الوعي” غريبة. طبعاً، لقد عرف عن طائر الحكمة أنه لا يطير إلا في الغسق، ولكن صعوبات الوعي الطبقي تتوقف أكثر بكثير على آثار استلاب العمل وبدية (fétichisme) السلعة مما على زمن كمون مطمئِن، لأنه يوحي بأن الوعي ربما سيأتي متأخراً، ولكنه سيأتي حتماً … إلا إذا جاء متأخراً جداً؟
إن فكرة “التأخر”، مثلها مثل فكرة ال”مواربة”، التي يستخدمها ماندل، بالتواتر عينه، تفترض سلفاً تصوراً معيارياً للتطور التاريخي قابلاً للنقاش. هي تُدخل فضلاً عن ذلك علاقة إشكالية (غير ديالكتيكية كفاية، مهما قال عنها ماندل في القسم الميتودولوجي من المدخل الذي نحن بصدده الفصلان ١٦ و١٧ حول الديالكتيك المادي والمادية التاريخية) بين “الشروط الموضوعية” و”الشروط الذاتية” للعمل الثوري. فإذا كانت الشروط الموضوعية ملائمة بالقدر الذي يجري تأكيده، كيف نفسر أن يكون العامل الذاتي على هذه الدرجة من عدم الوفاء بمعظم مواعيده؟ إن هكذا طلاقاً بين الموضوعين يخاطر بأن يقود إلى ذهان هذياني (بارانويا) للخيانة: إذا لم يكن العامل الذاتي ما ينبغي أن يكون، فذلك ليس تبعاً لبعض حدود الوضع النسبية وعلاقات القوة الفعلية، بل لأنه يتعرض دوماً للخيانة من الداخل. لا شك في أن حالات الاستسلام، وحتى الخيانات، الفعلية للغاية من جانب القيادات البيروقراطية للحركة العمالية، كلفت البشرية ثمناً باهظاً، في القرن الماضي (وسوف تكلفه أيضاً ثمناً مرتفعاً)، ولكن أن نجعل من ذلك العامل المفسر الرئيسي أو الحصري لخيبات القرن العشرين وهزائمه، يفضي حتماً إلى رؤية بوليسية للتاريخ لم تفلت منها المنظمات التروتسكية دائماً.
لحسن الحظ، فماندل أكثر تبايناً بكثير. هكذا هو يثري فكرته عن الشروط الموضوعية “المستقلة عن مستوى وعي البروليتاريين والثوريين، بتضمينه إياها الشروط المادية والاجتماعية” (قوة البروليتاريا) و “الشروط السياسية”، أي عجز الطبقات المسيطرة عن الحكم ورفض الطبقات الخاضعة للسيطرة أن تترك نفسها تُحكم. هكذا، بعد النظر مجدداً إلى “الشروط الموضوعية”، نراها تتضمن عياراً عالياً من الذاتية. لا يبقى ثمة من الشروط الموصوفة بالذاتية غير مستوى الوعي لدى البروليتاريا ومستوى قوة “حزبها الثوري”. هي تميل هكذا إلى أن تُختزل بوجود طليعتها، وقوتها، ووعيها، ونضجها، بعد فصل هذه الصفات عن التوسطات المعقدة الخاصة بصراع الطبقات والمؤسسات، والطريق مفتوحة هنا أمام إرادوية حادة، تكون بالنسبة للإرادة الثورية ما تكون الفردانية individualisme بالنسبة للذاتية الفردية individualité المتحررة.
إن خطر اختزال مشكلة الثورات الحديثة بإرادة طليعتها وحدها يعوض ماندل منه عن طريق ثقة سوسيولوجية في توسع البروليتاريا بمجملها المتنامي وتجانسها، ونضجها المتزايدين. وحتى إذا حدث له ان سلم بكون الطبقة العاملة ليست متجانسة كلياً من زاوية شروط وجودها الاجتماعية، فالاتجاه إلى التجانس يتغلب كثيراً، في نظره، فمن المفترض أن تتجاوز، بصورة شبه عفوية، الانقسامات الداخلية وآثار المنافسة في سوق العمل: “خلافاً لأسطورة منتشرة بشكل واسع، مع ان هذا الجمهور البروليتاري متراكب بشدة، فهو يرى درجة تجانسه تتنامى كثيراً، ولا تتناقص. فبين عامل يدوي ومستخدم في بنك، وموظف عام صغير، باتت المسافة أقل اليوم مما كانت قبل نصف قرن أو قرن، بخصوص الميل للحصول على عضوية نقابة والقيام بإضراب، وبخصوص! الوصول المحتمل إلى الوعي المناهض للرأسمالية.”
إذ نعيد قراءة هذا الانتقال، يحسن بنا هنا أيضاً، أن يكون في تفكيرنا سياقه الاجتماعي ورهاناته السجالية. ففي مواجهة تحولات قسمة العمل وتنظيمه، التي كانت ترافق موجة النمو الطويلة، كان السؤال مطروحاً حول معرفة ما إذا كان الأمر يتعلق بتكوين طبقة عاملة جديدة وتوسع للبروليتاريا، أو على العكس بالظهور الكثيف لبرجوازية صغيرة جديدة. إن التحالفات الطبقية وتكوين كتلة تاريخية جديدة قد تثير عندئذ مسائل استراتيجية جديدة، كما كان يؤكد ذلك، آنذاك، بعض نصوص بولانتزاس، وبودلو، وإستابليه، أو بعض التيارات الماوية المستعجلة للعثور على معادل أوروبي لـ “كتلة الطبقات الأربع” العزيزة على قلب الرئيس ماو.
لقد كان ماندل يؤكد أن وضع مستخدمي ما يسمى القطاع الثالث يقترب من الشرط العمالي، من وجهة نظر الشكل (الأجري) ومتوسط الداخل، ومكانتهم الدونية في قسمة العمل، واستبعادهم من بلوغ الملكية. وكان يؤكد هذا التقاربَ المادي تقاربٌ ثقافي، ويجري التحقق منه بواسطة سلوك الشرائح الجديدة الحاصلة على أجر، في نضالات ال ٦٨ في فرنسا أو أيار / مايو الزاحف في إيطاليا: كان التضاد القديم الأصم بين زُرق العمل (مرتدي اللباس الأزرق) والبذلات الرمادية، بين الورشة والمكتب، يمحي أمام اعمال التضامن في النضالات المشتركة ضد الاستغلال والاستلاب
إذا كانت حجة ماندل مبررة سوسيولوجياً واستراتيجياً (كانت المشكلة الرئيسية هي تجمُّع الشغيلة بحد ذاتهم وليس البحث عن تحالف طبقي أو عن نسخة معدلة لجبهة شعبية جديدة، بمواجهة “رأسمالية الدولة الاحتكارية”)، فلقد كان يحول الوضع الخاص الذي خلقته الرأسمالية الصناعية لما بعد الحرب، ونمط الضبط والتنظيم النوعي الخاص بها، إلى اتجاه تاريخي غير منعكس. كان يستعيد هكذا لحسابه الخاص رهان ماركس السوسيولوجي، ماركس الذي كان يرى أن صعوبات الثورة الاجتماعية سوف تنحل في الأخير بفضل نمو الصناعة الكبيرة وتركز البروليتاريا المتزايد في وحدات الإنتاج الكبرى، هذا التركز الملائم بحد ذاته لازدهار الحركة النقابية، وتقوية حالات التضامن وارتقاء الوعي السياسي. وإذا بدا ذلك بالضبط هو الاتجاه في ستينيات القرن الماضي وبداية سبعينياته، فسرعان ما سيجيء رد رأس المال، مع الهجمة الليبرالية. ومع أن التجانس الميلي لم ينعكس إطلاقاً، فلقد أضعفته سياسات نزع مركزة وحدات العمل، وتكثيف المنافسة في سوق العمل المعولم، وتفريد الأجور ووقت العمل، وخصخصة أوقات الفراغ ونمط العيش، والتخريب المنهجي لأعمال التضامن والحمايات الاجتماعية.
بتعبير آخر، إن تجميع قوى المقاومة وهدم النظام الذي اقامه رأس المال، ليس ناتجاً ميكانيكياً للنمو الرأسمالي على الإطلاق، وهو مهمة يجري تكرارها بلا انقطاع في النضالات اليومية، وليست نتائجها نهائية أبداً.
وكما كان ماندل يشدد منذ التوطئة التي كان قد وضعها، قديماً، فهو يولي أهمية كبرى للفصلين المنهجيين حول الديالكتيك المادي ونظرية المادية التاريخية. ولهذا النموذج من العرض العام فضائله التربوية. فكتاب المبادئ الأولية للفلسفة، المشهور، لجورج بولايتزر، ساهم هكذا، عبر العالم في تعريف مئات الآلاف من المناضلين، الذين لم يكونوا مثقفين مكوَّنين، بمسائل نظرية أساسية. لكن ثمة ثمناً للتبسيط التربوي، سواء في حالة ماندل او في حالة بولايتزر. إنه يعطي تقديمَ نظريةٍ شكلَ وجيزٍ ، مختصرٍ صغير نظري، ويتجه لتقديم قوانين شاملة مجردة – “الديالكتيك، بما هو منطق شامل للحركة والتناقض”، بحسب ماندل – تطل من فوق حقول صحتها النوعية الخاصة بها. هكذا، إذا كان صحيحاً بصورة مجردة أن “إنكار السببية هو في التحليل الأخير إنكار إمكانية المعرفة”، فتأكيد بهذه العمومية لا يقول شيئاً بخصوص الأسئلة العديدة التي تثيرها فكرة السببية بالذات، وبخصوص شتى أنماط السببية غير القابلة لاختزالها إلى السببية الميكانيكية بوجه الحصر، المستوحاة من الفيزياء الكلاسيكية. هكذا أيضاً، يميل تعريف الديالكتيك بأنه “منطق الحركة” وأشكال العبور من حالة الأخرى، إلى ان يجعل منه منطقاً صورياً، منفصلاً عن المضامين، منظومة قوانين عامة تحكم التفردات الفاعلة في العالم الفعلي.
ثمة هنا بالتأكيد مادة لنقاش يتخطى من بعيد حدود هذا المدخل النقدي للمدخل إلى الماركسية. ومع ذلك، ليس ناقلاً أن نشير إلى أن رهاناته ليست عديمة الأهمية على الإطلاق. إن فصل ماندل بخصوص الديالكتيك يخلص إلى فكرة ان “انتصار الثورة الاشتراكية العالمية وبلوغ مجتمع خال من الطبقات، سوف يؤكدان عملياً صحة النظرية الماركسية الثورية”. والصيغة تنطوي على الاقل على مغامرة، فإذا كان على النصر أن يؤكد صحة نظرية، فإن من شأن مراكمة الهزائم، بالمقابل ان يؤكد العكس. ولكن ما هو الانتصار، تاريخياً؟ بأي سلم زمني؟ من القاضي؟ وبحسب أي مقاييس؟ إن الأسئلة تتسلسل وتتدافع، محيلة في الأخير إلى الفكرة التي تكوّنها عن العلم والحقيقة العلمية، أو عن العلاقة بين الحقيقة والفعالية (2). وهذه، هنا، قصة أخرى طويلة، لا بل طويلة جداً.
إن المدخل إلى الماركسية، الذي كتبه ماندل، والأسئلة والانتقادات التي يمكن أن يحفزها، بعد صدوره لأول مرة بثلاثين عاماً، تكشف عصراً، وعلاقات ثوري بزمانه. لقد أمكن رولان بارت أن يكتب عن فولتير أنه كان “آخر كاتب سعيد”، بمقدار ما كان في وسعه أن يعبر عن رؤية عالم برجوازية في عز اندفاعها، كانت لا تزال قادرة على الظن بصراحة تامة، أنها تمثل مستقبل بشرية مستنيرة ومتحررة. كذلك يمكن القول عن إرنست ماندل إنه كان أحد أواخر الثوريين السعداء.
والصيغة قد تفاجئ أو تصدم، إذ إن الأمر يتعلق بمناضل عرف أهوال الحرب والأسر، وكان شاهداً لمآسي قرن الحدود القصوى، وكان عليه أن يقاتل طيلة حياته عكس تيار الرياح السائدة. بيد أنه كان ثورياً سعيداً بمقدار ما كان يحافظ، على الرغم من الهزائم والخيبات، على سلامة ثقة رواد الاشتراكية في مستقبل البشرية، وتفاؤلهم، على حافة قرن عشرين كان يبشر بنهاية الحروب واستغلال الإنسان للإنسان. كان إرنست الأنسي الكلاسيكي ورجل الانوار، يرى أن خيبات القرن العشرين لم تكن غير مواربة طويلة، أو تأخر مغيظ، لا يتسببان بإعادة النظر في منطق التقدم التاريخي. وهذه القناعة العنيدة تصنع عظمته وضعفه، في آن.
٢٥ تموز / يوليو ٢٠٠٧
إحالات:
- Ernest Mandel, La Crise, Paris, Champs Flammarion, 1978.
- إن الاستشهاد بماندل يلتحق إلى حد ما، بمقياس العلموية النظرية الذي وقف عنده بوير Popper، مقياس الدحضية (أو “التزييفية”): لا يمكن اعتبار نظرية علمية إلا إذا تم تعريضها لتكذيبات الممارسة. لذا فنظرية ماركس كما نظرية فرويد، اللتان بقينا حيتين، على الرغم من تكذيبات تشخيصاتهما أو إخفاقاتهما العلاجية، من المفترض انه لا يمكنهما ادعاء أي صفة علمية. والحجة هنا تقوم على سلسلة من الافتراضات القابلة للنقاش، المتعلقة سواء بالعلاقة بين العلوم الاجتماعية والعلوم الدقيقة، أو بشتى أشكال السببية.
(*) في حادثة ثري مايلز آيليند، حصل انصهار نووي جزئي في الوحدة الثانية من محطة توليد نووية، في جزيرة الثلاثة أميال، في مقاطعة دوفين، بنسلفانيا الولايات المتحدة، في العام ۱۹۷۹ (توضيح من المترجم).
اقرأ أيضا

