مقاطعة منتجات استهلاكية: عندما تتحول فكرة بسيطة إلى سلاح فتاك.

Print Friendly, PDF & Email

 

 انطلقت فكرة بسيطة خلال الأسبوعين الماضيين مخترقة مواقع التواصل الاجتماعي بالمغرب تدعو إلى مقاطعة منتجات شركات محلية تتصدر سوق المبيعات، بسبب دورها في ارتفاع الأسعار ولقربها من مركز القرار في الدولة المغربية. لا أحد توقع نجاحا كبيرا لتلك الحملة فقد تنتهي إلى ما انتهت إليه حملات عديدة سبقتها.

نجحت حملة المقاطعة في تعبئة الناس على الامتناع عن شراء تلك السلع كما رفض تجار التقسيط التعامل مع الشركات تلك، وطرد الناس شاحنات التوزيع واجبروها على العودة لمستودعاتها، وشارك مغاربة الخارج بسيل من الفيديوهات تقارن بين أثمان نفس المنتوجات في مراكز تجارية ببلدان خارجية ليظهروا حجم النهب الذي يتعرض له المستهلك المغربي مقارنة بالمستهلك في الخارج رغم التباين الكبير في الحد الأدنى للأجور القانوني المرتفع أربعة أضعاف بأوروبا عنه بالمغرب.

نجاح كبير وغير مسبوق.

استطاعت المقاطعة هز الشركات المستهدفة وتراجعت مبيعاتها بشكل كبير وتكدست مخازنها بالسلع التي أقفلت منافذها للبيع ولم تفلح حملاتها الاشهارية وإغراءاتها في وقف منحى تهاوى رقم معاملاتها، لكن أخطر الضربات تتجلى في أن الحملة فجرت حقدا طبقيا هائلا ضد الرأسماليين النهابين المتهمين بسرقة عرق كادحي المغرب لمراكمة ثروات هائلة بوأتهم مصاف كبار أثرياء إفريقيا.

لأول مرة تلقى حملة نضال عبر شبكة التواصل الاجتماعي دعما شعبيا عفويا تتخذ شكل مقاطعة منتوجات إنها خطوة هائلة إلى الأمام من زاوية النضال ضد نظام الفساد والاستبداد.

أباطيل لا تلق أدانا صاغية

أبواق الدعاية الرسمية وجحافل الكتائب الالكترونية وصحافة مسخ الوعي تعاملت بداية بتجاهل الحملة وبعدها باحتقار بإلصاق تهم الجهل و”المداويخ” لتتقل بعد تأكدها من جدية واتساع رقعة الحملة إلى استدراج عطف الجمهور بشعارات الوطنية الزائفة ودعم المنتوج المحلي واتهام الداعمين لها بتخريب اقتصاد البلد، وأخيرا توسل الشفقة على مصير عمال الشركات المعنية والمتعاملين من صغار الفلاحين.

والحقيقة التي يعرفها المغاربة أجمعين أن الشركات الكبرى الموجودة بالبلد أدمنت نهبا متواصلا لثروات الشعب واستغلالا قاسيا لفقرائه مستندة على قربها من مركز سلطة الدولة لنيل فرص مراكمة الثروة وتستعمل صحافتها لخلق رأي عام يتماشى وأهدافها واتخاد البرلمان منصة لإصدار تشريعات تلائمها وقناة الحكومة لإقرار مشاريع تستفيد منها وتتصدى لأي محاولة تمسها، وتجعل من الدولة بقرة حلوب تدر دهبا وفضة بمشاريع ضخمة لا تقررها الحكومة ولا يراقبها البرلمان ولا يجرؤ احد على نقاش جدواها تنزل من سماء الاستبداد كما الأمطار من السحاب.

نهب الشركات الهائل لا يشفع لعمالها الإفلات من طاحونة جشعها، ألم تجبر شركة سنطرال عمالها على الخضوع لبرنامج “مشروع طارق” يرفع أرباحها مقابل فرض ظروف عمل كارثية ووثيرة لا تطاق لتحقيق أهداف مبيعات باستقلال عن حاجات السوق تحت طائلة الاقتطاع؟ ألم تعج الانترنيت بفيديوهات العمال يفضحون تدهور أوضاعهم ويكشفون جبروت الشركة؟

استغلال شركة تسويق الحليب للفلاحين الصغار من مربى الأبقار بفرض أثمنة بيع لا تغطي كلفة الإنتاج واستحواذها على أرباح مرتفعة مستخلصة مقابل شقاء الأسر القروية.

شركة ولماس للمياه المعدنية ألم تواجه مطالب عمالها البسيطة جدا بتارميلات” سنة 2000 بإرسال فرقة كاملة من الدرك الملكي معززين بالكلاب ومسنودين بالطائرة وحطمت عظام العمال وألقت ببعضهم في السجون؟ ألا تحرم ساكنة المنطقة من حقها في الماء وتمنع من حفر أبار وتترك حقولها للموت عطشا؟ ألا تخلف الشركة أكواما من النفايات بالمنطقة متسببة في مخاطر بيئية مقابل مبلغ مالي زهيد للجماعة القروية والتي بدورها لا تستفيد منه بتاتا؟

ألا تشارك شركات توزيع المحروقات في مؤامرة نهب المستهلك باستغلال قانون تحرير أسعار المحروقة سيء الصيت الذي صادقت عليه حكومة الواجهة برئاسة “عبد الاله بن كيران ” في لعبة مفضوحة تبقى على فارق ببعض السنتيمات في أثمان البيع بين الشركات لا يمس هامش ربحها المرتفع؟ كيف نفسر تسابقها في تشييد محطات في مناطق إستراتيجية وبخدمات عديدة (لعب أطفال-مقاهي ومطاعم-فنادق-محلات تجارية…)؟

إن عينة الشركات تلك تظهر أن البرجوازيين ينهبون الشعب بفرض حمى ارتفاع الأسعار يؤديها المستهلك مكرها مستفيدين من ضعف قدرتهم على المقاومة ومواجهة التعديات. البرجوازيون ازدادت ثقتهم بأنفسهم وبقوة الدولة سندهم الأبدي فلم يعد لجشعهم ولعدوانهم حدود.

خطر التخريب على مواصلة الحملة   

سلاح المقاطعة باستعمال الانترنيت فتاك. ضربة قاسية للرأسمال ويتعدى في خطورته الاقتصادية سلاح إضراب عمال الشركة، فوصول الإنتاج إلى المتاجر يكون قد استنفد كامل كلفة الإنتاج (مواد أولية-الطاقة-أجور-نقل…) ويجب أن يعود للبرجوازي مبلغا نقديا ليستخلص منه الربح. لن تترك البرجوازية هدا السلاح بيد الشعب ستعمل على نزعه منه وتجريم استعماله وستتركه حصرا بين يديها. ستجد البرجوازية ألف وسيلة ووسيلة لإبطال مفعول استعمال الانترنيت وستستخلص الدرس وستبدل قصارى جهدها كي لا يتكرر الهجوم المباغت الذي نال منها.

ستلجأ إلى الترهيب بإطلاق مبادرات لإظهار أن حملة المقاطعة ورائها أهداف أخرى، ستبحث عن صلات مع أفراد وأحزاب وشركات لنشر الشك بأنها من دبر الأمر خدمة لمصالح خاصة وقد تستغل الحملة لإعلان تسريحات وإلقاء مسؤولية دلك على من خرب “أرزاق” الناس.

يجب أن تضع الحملة أهداف ملموسة تجبر الشركات تلك على تنفيذها ومن شانها تحقيق مكاسب ملموسة تعزز من ثقة الشعب في قوته. يجب أن تجبر تلك الشركات على خفض الأثمنة دون المس بالوزن والحجم وتحسين جودة المنتوج ويجب تضمين تحسين وضع عمال الشركات تلك ضمن المطالب فهم من سيطبق الرقابة ومن سيكشف مقالبها ومؤامراتها تحت طائلة مواصلة المقاطعة وتوسيعها وما تقرره يجب أن يسرى على باقي الشركات المنتجة لنفس المواد ومن يرفض منها يعرض نفسه للمقاطعة.

تحصين الحملة من التخريب وخلط الأوراق وحرب الشائعات والدفع بمبادرات مجهولة المصدر والمزايدة بخطوات لتحصد الفشل، كلها أمور ستبدأ بالظهور ما يفرض إيجاد حلول تجنب حملة المقاطعة من السطو وتخريبها من قبل أعدائها المتخفين وراء تقمص دور المدافعين عنها.

  الحملة حققت نصرا وأظهرت جانبا من قوة كادحي شعبنا إنها قطرة من بحر حين يهيج سيكسر قيود نهب الاستغلال وبطش الاستبداد.

بقلم: ح أ