مقاطعة مواد استهلاكية: الدولة تكشر عن أنيابها لكنها ستهزم.

Print Friendly, PDF & Email

 

أخيرا، وصل صدى مقاطعة مواد استهلاكية، من أجل دفع الدولة والشركات الاحتكارية لخفض الأسعار، إلى حكومة الواجهة، وأعلنت رسميا أن المقاطعة مستندة على مبررات زائفة، وتوعدت المروجين للمقاطعة بالسجن. هكذا تكتمل دائرة المعادين لتطلعات الشعب الكادح إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والعيش بكرامة إنسانية.

سبقت الشركات المعنية بالمقاطعة الحكومة إلى نعث المقاطعين بالخونة، ووصفهم أحد وزرائها بالمجانين (المداويخ)، وتلته برلمانية ب “القطيع”، وآخر “بالجوعى”، ورئيس الحكومة نفسه ب “المجهولين”.

لقد بلغ السيل الزبى، والناس ساخطة من تفشي الغلاء، وأن لا طاقة لها بعد لتحمله أكثر. إن المقاطعة صرخة بكفى لأن المواد الغذائية صارت أسعارها لا تطاق، والناس تشاهد الشركات تغتني بلا حدود.

الغلاء سياسة حكومية واعية

تخضع الدولة المغربية لسياسات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، وإملاءات الاتحاد الأوروبي، التقشفية لصالح رأس مال الخاص المحلي والأجنبي وتوسعه. بعد زهاء أربعة عقود أتت هذه السياسة على الأخضر واليابس من حقوق ومكاسب شعبية هزيلة أصلا، وظهر للواجهة مليارديرات بعضهم معمّر، وآخرون كثرٌ راكموا ثرواتهم الطائلة في العقود القليلة الأخيرة. كل عام تظهر تقارير فوربيس بخاصة ازدياد ثروتهم، ومع بعض التغير في ترتيبهم من حيت أهمية الاغتناء الفاحش يظلون هم أنفسهم.

لقد استفاد ملاك رأس المال، وبخاصة القريبون من مراكز القرار السياسي والاقتصادي، والمرتبطون بأشكال متنوعة مع الرأسمال الأجنبي المعولم، من تفكيك قطاع عام فاسد ومفسد، ومن تحرير الخدمات العمومية، صحة وتعليم، وسكن، وشبكات توزيع الماء والكهرباء والنقل الحضري… وتحرير الأسعار، وتفكيك صندوق المقاصة، وتحرير سوق الشغل وتهشيشه… ومن تقليص الضرائب المباشرة، ورفع غير المباشرة التي تطال المستهلك بآخر المطاف، ومن المعونات المالية تحت مسميات عديدة (دعم العالم القروي ومخططات اليوتيس والمغرب الأخضر، والمغرب الرقمي، وآزور…).

إنها سياسة واعية في خدمة رأس المال وتراكمه وتوسعه، وهي ممتدة لخارج الحدود (التوجه الأفريقي) بعد أن ضاقت السوق الداخلية وأصبحت جلبابا لا يسع ضخامة اغتناء أقلية ضئيلة، علاوة على ضخامة ما تم، ويتواصل، تهريبه من أموال طائلة للخارج، بشكل قانوني عبر تحويل الأرباح، أو بشكل غير قانوني عبر مختلف أشكال التهريب.

تحرير أسعار المحروقات يواصل المشوار

ليس هذا التحرير آخر ما تروم الدولة القيام به، إذ هي مطالبة من قبل مؤسسات رأس مال المعولم بالمزيد مما تسميه إصلاحات، نزع التقنين عن كل شيء، ورفع القيود أمام عمل رأس المال وتوسعه، وضمان أرباحه وصيانتها. تم تحرير الأسعار بذريعة أصبحت لازمة كل ضربة موجهة توجه للشعب المغربي الكادح؛ عماله ومنتجوه الصغار، وطبقاته الشعبية. إنه مبرر محاربة فساد الإدارة العمومية للمقاولات وعدم فعاليتها، وأن المستفيدون هم الأقلية التي تعتلي الهرم الاجتماعي. وتمرر الضربات بتواطؤ الأحزاب الكبرى القائمة، وقمم النقابات العمالية، ونسيج جمعوي تنموي أخطبوطي بالغ الوصولية والفساد.

سعر المحروقات صار محددا بتطورات الأسعار في السوق العالمية (والمرجح ارتفاعه مستقبلا)، وارتفاعها هو فقط ما ينعكس محليا أما الانخفاض فلا أثر يذكر له، ولأنه من مدخلات إنتاج مواد الاستهلاك الجماهيري، وغيرها، فإنه ينعكس في ارتفاع سعر إنتاجها، والمتضرر الأول والأخير هم جماهير العمال والعاملات والطبقات الشعبية المنتجة، من جهة كمنتجين، ومن أخرى كمستهلكين.

من أجل كشف السجلات التجارية

تتباكى الشركات ومعها حكومة الواجهة بأن هامش ربح الشركات المعنية بالمقاطعة ضئيل جدا (20 سنتيما، فضلا عن أن هذا الهامش غير ضئيل بالنظر لرقم معاملاتها، فإنه لم ينبس ببنت شفة عن المنتوجات المشتقة الأخرى، كمشتقات الحليب: الياغورت بأنواعه والعصير والزبدة… وهي الأكثر استهلاكا وبهامش ربح كبير جدا). يقولون إن الضرائب تثقل كاهلها، ولا يقولون شيئا عن سير عملية الإنتاج من ألفها ليائها وتعميم المعلومات حول ذلك ليطلع الناس فعلا عن صدق مزاعمهم. ما دامت الحكومة تعلم زيف مبررات المقاطعين، فلتنور الرأي العام إذن بالمعلومات المؤكدة التي بحوزتها، وبالسجلات التجارية للشركات.

وتنافق وهي تستحضر مأساة الفلاحين، دون تمييز، وعمال وعاملات الشركات المعنية، إذ سياسة الدولة التقشفية الصارمة التي ما انفكت تعد الناس بالرفاهية، وأن تضحياتهم ستجزى بعد حين بالرخاء ورفاهية العيش، والعكس تماما هو الحاصل: بؤس جماهيري ومصائب رأسمالية عظمى تطال الأغلبية الساحقة، فيما تنعم أقلية بازدهار مشاريعها وتنامي رفاهيتها، إلى حد أن مستوى عيشها أشبه كثيرا بمستوى عيش برجوازيات بلدان رأسمالية عريقة ومتطورة.

على منظمات الشعب المناضلة فعلا أن تطالب بكشف السجلات التجارية لهذه الشركات، وغيرها، للحكم على مزاعمها، ولبحث الحلول الحقيقية لرفع مستوى عيش السكان وظروف عملهم. غير ذلك يظل مجرد أكاذيب تكشفها بجلاء مظاهر الثراء والبذخ، وأرقام المعاملات، وتطور الأرباح السنوية…

كشفت المقاطعة الشعبية، كشكل للمقاومة الشعبية، حقيقة السياسة التي تنهجها الدولة منذ الاستقلال الشكلي، وتواصلها في شكل ليبرالي جديد قاس على المتضررين أصلا، وأكثر سخاء لمن لزموا قمة الهرم الاجتماعي منذ أمد طويل جدا، يعود بالنسبة لأبرزهم لسنوات الاستعمار المباشر للمغرب.

عدا طول النفس الضروري كي تأتي المقاطعة أكلها، يتوجب على قوى اليسار الجدري المغربي ومنظمات النضال الطبقي العمالي والشعبي أن تدعمها وتجعلها رافعة لقلب موازين القوى لصالح الطبقة العاملة وجماهير الطبقات الشعبية المستغلة والمضطهدة.

  • من أجل تخفيض فعلي للأسعار وتحسين الجودة دون إنقاص الوزن.
  • من أجل زيادة أجور شغيلة الشركات المعنية، وتحسين ظروف عملها، والرقابة على احترام المحيط البيئي والثروة الطبيعية وحمايتها من الاستنزاف.
  • لأجل تعميم نفس الشروط على باقي كل شركات الإنتاج عمومية وخاصة.
  • المقاطعة سلاح فعال لنعممه منظما وموحدا ضد ناهبين آخرين، فلتستمر ولنحصنها من مؤامرات التشويه والتخريب.

لم نكن أي شيء فلنكن كل شيء.

بقلم، مصطفى نعمان