«ممارسة كرة القدم، التي يلزم تمييزها عن الفرجة، ميدان للنضال»

Print Friendly, PDF & Email

هل يمكن أن يكون الفرد يساريا ومولعا بكرة القدم؟ هل يمكن عشق كرة القدم دون تزكية تجاوزات كرة القدم-التجارية؟ هل يمكن لكرة القدم أن تكون مجردة من موازين القوى السياسية والاجتماعية؟ تطرح أسئلة كثيرة بطريقة متكررة، خاصة أثناء تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى مثل بطولة كأس العالم لكرة القدم الذي تدور حاليا في روسيا. وفي محاولة لمعالجة هذه المسائل على نحو أصيل، التقينا ميكائيل كوريا، صحفي في CQFD ومؤلف كتاب رائع حول تاريخ شعبي لكرة القدم، يخالف تصور «من أعلى» حول هذه الرياضة فائقة الشعبية، ويقترح أفكار مثيرة بالنسبة لمكانة كرة القدم في مجتمعاتنا. وتجدر الإشارة إلى أن ميكائيل كوريا سيكون حاضرا، ضمن ضيوف آخرين، أثناء انعقاد جامعتنا الصيفية القادمة.

يحمل كتابك اسم «التاريخ الشعبي لكرة القدم». ونلاحظ فورا الاحالة إلى «تواريخ شعبية» أخرى، «التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية» لمؤلفه هوارد زٍين، و«التاريخ الشعبي للبشرية» لمؤلفه كريس هارمان أو «التاريخ الشعبي لفرنسا» لمؤلفه جيرار نوارييل (سيصدر في شهر أيلول/سبتمبر القادم). لماذا تريد أن تتموقع في هذا الفضاء النقدي بسرد تاريخ شعبي لكرة القدم؟

أنا على اقتناع، طبعا مع أفراد آخرين، بأن التاريخ ميدان حرب، وهذا ما يُلاحظ اليوم جدا مع شخصيتين رجعيتين وكاريكاتوريتين وهما لوران دوتش وستيفان بيرن، لكن أيضا بأن التاريخ كان دوما من تأليف المنتصرين، أو بالأقل المسيطرين. ونفس الشيء في مجال كرة القدم: هناك تاريخ رسمي لكرة القدم، بالبطولات الكبرى والنوادي الكبيرة واللاعبين الكبار، وهو في الواقع تاريخ كرة قدم احترافية، وكرة قدم نخبوية، يخدم كرة قدم تشكل في المقام الأول ترفيها تجاريا. وما كنت أسعى إليه، هو تأليف تاريخ مغاير، من أسفل، يبين أن ممارسة كرة القدم، التي يجب تمييزها عن الفرجة، هي ميدان نضال: إن تاريخ كرة القدم بما هو ممارسة تاريخ احتكار وسلب واعادة احتكار، ويشكل عكس الخطاب السائد، شأنا سياسيا للغاية، وكان أداة تنظيم جماعي للنضال والتحرر، الخ. رافقت كرة القدم دوما النضالات الاجتماعية والانتفاضات الكبرى في التاريخ، وهذا ما شهدناه مؤخرا أثناء أحداث «الربيع العربي» في عام 2011 أو حركة ميدان تقسيم في تركيا في عام 2013. وهذا ما أردت أن أسرده، هذه الممارسات، التي تشكل أيضا ممارسات نضالية، لكي يعرفها عدد كبير من الناس ويستفيدوا منها، ويستوحوا منها نماذج.

كيف بوسعك تحليل عدم الاهتمام، بل الازدراء الذي قد توليه بعض الجهات اليسارية بوجه الرياضات الشعبية، وخاصة كرة القدم؟

من اللازم استحضار التاريخ في هذا الصدد، لأننا غالبا ما لا نعرف سوى القليل عنه. طُرح هذا النقاش حول مكانة كرة القدم في المجتمع، وسط الحركة العمالية، منذ بداية القرن العشرين. وللحديث عن فرنسا، كانت كرة القدم في تلك المرحلة تحت تحكم أرباب العمل في القطاع الصناعي والكنيسة، وسيُطرح النقاش وسط الحركة العمالية: باتت كرة القدم رياضة شعبية، خاصة في صفوف العمال، ما العمل بذلك؟ ستدور نقاشات حامية، يمكن العثور عليها حتى في صفحات جريدة لومانيتيه. يعتقد البعض أن كرة القدم شيء يُرسخ، بطبيعته، المنافسة، التي تمحو الفوارق الطبقية، لأن كل شخص يجد نفسه يحمل نفس القميص، ما يجعلها أداة للتحكم الاجتماعي: بدل الانخراط في النقابة والمشاركة في النضالات، يفضل العامل، في أوقات فراغه النادرة، لعب كرة القدم. ويؤكد بعض الأفراد، ضمنهم صحافي في جريدة لومانيتيه، بأن العمال يحبون بطبيعة الحال كرة القدم، لكن المسألة المطروحة هي بالأحرى معرفة كيف انتشالهم من براثن الرياضة الاحترافية للمعمل والكنيسة، وكيف يمكن منح معنى سياسي مغاير لكرة القدم: لا تمثل هذه الأخيرة بالضرورة أداة تحكم اجتماعي أو شكلا من أشكال تَعَلُّم تقسيم العمل، وقد تشكل مدرسة جيدة للتعاون وتعلم البناء والعمل الجماعي، بفعل التضحية بالنفس من أجل الجماعة، الخ.

هل تحققت نتائج ملموسة؟

منذ عام 1908، تأسست أندية «حمراء» وأول فيدرالية رياضية عمالية. في البداية كان ذلك متواضعا، حفنة من فرق كرة القدم، لكن سنشهد تدريجيا حركة عمالية رياضية حقيقية، ستواكب فضلا عن ذلك تطور الحركة العمالية. أثناء مؤتمر تور (مدينة في فرنسا) عام 1920، سيتشهد الحركة العمالية انقسامين، مع فيدرالية رياضية اشتراكية وفيدرالية رياضية تابعة للحزب الشيوعي. ستضم هاتان الفدراليتان حوالي 200 فرقة كرة قدم، ستشكل فضاء هاما لاستقطاب المناضلين. إن استقدام العمال إلى هذه الأندية وسيلة لتسييسهم، وأيضا طريقة لنشر ثقافة عمالية: قمصان حمراء و/أو سوداء، أندية كرة قدم تحمل أسماءها عبارات «نجمة»، «عمل»، «اشتراكي»، الخ. عندما تُنظم مباريات ودوريات، تُنتزع الرايات التي تحمل الألوان الزرقاء والبيضاء والحمراء ويُستعاض عنها برايات حمراء، ويُردد نشيد الأممية قبل بداية المباريات، وتدور نقاشات سياسية قبل أو بعد المباريات، الخ.

وعندما أقول إن هذا التاريخ يرافق تطور الحركة العمالية، فذلك ملموس للغاية في عام 1934، أثناء دينامية الجبهة الشعبية ودعوات إلى الوحدة بوجه الفاشية، مع تأسيس فيدرالية رياضية للعمل (FSGT)، متحدرة من اندماج بين اتحاد الجمعيات الرياضية للعمل (USSGT، اشتراكي) وفيدرالية رياضية للعمل (FST، شيوعية). وسيذهب بعض المناضلين للقاء رفاقهم واخبارهم بأن الوحدة السياسية ممكنة لأنها تحققت في مجال الرياضة، وسط فيدرالية يتجاوز عددها آنذاك 100000 منخرط.

هل انمحت الانتقادات؟

لا بل ظلت قائمة، وستشهد تطورا في السنوات التي أعقبت انتفاضة أيار/مايو عام 1968، خاصة مع علماء اجتماع فروديين-ماركسيين، وأحد أشهر هؤلاء هو جان ماري بروم، وسيطورون نقدا جذريا حول الرياضة. يوضحون أن الرياضة أفيون جديد للشعوب، وأن الايديولوجية الرياضية إيديولوجية رأسمالية وفاشية. إنها نظرية مفيدة، وجذابة للغاية، ستنتشر حتى اليوم وسط جميع الحركات اليسارية، خاصة فيما يتعلق بطابع الاستلاب للرياضة. وهذا ما نجده على نطاق واسع، واستحضر على سبيل المثال شخصية «بوف» لرسام الكاريكاتير جان كابو، وكذلك مشجع كرة القدم العنصري، الخ. ويتطور ذلك بقدر ما أن فرنسا ليست بلد كرة قدم مثل إيطاليا أو ألمانيا أو إسبانيا، وبقدر ما أن عدد الشخصيات البارزة والمثقفين الذين سيؤكدون ولعهم بكرة القدم قليل جدا. ما عدا ألبير كامو وباولو بازوليني وجورج سمبران، لا يوجد عدد كبير منهم.

هل تعتقد مع ذلك أن كل شيء طرح في هذا النقد؟ لا يمكن انكار حجم الاستيلاب الرياضي، مع روح المنافسة والشوفينية، الخ.

هذه النظرية مثيرة للاهتمام لكني أعتقد أنها غفلت الأساسي. إنها خلط بين الرياضة-الفرجة والرياضة التجارية من جهة ومن جهة أخرى بين الرياضة كممارسة. لأن كرة القدم تظل في المقام الأول ممارسة «فقيرة»: أنت في حاجة فقط لكرة، وقواعد اللعب بسيطة إلى حد ما، الخ. أعتقد أيضا من وجهة نظر نضالية، أن رفض كرة القدم جملة وتفصيلا انحراف استراتيجي وسياسي: واليوم، فالعنصر الثقافي الأكثر هيكلة في صفوف الفئات الشعبية وشباب الأحياء الشعبية، هو كرة القدم! من الجنون ألا يثير اهتمام اليسار… كان ذلك دافعا من الدوافع التي حفزتني على تأليف كتابي: كرة القدم ميدان للتلاقي والنقاش ووسيلة لفتح نقاشات خاصة مع الشباب في الأحياء الشعبية، وعنصر اجتذاب رائع. أعتقد أن اليسار فوت فرصة مناسبة منذ سنوات 1970 وأثناءها، والتي يجب ربطها بالتطور الاجتماعي لليسار وحتى اليسار الجذري، الأقل انغراسا في الأوساط الشعبية، والأكثر تحذرا من الفئات المتوسطة.

 

لكن هل تعتقد حقا أن السيرورات التي وصفتها فيما يتعلق بالنصف الأول من القرن العشرين قد تحدث مرة أخرى في زمن كرة القدم التجارية، وفترة استثمار المليارات في مجال كرة القدم؟ حتى أندية الهواة الصغيرة، تعكس كرة القدم-الفرجة تأثيرات على مطامح الشباب الذين يُقدمون على لعبها، بفكرة مفادها ضرورة الانخراط في «ناد» كبير لتحقيق النجاح. كيف يمكن تصور أندية تقترح «كرة قدم مغايرة» في مثل هذه الظروف؟

 

في الواقع باتت كرة القدم قائمة، وكانت موجودة دوما. في البداية كانت كرة القدم برمتها خارج المؤسسة، وخارج الفيدرالية، ونحن لا نعرف عنها إلا القليل لكنها ظاهرة على نطاق واسع. لدينا وجهة نظر أوروبية للغاية حول المسألة، لكن إذا عاينت كرة القدم في العالم، فهي تشكل لعبة خارج المؤسسة إلى حد كبير للغاية: في البرازيل على سبيل المثال، حيث كرة القدم مَلِكٌ، تمثل كرة القدم في المقام الأول رياضة الشارع؛ ثمة أكثر من 200 مليون برازيلي، وما يناهز مليوني عضو في الأندية، ما يدل على أن كرة القدم في البرازيل، هي أولا وقبل كل شيء تلك التي تمارس بطريقة برية (بعيدة عن أي مؤسسة)، في الشوارع، وذلك روح كرة القدم البرازيلية بالذات. وتدور أكبر بطولة للهواة في العالم هناك، إنها منافسة فائقة الشعبية، وحتى أشخاص مثل نيمار أتوا من كرة قدم خاصة جدا للهواة تتحدر من ساو باولو.  ولديك أيضا مثال السنيغال، الذي أشتغل عليه، مع دوريات «النافيتان»، وهي بطولة تجري بين الأحياء وتنظم على مستوى وطني أثناء موسم الأمطار، بمشاركة أكثر من 3500 ناد تضم 500000 لاعب منخرط، أي أكثر من عشرة أضعاف الفيدرالية السنيغالية لكرة القدم، التي تسعى، مع أكبر مقاولة أورانج أكبر شريك، على أن تتحكم في هذه البطولة دون التمكن من تحقيق ذلك بسبب رفض من يشرفون على تنظيمها أشكال المنطق التجاري.

وفي فرنسا أيضا، على نطاق أقل، تجد ظواهر من هذا النوع: عدد المنخرطين في الفيدرالية في حالة ركود، لأن ثمة كرة قدم تلعب في الشوارع، كرة قدم شعبية حقيقية. ينبغي فهم أن وسط عائلات فقيرة، حيث يوجد عدد غير قليل من الأطفال، ليس من السهل دفع ثمن الانخراط للجميع، لكن أيضا بالنسبة لبعض الشباب، الذي يرون أن الالتزام بأوقات تدريب صارمة مثير للضجر، الخ. واليوم، فإن عدد الأطفال الذي يلعبون كرة القدم يوميا، خاصة في عطلة نهاية الأسبوع، وخارج أي مؤسسة كليا، ضخم، وعليك فقط النظر إلى ضواحي باريس… وفي الفريق الوطني الفرنسي اليوم، تجد لاعبين مثل بوغبا وديملبي، تعلموا كرة القدم في الشارع، أمام المباني.

بعد ذلك طبعا، ستكون نماذج من نظام النجوم الرياضية بمثابة مرتكز، لكن كرة القدم قبل كل شيء، ثقافة جماهيرية، مثل السينما والموسيقى، الخ، ومن المعروف أنه حتى في الأعمال الخارجة عن الدوائر التجارية العادية في السينما أو الموسيقى، سيتم الاستفادة من المراجع الكبرى: ولا تشكل كرة القدم الشعبية البديلة وكرة القدم التجارية، مجالين معزولين. وسنرى أن كرة القدم المؤسسية تستفيد بدورها من خيال الشارع، مثل العلامات التجارية الكبرى للوازم الرياضية.

 

سؤال أخير، حول المشجعين وأندية المشجعين. عند مشاهدة الملاعب، لا بد من معاينة أن بعض أندية المشجعين تشكل تربة خصبة حقيقية لليمين المتطرف، وهذه حجة يستعملها الأشخاص الأكثر انتقادا لكرة القدم.  تفسر هذه الظاهرة أيضا بروز بعض المخاوف، بل رفضا، من قبل اليساريين، الذين يرون أن هذا الانغراس لليمين المتطرف في المدرجات قد يشكل استعراض القوة ولا يوجد بالعكس، جوهر تقدمي في كرة القدم.  هل يتعلق الأمر بظاهرة مرتبطة بشكل جوهي بكرة القدم، وهل هي أكثر ارتباطا بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أم أنها جزء من الاثنين؟   

في الواقع قدر قليل من كليهما. في ثقافة الألتراس، ولكن أيضا في حركة الهولس، التي يتحدر منها الهولينغانس، ثمة ارتباط بالنادي، وبالتالي منطقة معينة، ولكن أيضا هوية معينة، المدينة، النادي، إلخ. ومن المؤكد أن هذين الموضوعين، أي المنطقة والهوية، قد يستفيد منهما اليمين المتطرف دون صعوبة، وقد يتلاعب بهما بسهولة. وهذا ما حصل لسوء الحظ. اخترقت مجموعات اليمين المتطرف الانجليزي والنازيين الجدد حركة الهولينغانس في انجلترا، منذ أواخر سنوات 1970، نتيجة الأزمة الاقتصادية وما نهجته تاتشر من سياسة قمعية وفائقة الليبرالية. حصل ذلك أيضا في إيطاليا وسط حركة الألتراس، باختراق المدرجات من قبل الحركات الفاشية في أواخر سنوات عام 1970، والتي أزاحت بالأحرى اليسار من المدرجات، كما حدث في فريق نادي روما الرياضي AS Roma.

أعتقد أن ذلك يشكل ظاهرة هامة للغاية لأن مسألتي الهوية والمنطقة إلى حد ما ثغرتين في اليسار، وتعبيرين للانطواء، وهذا ما قد نفهمه في مرحلة الهذيان الهوياتي والعنصرية المعادية للمهاجرين. لكن الهوية قد تكون شيئا جماعيا وشاملا للغاية. ونفس الشيء بالنسبة للمنطقة، الذي قد تشكل دعامة لخيال سياسي هام للغاية. والمثال الذي غالبا ما أقدمه، لأثير قدرا قليلا من الاستفزاز، هو «زاد» Zad، وهي منطقة الصمود والدفاع ضد إنشاء مطار نوتر دام دي لاند، حيث توجد بالفعل منطقة جرى الدفاع عنها بتبني خيال سياسي جنوني، وتحظى بمشاركة حركة اجتماعية حقيقية مدعومة على نطاق واسع.  بينما كان الأمر يتعلق بنضال، منغرس في منطقة، لكن منطقة مفتوحة على الآخر، وبتأكيد هوية خاصة، لكن هوية جماعية مترسخة في تاريخ اجتماعي، تاريخ نضالات الفلاحين، الخ. أنا من مشجعي نادي النجم الأحمر لسانت أوين، ونحن متشبثون بمدرجنا وملعبنا، وهذا ليس عملا تافها، لأن ذلك مرتبط بتاريخ خاص وتاريخ اجتماعي، بالمقاومة، الخ. ندافع عن مدرج ملعب خال من قمع بوليسي وتصرفات عنصرية أو قائمة على نوع الجنس أو معادية للمثلية الجنسية. ونمتلك أيضا هوية ومنطقة بكاملها: ليست ميدانا ملائما بوجه خاص لليمين المتطرف، ويجب على الحركات اليسارية أيضا أن تمتلك هذه الثقافة وهذه المواقع، التي قد تشكل كذلك مواقع دعم متبادل حيث يتطور خيال سياسي أمتع من ذاك الذي يتوفر عليه اليمين المتطرف.

أجرى الحوار جوليان سالانغ

1.دور النشر لايديكوفرت، آذار/مارس عام 2018، 416 صفحة، 21 يورو

رابط النص الأصلي باللغة الفرنسية:

URL source: https://npa2009.org/actualite/politique/la-pratique-du-football-quil-faut-differencier-du-spectacle-est-un-champ-de