من عقيدة “العنصر البشري” إلى خيانة الدور التاريخي

حوارات وآراء2 نوفمبر، 2026

الاغتراب وتدبيره: فؤاد عالي الهمة، الدولة الطبقية، والبرجوازية الصغرى كفرملة تاريخية في انتخابات شتنبر

بقلم، عادل البوعمري

02 نونبر 2026

ليست كل الوثائق سواسية. هناك وثائق تشرح مرحلة، وهناك وثائق تفضح بنية. الوثيقة المصورة التي نحن بصددها تنتمي للنوع الثاني. فهي ليست حديثا عابرا أو مجرد تصريح سياسي لتدبير حملة انتخابية، بل هي لحظة اعتراف أيديولوجي نادر، يعلن فيها السيد فؤاد عالي الهمة، مهندس الخريطة السياسية لما بعد 2007 والمؤسس الفعلي لحزب الأصالة والمعاصرة، عن العقيدة الاجتماعية لحزبه، أي القانون السري الذي حكم المغرب لربع قرن: تحويل الفقر من نتيجة موضوعية لعلاقة استغلال طبقي إلى ذنب ذاتي يتحمله الفقير نفسه.

إن نقد هذه العقيدة واستخلاص الدروس ليس ترفا نظريا، بل هو المدخل المنهجي الوحيد لفهم لماذا بقيت علاقات الإنتاج نفسها رغم تغير كل الواجهات الحكومية، ولماذا تحولت طلائع البرجوازية الصغرى اليوم من حليف مفترض للكادحين إلى فرملة تاريخية تعيد إنتاج نفس السيطرة.

ويمكن تلخيص الأطروحة حرفيا كما وردت على لسانه:

“العالم كله كيحارب كل المشاكل ديال الفقر ولكن الفقر ماشي يتعالج… الفقر تيتعالج بالتضامن… الفقير اللي تيتعالج بالعنصر البشري اللي كيشتغل لتغيير الواقع ديالو… ماشي مشكلة ديال وسائل أو إمكانيات أو مادة… الفقر هو أولا وأخيرا مشكلة العنصر البشري نفسه تيخصو يكون واعي بأنه خاصو يبدل… هادي هي المنهجية الوطنية التشاركية اللي كنحاولو باش نزرعو هاد الثقافة ديال تحميل المواطن المسؤولية ديالو”.

هذه الفقرة لا تلخص مشروع حزب سيقود حكومة 2026 فقط، بل تشكل التكثيف الأيديولوجي الأكثر وضوحا لطبيعة الدولة الاجتماعية في المغرب في ظل نمط الإنتاج الرأسمالي التبعي خلال الستة وعشرين سنة الأخيرة.

إن هذه الأطروحة تقوم موضوعيا على ما يسمى في علم الاجتماع بـ (لوم الضحية) Victim Blaming، لكنها في جوهرها المادي ليست سوى الشكل المبتذل لنظرية رأس المال البشري. في التحليل الماركسي، الفقر ليس ظاهرة طبيعية ولا فشلا فرديا، بل هو النتيجة الحتمية لقانون التراكم الرأسمالي، ولطبيعة توزيع فائض القيمة، ولاقتصاد ريعي كومبرادوري يحتكر فيه التحالف الطبقي المسيطر وسائل الإنتاج ويراكم عبر نهب المال العام وتدمير قوى الإنتاج الرئيسية المتمثلة في المدرسة والمستشفى العموميين.

في أطروحة الهمة، يتم قلب علاقة الاستغلال رأسا على عقب. الفقر لم يعد نتاج الاستغلال، بل نتاج عدم استغلال الفقير لذاته بشكل كاف. بهذا المنطق، تتحول الدولة من أداة سيطرة طبقية مسؤولة موضوعيا عن إعادة إنتاج شروط الاستغلال، إلى مجرد جهاز وعظ أخلاقي مهمته “زرع ثقافة تحميل المواطن المسؤولية”. الدولة الطبقية تنهب فائض القيمة، والمواطن المقهور يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن فقره.

إن مصطلح “تحميل المواطن مسؤوليته” هو التعبير الأيديولوجي المحلي الدقيق لما أسماه الماركسيون منذ بداية الثمانينات بإعادة هيكلة الاستغلال في مرحلته النيوليبرالية، والمعروف في أدبيات المؤسسات الإمبريالية، أساسا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تحت اسم (تحميل المسؤولية الفردية) Responsibilization. جوهر هذه العقيدة هو خصخصة التناقض الطبقي: الدولة لم تعد مسؤولة عن جيش الاحتياط الصناعي، بل العاطل نفسه مسؤول لأنه لم يحول نفسه إلى مقاول ذاتي يبيع قوة عمله بالقطعة. الدولة ليست مسؤولة عن خصخصة الصحة، بل المريض مسؤول لأنه لم يدبر تأمينا خاصا. الدولة ليست مسؤولة عن تصفية التعليم العمومي، بل التلميذ وأسرته مسؤولون لأنهم لم يشتغلوا على “عنصرهم البشري” كسلعة قابلة للبيع في سوق الشغل. إنها الأيديولوجيا المثلى لحزب نشأ كحزب للدولة وكوكيل سياسي للكتلة الطبقية السائدة: تبرئ الطبقة المالكة من مسؤولية نهبها، وتجرم الطبقة المسحوقة على فقرها.

إن الربط بين هذه الأطروحة وما عشناه في 26 سنة الأخيرة ليس تحليلا ذاتيا، بل هو تعبير عن وحدة البنية التحتية والبنية الفوقية. تغيرت الشعارات السياسية للواجهة الحكومية: تناوب، حداثة، عهد جديد، كفاءات، دولة اجتماعية، نموذج تنموي جديد… لكن بقيت علاقات الإنتاج نفسها. الفقر = مشكلة العنصر البشري. الحل = برنامج يأتي من فوق يعيد إنتاج نفس علاقات الإنتاج. كل الحكومات المتعاقبة في ربع قرن، بغض النظر عن تلونها الأيديولوجي – اشتراكية ديمقراطية، إسلام سياسي، تكنوقراط – أدت نفس الوظيفة الموضوعية: لجنة لتسيير الشؤون المشتركة للكتلة الطبقية السائدة، وجاءت بنفس الصيغة: “جئنا لتنزيل التوجيهات السامية”.

هنا تصبح العودة إلى ماركس ضرورة منهجية، وتحديدا إلى مفهوم الاغتراب كما صاغه في المخطوطات الاقتصادية والفلسفية لعام 1844.

إن هذه المخطوطات ليست كتابا مكتملا، بل هي دفاتر عمل نظرية كتبها ماركس في باريس وهو في السادسة والعشرين، ولم تنشر إلا في 1932، وتشكل لحظة القطيعة النهائية مع الفلسفة الهيغلية المثالية ومع الاقتصاد السياسي الكلاسيكي البورجوازي. فيها لا يبدأ ماركس من الأفكار، بل من الوقائع المادية للاقتصاد نفسه – قوانين الأجور والربح والريع عند آدم سميث وريكاردو – ليكشف أن هذا الاقتصاد يخفي وراء أرقامه حقيقة أن العامل نفسه تحول إلى سلعة.

وهنا صاغ ماركس الأشكال الأربعة للاغتراب التي تنطبق حرفيا على خطاب الهمة:

أولا، الاغتراب عن منتوج العمل: العامل ينتج قصرا ويسكن كوخا. ينتج الفوسفاط والسمك والمعادن، لكن منتوج عمله ينفصل عنه ويصبح قوة غريبة تملكها البورجوازية الكومبرادورية وتستخدمه ضده. عندما يقول صاحبنا “الفقر ماشي مشكلة إمكانيات”، فهو يخفي أن الإمكانيات موجودة لكنها مغتربة عن منتجها.

ثانيا، الاغتراب عن النشاط الإنتاجي نفسه: العمل في ظل الرأسمالية التبعية ليس نشاطا حرا يحقق ذات الإنسان، بل عمل قسري مفروض من الخارج يدمر الجسد والعقل. المواطن لا يشتغل لأنه يحقق ذاته، بل ليبقى على قيد الحياة. وتأتي مقولة “العنصر البشري” لتجميل هذا العمل القسري، كأن الخلل في العامل لا في طبيعة العمل المأجور.

ثالثا، الاغتراب عن النوع الإنساني: الإنسان كائن واع ينتج بوعي اجتماعي، لكن الرأسمالية تختزله في مجرد وسيلة فردية للبقاء. عندما يتم اختزال الوجود الإنساني كله في “خاصو يبدل عقليتو” ليصبح مقاولا ذاتيا، يتم تجريد الإنسان من كينونته النوعية ككائن اجتماعي وتحويله إلى رأس مال بشري معزول.

رابعا، الاغتراب عن الإنسان الآخر: عندما يصبح منتوجي غريبا عني، يصبح الآخر – مالك وسائل الإنتاج – غريبا ومعاديا لي. وتتحول علاقة التضامن الطبقي إلى منافسة بين الفقراء أنفسهم على من يتحمل مسؤوليته أكثر. هذا هو جوهر شعار “التضامن” عند الهمة: ليس تضامن الطبقة ضد مستغلها، بل تضامن الفقراء فيما بينهم لتدبير فقرهم.

ولهذا، فالمخطوطات ليست نصا فلسفيا مجردا، بل هي النقد المادي الأول للاقتصاد السياسي، وهي التي تسمح بفهم أن مقولة “تحميل المواطن المسؤولية” ليست خطأ في التحليل، بل هي ضرورة أيديولوجية لنمط إنتاج يقوم على الاغتراب.

ما يقدمه فؤاد عالي الهمة هو الصياغة السياسية الأكثر فجاجة لهذا القانون الموضوعي في التشكيلة الاجتماعية المغربية. إنه يقول للكادح المغربي: ثروتك البحرية التي تنهبها شركات الأعالي ليست لك، ثروتك المنجمية التي تصدر خاما ليست لك، أرضك السلالية التي تم تفويتها لمركبات الهولدينغ ليست لك، رخصة الصيد والمقالع ليست لك، قرار حكومتك ليس لك… لكن فشلك في العيش هو ملكك الخاص. يجب أن تتحمل مسؤوليته كفرد. هذا هو الاغتراب في أعلى مراحله: يتم نزع الملكية الكاملة للكادح من كل شروط إنتاجه المادي، ثم يطلب منه أن يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن النتيجة المادية لهذا النزع. وهنا تكمن فعالية الأيديولوجيا البورجوازية: تحويل الاستغلال الموضوعي إلى شعور ذاتي بالذنب، فيجلد المقهور نفسه بدل أن يجلد طبقته المستغلة.

وهنا ننتقل جدليا إلى لينين، لأن ماركس كشف القانون العام للاغتراب في ظل الرأسمالية، لكن لينين كشف وظيفة الدولة الاحتكارية في إدامته في مرحلة الإمبريالية.

في “الدولة والثورة”، يؤكد لينين أن الدولة في المجتمع الطبقي ليست جهازا فوق الطبقات، بل هي أداة قمع طبقي بيد الطبقة المالكة لتدبير شؤونها المشتركة وضمان شروط إعادة إنتاج سيطرتها. مهمتها التاريخية ليست إلغاء الفقر، بل تدبير الفقر كشرط ضروري لإعادة إنتاج جيش الاحتياط الصناعي وضمان عدم انفجاره الثوري. عندما يقول الهمة “الفقر ماشي مشكلة إمكانيات”، فهو لا يقدم وصفا، بل يقدم البرنامج السياسي للكتلة الطبقية السائدة التي قررت منذ 26 سنة أن تحافظ على احتكارها المطلق للإمكانيات المادية – الأرض والبحر والمنجم والرخصة والصفقة والإعفاء الضريبي – وأن تطلب في المقابل من الطبقات الشعبية أن تدبر فقرها ذاتيا عبر ما يسمى بالتضامن والمقاولة الذاتية.

إن ما يسميه الهمة “تحميل المواطن المسؤولية” هو ما كان يسميه لينين بوضوح في تحليله للانتهازية: نقل التناقض الرئيسي من مستوى التناقض بين الطبقات إلى مستوى التناقض داخل الطبقة نفسها، وداخل الفرد نفسه. الكتلة الطبقية السائدة احتكرت وسائل الإنتاج، ثم عندما يظهر الفقر كتعبير عن أزمة بنيوية لنمط الإنتاج، تطلب من الضحية أن “تشتغل على عنصرها البشري”. الدولة لا تحل التناقض الطبقي، بل تعيد إنتاجه أيديولوجيا عبر أخلقته. تقول للمحروم: مشكلتك ليست أنك محروم من وسائل الإنتاج، بل أنك لم تكن واعيا بما فيه الكفاية كرأس مال بشري.

فإذا كان ماركس قد كشف الجوهر المادي للاغتراب، ولينين قد كشف وظيفة الدولة الطبقية في تدبيره سياسيا، فإن ألتوسير سيكشف لنا آلية اشتغال هذا التدبير على مستوى البنية الفوقية.

في أطروحته حول “الأيديولوجيا والأجهزة الأيديولوجية للدولة” (Appareils idéologiques d’État)، يميز ألتوسير تمييزا علميا بين جهاز الدولة القمعي الذي يخضع بالقوة، وبين الأجهزة الأيديولوجية للدولة – المدرسة، المسجد، الإعلام، الحزب، النقابة – التي تخضع بالإقناع، أي التي تحول علاقة القهر الموضوعي إلى علاقة رضا ذاتي، وتجعل المقهور يقتنع أنه مسؤول عن قهره.

إن ما يقدمه حزب الأصالة والمعاصرة منذ تأسيسه هو النموذج النقي تاريخيا لجهاز أيديولوجي للدولة في التشكيلة المغربية. لم يكن يوما حزبا بالمعنى الماركسي، أي تعبيرا سياسيا عن مصالح طبقة اجتماعية محددة تناضل للوصول للسلطة، بل كان جهازا أيديولوجيا للكتلة الطبقية السائدة مهمته الموضوعية هي إنتاج وتعميم خطاب يبرر الانسحاب الاجتماعي للدولة ويشرعن قانون الاغتراب.

وهنا لا بد من وقفة تاريخية لتفكيك الوهم المؤسس نفسه. لقد تم تقديم حزب الأصالة والمعاصرة عند تأسيسه على أنه استيراد حرفي للنموذج الفرنسي للمعارضة الحديثة. كان الخطاب التأسيسي واضحا: انتهى زمن الاصطفاف العقائدي، نحن أمام نموذج جديد، يمين حداثي ويسار حداثي يتداولان على تدبير الشأن العام داخل دولة حديثة محايدة، على غرار ثنائية الحزب الاشتراكي والديغولية سابقا في فرنسا. حزب إدارة، حزب كفاءات، حزب حداثة.

لكن ما الذي كانت تعنيه الحداثة في النموذج الفرنسي الأصلي؟ إنها لم تكن مجرد شعار، بل كانت نتاج صراع طبقي دموي طويل ضد الكنيسة كجهاز إقطاعي. فالثورة البورجوازية الكبرى 1789 لم تكن فقط ضد الملك، بل ضد تحالف العرش والمذبح. وما تلاها من صراع بين الجمهورية والكنيسة دام أكثر من قرن، من تأميم أملاك الكنيسة، إلى فصل المدرسة عن الكنيسة مع جول فيري، وصولا إلى قانون 1905 الشهير للفصل بين الكنائس والدولة. الحداثة الفرنسية كانت تعني ماديا: نزع الملكية الكنسية، علمنة التعليم، إخضاع المقدس الديني لسلطة الدولة البورجوازية الصاعدة. كان صراعا بين نمطين للإنتاج: النمط الإقطاعي المقدس ونمط رأس المال الحديث.

لهذا فشكل المعارضة الفرنسية – يمين ويسار – كان شكلا لصراع داخل نفس الطبقة البورجوازية التي أنجزت ثورتها ضد الإقطاع والكنيسة واستقرت. اليمين واليسار هناك يتفقان على أساس النظام الرأسمالي ويختلفان على طريقة تدبيره. الدولة الحديثة المحايدة هناك كانت ثمرة تسوية تاريخية بعد أن حسمت البرجوازية معركتها مع الكنيسة.

أما عندنا، فتم استيراد الشكل دون المضمون، وتم تحريف الصراع نفسه. فحزب الأصالة والمعاصرة قدم نفسه كحزب للحداثة ضد المقدس، لكن أي مقدس؟ ليس ضد المقدس الإقطاعي الحقيقي المتمثل في الملكية العقارية الكبرى والريع والامتيازات المخزنية، بل ضد “المقدس” المزيف المتمثل في الإسلام السياسي كمنافس انتخابي. تم تحويل الصراع الطبقي التاريخي بين القديم والجديد، بين الإقطاع والرأسمالية، إلى صراع ثقافي زائف بين “الحداثة” و”التقليد”، بين “التحديث” و”المحافظة”.

إنها حداثة بلا علمنة اقتصادية، حداثة بلا مساس بأساس المقدس الحقيقي في المغرب: قداسة الرخصة، وقداسة الامتياز، وقداسة الريع، وقداسة احتكار وسائل الإنتاج. بل على العكس، جاءت هذه الحداثة المزيفة لتحصين هذا المقدس الاقتصادي الحقيقي عبر تغليفه بخطاب حداثي. فالدولة الحديثة بمعناها البورجوازي الكلاسيكي، كدولة حق وقانون تمثل المصالح العامة، أصبحت مستحيلة موضوعيا في عصر الإمبريالية، كما شرح لينين في “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”. فحتى في المركز نفسه، لم تعد الدولة جهازا محايدا، بل تحولت إلى لجنة لتسيير شؤون الاحتكارات المالية. فما بالك في تشكيلة اجتماعية تابعة وشبه إقطاعية وشبه مستعمرة كالتشكيلة المغربية؟

ما يوجد عندنا ليس دولة حديثة محايدة تدير التناوب بين يمين ويسار، بل جهاز طبقي كومبرادوري تابع بنيويا للإمبريالية، مهمته التاريخية ليست بناء سوق وطنية مستقلة، بل ضمان شروط نهب فائض القيمة وتسليمه للمركز. استيراد شكل المعارضة الفرنسية دون ثورتها ضد الكنيسة والإقطاع هو مجرد استيراد للواجهة الأيديولوجية. وهذا بالضبط ما مثله PAM: حزب دولة يلبس لبوس الحداثة الفرنسية ليخفي جوهره كجهاز أيديولوجي للكتلة الكومبرادورية، حداثته لا تعني فصل الاقتصاد عن الريع، بل فصل السياسة عن الجماهير.

وهنا نصل إلى القانون التاريخي الذي صاغه ماو تسي تونغ بصرامة لا تقبل التأويل. ففي نصه التأسيسي “تحليل طبقات المجتمع الصيني” سنة 1926، ثم في “حول الديمقراطية الجديدة” سنة 1940، أكد ماو أن التشكيلات شبه المستعمرة وشبه الإقطاعية تفرز بنية طبقية خاصة لا يمكن إسقاط النموذج الأوروبي عليها.

فالبرجوازية الوطنية في هذه البلدان، بحكم ارتباطها البنيوي بالسوق الإمبريالية وبحكم خوفها من جماهير الفلاحين والعمال أكثر من خوفها من الإمبريالية نفسها، هي طبقة عاجزة موضوعيا عن قيادة ثورتها الديمقراطية حتى النهاية. لها طابع مزدوج: من جهة مصلحة موضوعية في مواجهة الإمبريالية والإقطاع، ومن جهة أخرى جبن وتذبذب واستعداد دائم للمساومة والخيانة.

أما البرجوازية الصغرى، فهي أوسع وأكثر تذبذبا. تنقسم إلى يمينها ويسارها ووسطها المتردد، لكنها بطبيعتها لا تملك استقلالا اقتصاديا ولا مشروعا تاريخيا. هي تعيش بين مطرقة رأس المال وسندان العمل، تحلم بأن تصبح بورجوازية كبيرة وتخاف أن تسقط إلى صفوف البروليتاريا. لذلك فهي ثورية بالكلام، إصلاحية ومساومة في الممارسة. وهذا ما يفسر عجزها التاريخي: من لم ينجز ثورته البورجوازية الخاصة، من لم يقطع مع الإقطاع والكومبرادور في حقله ومصنعه، لا يمكنه أن ينجز ثورة باسم غيره.

البرجوازية الوطنية المغربية لم تنجز يوما ثورتها الصناعية، بل تكونت كبرجوازية إدارية وريعية من رحم جهاز الدولة الاستعماري وما بعده، عبر الرخص والتفويتات والصفقات. والبرجوازية الصغرى لم تستطع أن تكون يمينا حقيقيا يدافع عن السوق الحرة لأنه لا توجد سوق حرة، ولا يسارا حقيقيا يدافع عن المنتجين لأنها تخاف من المنتجين. لذلك فشلت في أن تكون طبقة حاكمة بديلة، وتحولت إلى طبقة وسيطة متطفلة تعيش على هامش الريع وتدافع عنه، ووظيفتها الوحيدة هي الوساطة والسمسرة.

ومن هنا نفهم القانون الماوي: القيادة الثورية في بلدان المحيط لا يمكن أن تكون بيد البرجوازية الوطنية ولا بيد البرجوازية الصغرى، بل حصرا بيد البروليتاريا وحلفائها من الفلاحين الفقراء، لأنها وحدها الطبقة التي لا تملك ما تخسره سوى قيودها. أما البرجوازية الصغرى، إذا تركت لقيادة الحركة، فإنها ستقودها حتما إلى المساومة ثم إلى الخيانة ثم إلى التحول إلى فرملة تاريخية. وهذا ما عشناه حرفيا: برجوازية صغرى تسيطر على جهاز كان من المفترض أن يكون أداة قطيعة، فتحوله إلى أداة مساومة وتدوير لنفس الكتلة الطبقية السائدة.

ولهذا، فإن الخلاصة العلمية لا يمكن أن توجه للكادح المقهور المنعزل موضوعيا عن مؤسسات الدولة الطبقية، والذي عبر عن وعيه الطبقي الغريزي بالقطيعة وبالهجرة وبالمقاطعة السلبية. هذا الكادح فهم بحدسه الطبقي جوهر اللعبة وقاطعها.

إن التناقض الرئيسي اليوم يكمن في البرجوازية الصغرى المتذبذبة والمتفسخة بطبيعتها الطبقية، وهي التي تساهم موضوعيا في إعادة إنتاج نفس النمط السائد. فهو لم يعد بين العامل الكادح / المعطل / المستغل والدولة مباشرة، فهذا الأخير قد حسم موقفه باللامبالاة والمقاطعة والهجرة، بل أصبح داخل معسكر التغيير نفسه، بين الكتلة الهائلة المستغلة وبين من تدعي احتكار تمثيلها وتفرملها.

هذه الفئة -.. الموظف الصغير، الإطار المأجور المهدد بالبلترة، المحامي والطبيب الصغير، الأستاذ المنهك، الطالب الذي يحلم بالاندماج في جهاز الدولة.. – هي بحكم موقعها الطبقي المتذبذب بين رأس المال والعمل، لا تملك مشروعا تاريخيا مستقلا، بل تعيش على هامش البرجوازية الكبرى وتتغذى من فتاتها. والأخطر حين تتركز طلائع هذه البرجوازية الصغرى سياسيا في حزب كان من المفترض موضوعيا أن يضطلع في انتخابات شتنبر بدور تاريخي قطائعي، فتتحكم في لوجستيكه وقراره وتوجهه. هنا تتحول من فئة متذبذبة إلى تعبير طبقي منظم يفرمل أي إمكانية للحركة نحو الأمام. إنها لا تكتفي بإعادة إنتاج الأيديولوجيا السائدة، بل تمارس وظيفة الفرملة التاريخية: تحتكر أداة التغيير المحتملة وتحولها إلى أداة لتدوير نفس السيطرة الطبقية.

والأخطر من ذلك أن هذا أصبح يتم بوعي تام، أي أنها تدرك أن مشاركتها ليست تكتيكا مرحليا بل هي اصطفاف واع مع الكتلة الطبقية السائدة ضد مصالح قاعدتها الاجتماعية المفترضة. وهي التي تتحمل المسؤولية الأيديولوجية فيما يقع. لأنها بدل أن تمارس وظيفتها التاريخية كحليف موضوعي للطبقة العاملة في كشف زيف “تحميل المواطن المسؤولية”، أصبحت هي نفسها الناطق الرسمي بهذا الزيف.

إنها تمارس وظيفة الجهاز الأيديولوجي للدولة، لكن بلبوس تقدمي. تبرر مشاركتها الانتهازية في هذه المسرحية الانتخابية المحسومة، وفي شروط سياسية عنوانها الاعتقال السياسي المستمر لنشطاء حراك الريف، واعتقال شباب جيل Z وفنانين ومدونين/ات، تشريد العاملات والعمال والتضييق الممنهج على الحريات، واستمرار مسار التطبيع، وتفاقم الفقر والبطالة وغلاء المعيشة، بأنها “تحصين للمكتسبات” و”عدم ترك الفراغ” و”النضال من الداخل”. بينما هي في الحقيقة، وخصوصا في هذا السياق المضطرب، لا تشرعن الاغتراب فحسب، بل تمنحه غطاء أخلاقيا يساريا فوق جراح المعتقلين والمقهورين، وتساهم مباشرة في عزل الطبقة الكادحة عن وعيها بذاتها وتحويل معركة الحرية والكرامة إلى أمل كاذب وشعارات زائفة.

وهنا تتجلى الخيانة الطبقية للبرجوازية الصغرى المتذبذبة لنفسها ولدورها التاريخي. فبدل أن تقوم بتحليل ملموس للواقع الملموس: واقع شعب كادح مغترب بالكامل، مقاطع بالملايين للعبة المؤسسات الطبقية، لا يثق لا في حكومة ولا في برلمان ولا في منتخبين، يعبر عن رفضه الطبقي بالهجرة وبالعزوف وبالصمت السياسي، قررت هذه البرجوازية الصغرى، كتعبير عن تذبذبها الطبقي، الرجوع إلى الوراء والدخول في مسرحية التحالفات ومن ثم إلى مسرحية الانتخابات والفوز ببضعة مقاعد في انتخابات الأقلية لأجل تأثيث المشهد بمعارضة كاريكاتورية صورية لا تسمن ولا تغني من جوع. انتخابات الصاك والمصالح والقبيلة والربعالاف، انتخابات تعيد إنتاج نفس الطبقة الحاكمة المسيطرة في عملية تدوير لا تنتهي.

إنها لم تستطع أن تقرأ أن اللحظة التاريخية ليست لحظة ترقيع برلماني، بل هي لحظة قطيعة ثورية مع نمط الإنتاج الريعي. لم تستطع أن تكون وفية لمنهج المقاطعة المبدئية لانتخابات لا تنتج سوى إعادة إنتاج نفس السيطرة الطبقية، وأن تعبئ جماهير الكادحين المقاطعين ككتلة تاريخية. بل على العكس، بدل أن تلتحق كطليعة بالقاعدة المقاطعة، التحقت بصف المشاركين المزيفين لتضفي الشرعية على نفس العقيدة التي يفندها هذا المقال علميا: عقيدة أن الفقر هو مسؤولية المواطن التي يجب أن يتحملها عبر المشاركة في تزكية المسرحية.

وقد رأينا ذلك حرفيا في شتنبر: برجوازية صغرى دخلت المسرحية الانتخابية بذريعة “تحصين المكتسبات” و”عدم ترك الفراغ”، فخرجت ببضعة مقاعد صورية تؤثث مشهدا كاريكاتوريا، بينما بقيت علاقات الإنتاج الريعي كما هي، وبقيت جحافل الساخطين المقاطعين / المقصيين خارج اللعبة، يثبتون بحدسهم الطبقي أن الوعي الحقيقي كان في المقاطعة لا في المشاركة.

إن الدرس التاريخي لما بعد شتنبر واضح: لا خلاص بتدوير نفس الوجوه، ولا ببرنامج يأتي من فوق جهاز الدولة، ولا بتحالف انتخابوي فوقي يأتي من فوق مصالح الجماهير. الخلاص الوحيد الممكن تاريخيا هو بالتعبئة الشاملة والانحياز الطبقي الواضح والصريح لملايين المهمشين المستغلين، وقولها علنا وبكل الطرق للمهمش والمقهور: أنت لست مسؤولا عن بؤسك وفقرك، أنت ضحية علاقة استغلال طبقي، ومن ينهب ثرواتنا لابد أن يأتي يوم ويزول.

شارك المقالة

اقرأ أيضا