ميزانيةُ 2019: إغناءُ الأغنياءْ وإفقارُ الفقراءْ

Print Friendly, PDF & Email

يجري إعداد ميزانية سنة 2019 في سياق اقتصادي مضطرب. ويكشف توجيه رئيس الحكومة بهذا الصدد عزمه مواصلة منح المزيد السخاء لصالح الأغنياء، وتقويض مصالح الطبقات الشعبية الكادحة.

تتوقع المذكرة التأطيرية لمشروع قانون المالية سنة 2019 تحقيق نمو اقتصادي قدره 3.2 في المائة في 2019، ونسبة عجز في الميزانية قدرها 3 في المائة. وتتوقع المندوبية السامية للتخطيط نموا، يجره الاستهلاك الداخلي، العمومي والاستهلاك النهائي للأسر، بنسبة 3.1 في المائة سنة 2018، مقابل 4.1 في المائة في 2017، و2.9 خلال سنة 2019. في حين ستشهد المديونية العمومية تزايدا من 82 في المائة سنة 2017، إلى 82.6 بالمائة سنة 2018، ثم 82.9 بالمائة في 2019. ومن جهته، توقع بنك المغرب أن يتراجع معدل نمو الاقتصاد المغربي إلى 3.1% في 2019، مقابل 3.5% في 2018. فيما أبقت الأمم المتحدة على توقعاتها لنمو الاقتصاد بالمغرب بنسبة 4.1 في المائة سنة 2018، وانخفاضه بشكل طفيف إلى 4 بالمائة 2019. وتوقع صندوق النقد الدولي نموا قدره 3.1 في المئة سنة 2018 مقابل 4.2 في المئة في 2017 و4 في المئة عام 2019. وجاءت توقعات البنك العالمي بمعدل للسنوات المقبلة ب 3.5 في 2019، و3 في المائة سنة 2020.

باختصار، الكل مجمع على أن تعافي الاقتصاد المغربي مؤجل إلى حين، وبالتالي استمرار تفاقم مصائبه (المديونية والبطالة والبؤس)

تنوي الحكومة مواصلة خلق الظروف الملائمة للاستثمار وتحفيزه سعيا لكسب ثقة الرساميل الخاصة المحلية والأجنبية، بخاصة في مجال «الحكامة ومناخ الأعمال والتعليم وسوق العمل، والتي من شأنها تحسين ثقة الفاعلين في الاقتصاد الوطني والنهوض بعجلة الاستثمار والتنمية.» ولذلك ستعمل الحكومة على «إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وإصلاح ميثاق الاستثمار. هذا التطور يجب أن يدعمه إطلاق برامج إصلاحية أخرى كمواصلة تحسين مناخ الأعمال، وإصلاح قانون الشغل وتسهيل حصول الشركات على التمويل ومكافحة الفساد.».

بالنظر للمضمون الطبقي الصريح لما تعزم الحكومة تنفيذه سنة 2019، فإن ما يسمى إضفاء الطابع الاجتماعي على الميزانية المقبلة ليس سوى درا للرماد في العيون. تقول رئاسة الحكومة بصريح العبارة أنها بصدد «مواصلة جهود إرجاع الضريبة على القيمة المضافة لمقاولات القطاع الخاص؛ ومواكبة الاستراتيجيات التنموية الكبرى: الفلاحة، الطاقات المتجددة، السياحة، الماء، الصناعة التقليدية، الصيد البحري، البنيات التحتية واللوجستيك، البيئة والتنمية المستدامة؛ وإقرار إعفاء ضريبي لمدة 5 سنوات للمقاولات الصناعية الحديثة النشأة؛ ومواصلة دعم التنمية الصناعية والاستثمارات؛ وإطلاق التشاور والإعداد للإصلاح الشمولي لمنظومة التقاعد؛ ومواصلة السياسات التحفيزية (الجبائية والتحويلات) التي يجب أن يتم تقييمها من ناحية الأثر على القدرة الشرائية للأسر ولكن دون إغفال أثرها على النمو والإنتاجية.

إن سياسة الدولة تواصل نفس النهج. ضرائب أقل على الشركات والأغنياء وقضم لحقوق ومكاسب الأغلبية الساحقة المكتوية أصلا بعنف الأزمة. تقول الدولة، وحكومتها، ومؤسساتها المتنوعة، أنها تعول على المزيد من الاستثمار العام والخاص، وعلى شراكتهما أيضا، واستقطاب الرساميل الأجنبية، وبالتالي خلق نمو إضافي وفرص عمل إضافية.

وفقا لسياسة الدولة كل شيء بمكانه لتعزيز النمو والتنافسية، فقد جرى فعلا في السنوات الماضية كلها، ولعقود، تنفيذ تدابير خفض الضرائب على رأس المال، وتشديد القيود على قوة العمل وجعلها مرنة وهشة. لكن النمو المفترض لم يكن في الموعد، ولا فرص الشغل موفرة كفاية لامتصاص بطالة جماهيرية ودائمة متراكمة على مر السنين.

تشير المندوبية السامية للتخطيط إلى المساهمة السلبية سنويا للتجارة الخارجية في نمو الاقتصاد المحلي، وأن نموه متوفق على عافية الاستهلاك الداخلي العمومي والأسر. والأخيران ينتعشان بالقروض التي راكمت مديونية عمومية وأسرية كبيرة. عدا ذلك يظل النمو مرتهنا بالتساقطات المطرية وأهمية الموسم الفلاحي، وأيضا بعافية سوق الاتحاد الأوروبي وطلبه الموجه للمغرب. وأشارت أيضا إلى أن «مجهودات ترشيد النفقات مكنت من التحكم في الحاجيات التمويلية للخزينة، غير أن الزيادة المستمرة لنفقات الاستثمار وتراجع وتيرة نمو المداخيل الجارية، نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي، قد تؤدي إلى تفاقم جديد لعجز الميزانية إلى مستويات مقلقة». وحذرت المندوبية من «تراجع مداخيل الضرائب المباشرة على الشركات والضرائب غير المباشرة، والتي يرتبط تطورها بشكل كبير بالنشاط الاقتصادي، إذ فقدت على التوالي 0.7 و1.1 نقطة في النسبة المئوية من الناتج الداخلي الإجمالي منذ سنة 2012، أي منذ بداية تراجع النمو الاقتصادي الوطني.».

تراجع استهلاك الأسر متوقع بفعل تزايد الضرائب، وبخاصة غير المباشرة، وغلاء المحروقات وبالتالي المواد الغذائية، وتدهور الخدمات العمومية والإجبار على أداء الاستفادة منها، أو اللجوء لقطاع خاص مشتغل بمنطق الربح… وإذا انخفض النمو فمعنى ذلك تراجع عائدات الضرائب، بالتالي تواصل عجز الميزانية ولما لا تفاقمه.

كل التوقعات تشير لارتفاع العجز سنة 2019، سواء عجز الميزانية أو عجز الميزان التجاري، ولن يكون ذلك بسبب اهتمام خاص توليه الدولة للميدان الاجتماعي، بل على العكس بسبب الاستمرار في أداء فاتورة باهظة لمديونية غير شرعية، وبدل المزيد من الهدايا السخية لرأس المال. إن ما يجري إعداده هو ميزانية للأغنياء بالأخذ دوما من الفقراء.

تصر الدولة على الذهاب بعيدا بإصلاحاتها المضادة على جميع المستويات. يساعدها في ذلك الخضوع شبه التام للمنظمات النقابية، في ظل بيروقراطيات مستسلمة تماما، وهي المفترض أنها تدافع على مصالح الطبقة العاملة والطبقات الشعبية.

في مواجهة هذه الهجمات المعممة، وهذه النكسات العميقة، وهذه الفوضى الرأسمالية، فإن الرد يكاد يكون ضرورة البدء من الصفر. نشهد الآن ان النقابات ليس بجدول أعمالها سوى اللهاث وراء الحوار الاجتماعي، وتهديد أجوف بخوض معارك غير محددة ولا مجدولة، وفي أحسن الأحوال إعلان مواعيد بلا غذ هي نفسها غالبا ما تعلق، أو تقتصر على احتجاج رمزي بلا أفق.

وسياسيا، انتهى زمن المعارضة التاريخية المناوشة بتحكم، ولم تبرز بعد قوى سياسية يسارية مناضلة، إصلاحية أو ثورية، تعزز النضال وتقوده.

ينبغي أن تساعد مبادرات من الأسفل، تدعمها قوى النضال المتواضعة الموجودة، على بناء تعبئات طويلة النفس وذات قدرة على عرقلة النشاط الاقتصادي، وتنظم أيضا مختلف أشكال الكفاح ضد قمع الحريات الممنهج لتثبيط الانخراط الجماهيري في المعارك العمالية والشعبية.

بقلم: سليم نعمان