نقابات شغيلة التعليم وتنسيقية الأساتذة المفروض عليهم التعاقد: معركة واحدة ومصير واحد

Print Friendly, PDF & Email

أصبح شغيلة التعليم العمومي مقسّمين إلى مرسمين ومتعاقدين بفعل سعي الدولة إلى إضفاء الهشاشة على تشغيل أجرائها بقصد تشديد استغلالهم وإضعاف قدرتهم على الدفاع عن حقوقهم. وليس فرض التعاقد الوجه الوحيد لتعدي الدولة على أجرائها، فحتى المرسمون مستهدفون بإعادة نظر شاملة في علاقة الشغل الخاصة بهم من أجل أقصى مردود (= استغلال) كما الجاري في القطاع الخاص.

لهذا فالمعركة ضد التعاقد ليست إلا جزءا من معركة أشمل وأضخم. ومع الأسف لم تتمكن الحركة النقابية من صد هجوم التعاقد في أوانه، بسبب ضعفها الناتج عن تشتت نقابي وتسلط بيروقراطي وضعف القطب الكفاحي داخلها.

مهما يكن من أمر، لا تزال معركة الدفاع عن عمل وحياة لائقتين تجمع كافة مستخدمي الدولة. ومن لا يدرك هذا من مرسمين فإنه يجري إلى حتفه. ستنهج الدولة سياسة “فرق تسد” عبر ترك المرسمين على حالهم، وتوظيف الجدد بعقود، ثم بعد تكريس هذا الوضع تعود للهجوم على المرسمين بشراسة أشد.

   إن غاية خلق أوضاع مختلفة داخل نفس المهنة هي تكريس فروق في المكاسب وشروط الاستغلال تقسم الشغلية، وهذا ما تسعى دولة الاستغلال إلى خلقه بالوظيفة العمومية بعد أن حطمت به وحدة العمال بالقطاع الخاص، حيث يوجد إلى جانب المرسمين كتلة من المؤقتين تحت غطاء المقاولة من باطن وشركات السمسرة في اليد العاملة، وهو وضع ألحق بالتنظيم النقابي ضربة صاعقة.

وتمثل اليوم المعركة التي تخوضها حركة الأساتذة المفروض عليهم التعاقد بقيادة تنسيقيتهم معركة تاريخية ستحدد مصير الأجيال المقبلة من أجراء الدولة. فمعلوم أن التعاقد لن يقتصر على التعليم، بل سيعمم بكل قطاعات الدولة. وبهذا المعنى فالتصدي للتعاقد معركة الحركة النقابية بكل مكوناتها. لكن واقع الأمر أن أزمة الحركة النقابية تشلها عن النهوض بالواجب الآن وهنا. فلم يكن بد من ظهور تنسيقية الأساتذة المفروض عليهم التعاقد. ولو نهضت النقابات بواجبها في أوانه، بتشكيل جبهة موحدة ضد هجوم الدولة، وتنظيم نضال موحد ضده، لانضم اليها المفروض عليهم التعاقد، وتعاظمت حظوظ الانتصار.

الآن، والوضع على ما هو عليه، أي وجود نقابات فيها المرسمون وتنسيقية المفروض عليهم التعاقد، ما العمل؟

الأساتذة المفروض عليهم التعاقد واعون أن المعركة ليست معركتهم وحدهم، وقد جدد مجلسهم الوطني الأخير (30 سبتمبر 2018) دعوة شغلية التعليم قاطبة إلى النضال الموحد بوجه عام، والى مشاركتهم في إطار نقاباتهم في الإضراب الوطني الذي تنوي تنسيقية الأساتذة المفروض عليهم التعاقد تنفيذه يوم 22 أكتوبر 2018.

وجلي أن وجود نقابات متعددة في قطاع التعليم، وقيام تنسيقية خاصة بفئة المفروض عليهم التعاقد، واقع ستنتج عنه حتما تضاربات في التوجيه والممارسة وفي التعامل مع مناورات الدولة. وقد بدأ هذا فعلا بالظهور ففي بيان المجلس الوطني للأساتذة المفروض عليهم التعاقد فقرة في نهايته جاء فيها حرفيا:

” استنكارنا لكل المحاولات المشبوهة الرامية إلى تأسيس سكرتاريات وعصب خاصة بالأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد من طرف بعض النقابات، كما نؤكد أن التنسيقية هي الممثل الوحيد لنضالاتنا وندعو الأساتذة لعدم الانخراط في اي كيان مواز لإطارنا”.

هذا ينذر بعداوة داخل الصف الواحد ستكون ولا شك شؤما على أجراء التعليم، المفروض عليهم التعاقد والمرسمين على السواء.

ينطوي موقف المجلس الوطني للمفروض عليهم التعاقد على بعض الحق وبعض الباطل:

 بعض الحق في بيان المجلس الوطني:

إقدام النقابات على تشكيل سكرتاريات أو لجان لها خاصة في صفوف المفروض عليهم التعاقد سيؤدي الى تشتيت نضال هؤلاء. حيث أن النقابات ستبادر إلى الدعوة إلى خطوات نضالية، وبفعل تعدد النقابات ستتعدد الدعوات والمبادرات، فضلا عما ستدعو اليه التنسيقية. كما ستنشب خلافات في التعامل مع مناورات الدولة، لا سيما ان ثمة قيادات نقابية متعاونة مع الدولة تحت قناع النضال.

سيؤدي تدخل القيادات النقابية في تنظيم الاساتذة المفروض عليهم التعاقد إلى تشتيتهم، ولو كانت تلك القيادات مع الوحدة لعملت من أجل توحيد نقابات قطاع التعليم منذ زمان.

الحق أنه يجب على الأساتذة المفروض عليهم التعاقد ان يبقوا موحدين تحت لواء تنسيقيتهم، وتبقى البرامج النضالية ودعوة الأساتذة إلى الالتزام بها بيد التنسيقية دون سواها. وواجب النقابات المنظمة للمرسيمن ان تتعاون معهم بتوحيد الخطوات النضالية ضد التعاقد ومجمل هجمات الدولة.

لا يقتصر واجب النقابات على مجرد تضامن بفتح المقرات وإتاحة اللوجستيك والدعم المالي والحضور الرمزي في أشكال النضال. يستدعي التضامن الحقيقي من قبل النقابات تبنيا حقيقيا وكاملا لمطلب التنسيقية بإدراجه في ملفاتها المطلبية ومعاركها الوطنية وفتح باب الانخراط أمام الأساتذة المتعاقدين والتعاون مع التنسيقية وليس منافستها.

 بعض الباطل في بيان المجلس الوطني:

يكمن العطب في موقف المجلس الوطني للأساتذة المفروض عليهم التعاقد في عدم تمييزه بين النقابات بما هي منظمات للشغيلة وبين القيادات البيروقراطية. نعم البيروقراطيات النقابية تستوجب اول ما تستوجب الحذر. لكن النقابات ملك للأجراء وسيحتاجها الفروض عليه التعاقد يوم يرسمون. لذا لا يصح دعوة الأساتذة إلى عدم الانضمام إلى النقابات [“عدم الانخراط في اي كيان مواز لإطارنا ” حسب تعبير البيان].

ليس هناك داع لاعتبار أن ثمة تناقضا بين تمسك الأساتذة المفروض عليهم التعاقد بتنسيقيتهم الوطنية وهياكلها الجهوية والإقليمية، وبين انخراطهم في نقابات بعينها. بل إن هذا الانخراط في النقابات هو ما سيفتح فرصة النقاش مع باقي شغيلة التعليم والوظيفة العمومية لحفز التضامن والانخراط في النضال ضد مخطط التعاقد الجهنمي الذي يستهدف الوظيفة العمومية بمجملها.

عين الحكمة هو أن تعلن تنسيقية الأساتذة المفروض عليهم التعاقد استعداد هؤلاء للانضمام إلى النقابات مع الدعوة والعمل لتوحيد نقابات التعليم ودمقرطتها.

لذا فإن الهجوم على نقابات التعليم بتهمة الانتهازية سيمنع هذا الانخراط مسبقا، وسيقف حاجزا أمام تخصيب النقابات بالقوى المكافحة والمجربة للأساتذة المفروض عليهم التعاقد، وهو نفس ما وقع مع تجربة الأساتذة المتدربين: إنها خسارة مزدوجة.

إن النقابات هي أدوات الأجراء للدفاع عن مستوى عيشهم ضد ضغوط رأس المال ودولته، وقد استطاعت البيروقراطيات-لأسباب يطول شرحها-إفراغها من مضمونها الكفاحي والديمقراطي وزجها في مسلسل لا ينتهي من استجداء الحوار والتضحية بمصالح الأجراء.

على طلائع النضال الصاعدة من المقاومة اليومية لمخططات دولة البرجوازيين، مثل تنسيقيات الأساتذة والمتدربين والذين فرض عليهم التعاقد والمديرين وحاملي الشواهد… أن تتحمل جزءا من مسؤولية النضال لانتزاع النقابة/ أداة النضال من يد هذه البيروقراطيات وإعادة تملكها من طرف كل الأجراء والأجيرات.

النضال يتقوى بالنقد والنقد الذاتي… إلى الأمام حتى النصر

شادية الشريف