نقد نسواني لقانون محاربة العنف ضد النساء: لا محاربة للعنف ضد النساء دون إلغاء مدونة الأسرة

Print Friendly, PDF & Email

 

 

صدر ضمن ملف عدد جريدة المناضل-ة 69 حول العنف ضد النساء

تقف مدونة الأسرة الرجعية كإحدى العقبات الرئيسية في طريق نيل حقوق النساء الديمقراطية ، فلا يمكن التقدم في الكفاح من أجل تساوي النساء و الرجال سوى بالنضال من أجل إلغائها. وهذا ما تبين من مشروع قانون محاربة العنف ضد النساء الذي لن يكون أبدا منصفا للنساء وحافظا لحقوقهن و حاميا لهن من العنف الذكوري الرجعي و رادعا لممارسيه مادامت مدونة الأسرة إحدى ركائز السلطة الذكورية المضفية شرعية على العنف ضد النساء بابقاء تعدد الزوجات، و فرض زواج القاصرات، و تكريس تملك أجساد النساء، و الميز في الميراث، و إعلاء سلطة الرجال في الأسرة و المجتمع، و تقديس العلاقات الجنسية المبنية على الزواج مقابل تجريم العلاقات الجنسية الرضائية المجسدة لإرادة الأفراد.

تعدد الزوجات

لم يجرم مشروع قانون محاربة العنف ضد النساء زواج التعدد المستعبد فعليا للنساء. إذ لا زال بالإمكان بعد المصادقة على هذا القانون إبرام ما يناهز 900 عقد زواج للتعدد كل سنة، ما يعني ما لا يقل عن 1800 امرأة ضحية لشكل العنف سنويا. و بذلك يحافظ المشروع على أحد أدوات سلطة الذكور القهرية كما تجسدت في القرون المظلمة. وينبغي حتما على الحركة النسائية التقدمية تعبئة النساء للنضال من أجل إلغاء تعدد الزواج الذي تكرسه مدونة الأسرة الرجعية. وغدا عندما تنجح نضالات النساء في إزاحة هذا السيف المسلط على رقابهن، سيمثل ذلك خطوة في اتجاه الحد من جبروت سلطة قهرهن.

فرض زواج الفتيات

لم يتطرق مشروع القانون إطلاقا لزواج القاصرات رغم كونه أحد أخطر أشكال العنف الذكوري ضد الفتيات المكرس بمدونة الأسرة. و هذا الزواج في حقيقة الأمر اغتصاب بالمعنى الحرفي، لأنه يهم طفلات قد يتراوح عمرهن ما بين 14 و 16 سنة، فضلا عن أن معظم الحالات قد تجري في ظل الإكراه. ففي سنة 2013، على سبيل المثال، بلغ عدد طلبات الإذن بزواج الطفلات و المراهقات 43416، في حين لم يبلغ طلبات زواج الذكور أقل من 18 سنة غير 92 حالة فقط. لا يتعلق الأمر هنا بزواج القاصرين، و إنما هو زواج للقاصرات بالتحديد. و هو ما يمثل برهانا فعليا على كونه أحد أبشع أشكال العنف المستندة على تمايزات قائمة على النوع الاجتماعي. إن هذا العدد الهائل من الضحايا لا يحتمل نظرا لعواقبه الجسيمة الجسدية و النفسية على عشرات الآلاف من الفتيات سنويا. فالمضاعفات الصحية للحمل لدى المراهقات يؤدي إلى ارتفاع للوفيات في صفوفهن. ليس فرض الزواج على الفتيات غير أحد تجليات سلطة الذكور التي ينبغي القضاء عليها بتغيير جذري لبنيات السيطرة الاقتصادية و الاجتماعية لفرض مساواة فعلية.

عدم محاربة مختلف أشكال السيطرة على أجساد النساء

كل مس بحرية النساء في التصرف بأجسادهن انتهاك لحقوقهن الإنسانية الأساسية. ورغم ذلك، لم يعمل مشروع القانون الحالي على محاربتها، بل تجاهلها بالكامل. إذ حافظ على عدم تجريم الاغتصاب الزوجي، وهو من أشد أشكال العنف ضررا لنفسية النساء ولكرامتهن. و لم يجرم منع النساء من حقهن في الوقف الإرادي للحمل. لا يعترف مشروع القانون بالعلاقات الجنسية الرضائية بين الأشخاص، و بذلك يسهم في تجريمها بإدراجها في جريمة “الفساد”. إن عدم تمييز العلاقات الجنسية الرضائية عن الدعارة شكل من أشكال العنف ضد النساء يسعى للتحكم في أجسادهن و حريتهن و قراراتهن الشخصية. فنص المشروع لا يعترف إلا برابطة الزواج بالرغم من أنها تشهد أزمة عميقة و تمثل مجالا لإكراه النساء و ممارسة العنف ضدهن.

و إضافة لذلك، لم يتطرق المشروع لظاهرة مصادرة الأزواج و الأسر حق النساء في التنقل بحرية رغم كونه أحد أشكال استعباد النساء، كالمنع من زيارة الأهل ومن مرافقة الأصدقاء، بالأخص إن كانوا ذكورا، وفرض أوقات معينة للخروج من المنزل ودخوله، ومصادرة حق النساء في لباس ينتقينه بحرية و صنوف عديدة أخرى للتحكم في سلوكهن و فرض الرقابة عليهن.

عدم محاربة التمييز في الميراث أبرز مظاهر العنف الاقتصادي

لم يشكل مشروع القانون الحالي أي تقدم في اتجاه القضاء على الميز في الميراث لصالح الرجال الذي يعتبر أحد أبشع أشكال العنف الضارة بالحقوق الاقتصادية لنساء. فلازال الرجال يحظون بحصة في الميراث توازي ضعف ما يعود للنساء. و يؤدي ذلك إلى حرمانهن من الولوج لمصادر الدخل وتطوير أنشطتهن الاقتصادية. وينجم عن ذلك أن حصة النساء المغربيات من الملكية العقارية ومن ملكية الأراضي الفلاحية الصالحة للزراعة شبه معدومة. لا مبرر لهذا الإقصاء وهذا التفاوت، أحد مظاهر اضطهاد النساء الذي يكرسه و يعيد إنتاجه نظام السيطرة الذكورية. ومن بين الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها هذا النظام القهري الثقافة الدينية والتقاليد البالية. و تساهم هذه الأخيرة في الغاء كلي لحقهن في الميراث، كما تبين ذلك من خلال إقصاء النساء السلاليات من الاستفادة من الدخل المالي الناجم عن كراء أو تفويت الراضي الجماعية. و لولا نضالات حركتهن المطلبية لما تمكن من فضح هذا التمييز وإثبات عدالة مطالبهن وانتزاع اعتراف بحقوقهن. و هناك أيضا نموذج السطو على منزل أو أرض المتوفى عنها زوجها، خاصة إذا لم يكن ليدها أبناء، وهي ظاهرة واسعة الانتشار لم يسع المشروع لوضع حد لها بتدابير لحماية حقوق اقتصادية أولية مرتبطة بدورها بحق الميراث.

و إضافة لذلك لم يعمل المشروع على وضع تدابير لمنع الأزواج أو الأباء من منع النساء من الخروج للعمل.

بقلم سعيدة حمزاوي